بعد مرور كل هذه العقود على التجمعات العربية الإقليمية، التي تفاءلنا بها خيراً كعمل عربي مشترك باتجاه الوحدة العربية، نستطيع القول ان هذه التجمعات لم تضف إلى مشروع الوحدة ــ سواء الإقليمية أو العربية ــ أي شيءٍ يذكر . ولم يعد مشروع الوحدة العربية، في أي من أولويات الدول العربية، حيث الاعتراف بشرعية القطرية، وتجيير العمل العربي لخدمة مصالح ضيقة، وقصيرة الأجل، ولا يستطيع احد أن يشكك في ذلك الواقع الأليم، حتى أن العرب تخلصوا من ذاك الحمل الزائد من الورق والحبر الرمادي الذي كتب به وحمّل في دبلوماسياتهم إلى مؤتمرات القمة . نلاحظ أن الدول العربية تلعب دور ‘أبناء الضرائر’، وينظر إلى كل جهد وحدوي على انه مرتد، ونجد أن العلاقات العربية أصبحت علاقة عكسية مع عصر التكتلات، فكلما توجه العالم إلى التكتل توجه العرب إلى التشرذم والفرقة والصراع على لعب الأدوار على بعضهم البعض، ونجد أن العلاقة أصبحت عكسية أيضاً مع الثروة، فكلما زادت بعض الدول العربية غنى وفائضا في الميزانية أصبحت أكثر كفراً بالوحدة العربية، أو حتى مجرد الإشارة إليها، ولو استطاعوا أن يرجموها كما يفعل الحجاج بإبليس في الحج لما توانوا ــ مع العلم أن دخل دولة واحدة مثل المانيا يفوق مستوى الدخل القومي للدول العربية مجتمعة ــ ومع العلم أيضاً أن الخزانة لبعض الدول العربية تعتمد على مصادر زائلة وغير متجددة . ومن المفارقات العجيبة الغريبة، أن الملف القُطري يتربع على رأس أولويات كل دولة عربية على حدة، وتحاول ــ واخص هنا الدول الغنية ــ التفرد بالقرار الاقتصادي والسياسي، غير أنها تهرول إلى القضية الفلسطينية والوحدة العربية في حال شعورها بالخطر . ونجد أن الثنائيات في التعاون العربي هي المسؤولة عن الإطاحة بالعمل العربي المشترك، وهي المسؤولة عن خلق حالة من الفوضى والتناقضات السياسية وعدم الثقة، حيث أن القاعدة في الهندسة المعمارية تقول ‘المثلث رمز التوازن بينما العمودان يتقاطعان’ فمن المخجل حقاً أن تستورد تونس البيض المغربي من اسبانيا، وتستورد الجزائر الملابس السورية من فرنسا، والوطن العربي يستورد البتروكيماويات الخليجية من دول جنوب شرق آسيا، ومن المؤسف والمخجل أن تجدول ديون الدول العربية من العملات العربية من خلال صندوق النقد الدولي وبالعملة الصعبة . ونجد أن هنالك شعورا تسرب حد العظم إلى الأنظمة العربية، بل تجاوز العظم، ألا وهو: أن الأمور المصيرية محسومة ومستوى التقدم والتطور محسوم والهزيمة محسومة.. وما قام به السلف الصالح من قبل والأجداد يكفي، ولا بد من استراحة محارب.. وهذه إحدى ركائز الفشل العام وانحطاط الأمة. اما الأمر الآخر هو أن العرب سادت بينهم فوبيا الاستعمار.. فكل فشل يعلق على شماعة الاستعمار وكل هزيمة وحركة ردة سببها الاستعمار، حتى أن عدم دفع الزكاة سببه الاستعمار، ونحن نعلم أن الاستعمار لم يستخدم قنابل نووية ضد الدول العربية كما حدث لليابان مثلاً.. التي تحتل مرتبة متقدمة ومتقدمة جداً على سلم الاقتصاد والسياسة والصناعة والتجارة الدولية، وكل هذا في اقل من ثلاثين سنة، ونجد أن دول المحور والحلفاء قد دمرت بنيتها التحتية والبشرية في الحرب العالمية الثانية بشكل يصعب الرجوع معه، بل على العكس وجدنا دول الحلفاء وأيضاً المحور قد عادت ونهضت وتربعت على عرش العالم، ونحن ما زلنا نبحث عن موقع في الصفوف الخلفية وللعالم الثالث. ومن الملاحظ أن جميع مؤتمراتنا واجتماعاتنا تؤسس للخلاف وتعمقه بل تؤكده، وهذا لن يبقى إلى ما لا نهاية، فهنالك يقظة شعبية عربية غير مسبوقة، ها قد بدأت من القاعدة ‘والأشجار تنمو بسرعة إذا سقيت من القاعدة وليس من الأوراق’ لذا لا بد من انجازات حقيقية وانتصارات حقيقية في جميع الساحات يشعر بها الإنسان العربي على ارض الواقع ..لا نريد انتصارات إعلامية ترقص على جثث الموتى والدمار، تصور لنا الواقع العربي على انه لبن وعسل وفي الحقيقة هو ‘دماء وأشلاء .. ثكالى ويتامى ودمار’. حان الوقت أن نقف امام المرآة بلا مساحيق، حان الوقت أن نقف امام واقعنا، امام نقائضنا، حان الوقت لنعلم علم اليقين أن الأشياء لا تأتي إلينا، بل يجب علينا الذهاب إليها وان الأشياء لا تنتظر، حان الوقت أن نكفر بأدوات الجامعة العربية الثلاث : نستنكر، نشجب، ندين ونكفر باللاءات الثلاث: لا للاحتلال، لا للاستيطان، لا للقتل ..لأن هذه اللاءات شرعنت المدنس وجعلت الأنظمة العربية في حل من أي التزام مباشر تجاه قضايا امتنا المصيرية . محمد علي مرزوق الزيود [email protected]