في ضيافة «بيزا».. مدينة الفن والحكمة والكنائس

في هذا الصباح الربيعي وصلت إلى مدينة بيزا الإيطالية ووجدت ملكة الفلاسفة في استقبالي، إنها مانويلا باسكي هذه المرأة المبتهجة بالماهية، ذات إرادة قوية ورثتها عن الفلاسفة الألمان، خاصة كانط الذي اختارته كموضوع لأطروحة الدكتوراه، لم يكن الوقت يسمح بغير تلك الأسئلة التي لا تتطلب وقتا للتفكير. حين سألتها «لماذا كل هذه الكنائس؟ أجابت بسخرية سقراطية «لم تعد كنائس لقد تحولت إلى متاحف ومكتبات من أجل نشر الثقافة في زمن بدأ يبشر بالأفول، والثقافة هي ما يشكل هوية الشعب الإيطالي. وبالفعل فإن هذا الشعب استطاع أن يصبح أمة عظيمة بفضل الثقافة.
بيد أن هذه المدينة مازالت تحافظ على عمقها الروحي وهويتها الطودوسكانية، ومادام أن التغيير لا يكون من الوجود إلى العدم، بل من العدم إلى الوجود، لأن الروح لا تنمو في العبادات وحدها، بقدر ما تنمو في الثقافة والعلوم والفلسفة، هكذا تصبح فكرا يحاور الوجود بواسطة اللغة. واللغة الإيطالية تحولت إلى مأوى للوجود ومسكن للروح الرومانية التي حققت أمجادها في تلك الإمبراطورية العظيمة.
وبمجرد ما انطلق الحوار انفتحت أمامي أزقة هذه المدينة المنظمة بهندسة معمارية غاية في الإبداع، ولذلك لم أجد غير تلك الأسئلة الحميمية التي رافقتني خلال هذه الرحلة، فبأي معنى يمكن للفلسفة والسينما أن تكون مدخلا لحوار الثقافات؟ وما الذي سأقوله عن معاناة الفلسفة والسينما في بلدي؟ وهل ألتزم الصمت؟ وهل نسيت الحقيقة من جراء القمع؟ ألا يكون الشعور بالغربة أعنف من الغربة؟
مهما يكن مهرجان بيزا بسيطا لا يتطلب ميزانية كبيرة، فإنه استطاع أن يسجل حضوره بقوة في المدينة، التي حولت الفن والفلسفة إلى كنز ثمين لجلب السياح، ولذلك نجد بيز توجد في قلب الجامعة والأماكن الثقافية، لأنه لولا الجامعة لتحولت بيزا إلى مدينة للمتقاعدين، فمن خلالها انتقل الصراع إلى الطبقي إلى صراع معرفي، صراع من أجل القضاء على الجهل والرقي بالروح إلى مرتبة الوعي الإستطيقي الذي ساهم في تنمية المدينة ثقافيا وسياحيا، إنها استراتيجية لا يمكن أن تنجح هنا، حيث روح غاليليو تمتد في روح المدينة.
ثمة آراء أهل المدينة الفاضلة ترقص على أنغام السعادة والمرح، لأنهما الشيء نفسه، كما قال الفارابي، ولذلك لا أستطيع قراءة هذه السعادة المدنية، سوى بفلسفة الفارابي، حيث المدينة الفاضلة تتأثر بأهلها فإن كانوا سعداء تكون سعيدة، وإن كانوا علماء تكون عالمة، لأن جدل العقل المستفاد والعقل الفعال تبدو تجلياته في المدينة وعلى وجوه سكانها. فالمواطن يصبح شغوفا بمدينته والمدينة مواطنة «فالمدينة التي يقصد بالاجتماع فيها التعاون على الأشياء التي تنال بها السعادة في الحقيقة هي المدينة الفاضلة» كما قال الفارابي، بل يكون سكانها من السعداء.
لقد تذكرت الفارابي ومدينته الفاضلة التي أحملها معي أينما ارتحلت، عندما تعرفت على كريستينا دانكونا صاحبة كتاب «بيت الحكمة» الذي قام بترجمته الصديق عصام مرجاني، وهي متخصصة في الأفلاطونية الحديثة، ومدى تأثيرها في الفلسفة العربية، وكان الحوار معها عميقا وممتعا، استحضرنا الراحل جمال الدين العلوي وكتابه «المتن الرشدي» الذي أحدث ثورة في حقل الدراسات الرشدية، كما تحدثنا طويلا عن المستقبل، فهي شغوفة بالاكتشافات، وما يحمله المستقبل من جديد، ولذلك نجد حماسها متجها نحو كنوز المخطوطات الموجودة في خزانة القروين والخزانات العالمية. دائمة الاتصال بالعالم أندرز وغيره، فسعادتهما تنمو بحلقة الكندي وما قاله ابن النديم عن الترجمة للفلسفة اليونانية إلى العربية. وحين ودعتها اتفقنا على تنظيم مؤتمر دولي حول ترجمة الفلسفة العربية ودورها في نهضة المتوسط.

بيزا تبدو مدينة حزينة مقارنة مع فلورنسا، والشاهد على ذلك أن الساحات المقدسة في فلورنسا حولها الفن إلى ساحات مبتهجة، حيث الألوان ترقص على إيقاع الموسيقى.

قررت في هذا الصباح أن أترك أهل بيزا ينامون في اطمئنان عن مدينتهم، أما أنا فسأذهب للبحث عن غاليليو، هذا العالم الذي تم تهميشه في حياته وبعد موته، سألت عنه، فأخبروني أنه يوجد خارج أسوار المدينة، تمثاله يطل على النهر، تمثال بسيط لرجل عظيم قام بثورة في علم الرياضيات، لكن هذه الثورة انقلبت عليه فطرد من الجامعة والمدينة دفعة واحدة، لأنه قال بأن الجسم الثقيل والخفيف يسقطان بالسرعة نفسها، والاختلاف بينهما سببه مقاومة الهواء للجسم الخفيف، ما يجعله يتأخر في السقوط، لكن أعداء غاليليو رفضوا التجربة التي تمت على هذا البرج المائل، ربما لأنه يخجل من هذه اللحظة التاريخية، لحظة نكبة العلم بواسطة رهبان الكنيسة، فهذه النكبة هي المشترك بين العلماء والفلاسفة، ولعل محنة ابن رشد لأكبر شاهد على ذلك. فالتمثال ينقلنا إلى الأجواء التي تمت فيها محاكمة غاليليو، وإلا ما معنى اللون الأسود؟ وما معنى هذا الأصبع الموجه إلى السماء؟ بل ما معنى هذا التمثال البسيط لعالم عبقري غير مجرى الإنسانية؟ ولماذا نجد تمثال الزعماء العسكريين بديعة الصنع وأمكنتها مختارة بعناية كبيرة وسط المدينة؟ أسئلة لا يمكن أن يجيبك عنها سوى غاليليو، ولذلك سنتركها جانبا، ونذهب إلى حقيقة هذه المدينة التي يكثر فيها عدد الكنائس، فهناك دولة المسيح مقابل الدولة المدنية، ولا أحد يستطيع أن يفلت من قبضتهما، فهما معا قدر واحد، فالخروج عنهما يعني العقاب ثم النفي، وغاليليو قال الحقيقة العلمية، ولذلك كان عقابه شديدا من قبل الحقيقة الثيولوجية.
والحال أن بيزا تبدو مدينة حزينة مقارنة مع فلورنسا، والشاهد على ذلك أن الساحات المقدسة في فلورنسا حولها الفن إلى ساحات مبتهجة، حيث الألوان ترقص على إيقاع الموسيقى، ما يجعل أهلها سعداء، يضحكون ويرقصون، الضحك والرقص شعار السعادة عند زرادشت نيتشه، الذي بشر بالإنسان الراقي. ولا أستطيع غير القول بأن ساحات بيزا شبه صامتة وسوداء، وأهلها حذرون لا يتحملون ضجيج الغرباء. ومع ذلك فهناك نخبة مثقفة لامعة الأسماء، تسعى إلى جعل من هذه المدينة ملتقى لحوار الثقافات، لقد كان لي الشرف أن أتعرف على هذه النخبة، وكان حوارنا مركزا حول إحداث جسر للتواصل الثقافي بين بيز وفاس، بيد أن الأحلام شيء والواقع شيء آخر فنحن كجمعية نصارع ونقاوم من أجل البقاء لأن أعداء الفلسفة يوجهون مدفعيتهم نحونا، نعم لقد حولوا فاس من العاصمة العلمية إلى عاصمة للفقر الروحي. هكذا وجدت نفسي في الطائرة التي حملتني إلى هذه المدينة الجاهلة، هربت منها وسأعود، فما الذي ينبغي على السجين الهارب من السجن أن يفعله غير العودة إلى سجنه والانتظار، فالسجناء في كهف أفلاطون، حتى إن أرغمناهم على الخروج ورؤية أشعة الشمس ومعرفة الحقيقة، فإنهم سيهربون، ويفضلون الكهف ومتعة الظلام والأوهام.
مهما يكن من أمر، فسبعة أيام في إيطاليا تساوي سبعة قرون في هذه البلاد التي تضطهد محبة الحكمة، وسكانها لا يعرفون السعادة ولا خطرت ببالهم .وبما أن الطائفة الدينية تهيمن على أرواحهم، فإن مصيرهم يظل دائما في طور الانبثاق مثله مثل العدم، مادام أن الحقيقة المطلقة توجد في التراث. مما يقود إلى استهلاك المعنى في المقدس ورفض العقل والتنوير والحداثة.

٭ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية