زيارة خاطفة متوقعة لوزير الخارجية الأمريكي، بومبيو، لإسرائيل في إطار حملة تهدئة في الشرق الأوسط، واتهام إيراني جديد بشأن هجوم إسرائيلي، ولقاء استثنائي نسبياً بين رئيس الأركان ورئيس “أزرق أبيض”.. هي تراكم أحداث اليوم الأخير التي تولد شعوراً معيناً من الفزع في الأجواء. عندما تقوم وسائل إعلام بضم هذه الأمور معاً (ويقولون إن لقاء كوخافي وغانتس يحدث على خلفية “هجوم إيراني محتمل”)، إذاً فالإيرانيون يقفون على الباب. يبدو أن ما يربط هذه الأمور لا يكون بالضرورة تهديداً فورياً، بل عملية طويلة المدى. إسرائيل قلقة وبحق من خطط ثأرية إيرانية، لكن هذه تتبلور منذ بضعة أشهر. التغيير الأساسي هو استراتيجي أكثر مما هو عملياتي أو تكتيكي: الولايات المتحدة تسرع الانسحاب من الشرق الأوسط، وفي الخلفية يزداد نفوذ إيران الإقليمي؛ ومع ذلك ازدادت أيضاً ثقتها بالنفس. هذا هو سياق زيارة بومبيو، وهذا كما يبدو أيضاً هو السبب الرئيس للقاء كوخافي وغانتس الذي جرى في ذروة المفاوضات الائتلافية العرجاء وعلى خلفية مطالب مالية استثنائية للجيش.
في الشهر الماضي كان هناك حادثان دراماتيكيان في الشرق الأوسط. الأول، الهجوم الإيراني على منشآت النفط السعودية في 14 أيلول. والثاني، المكالمة الهاتفية بين ترامب واردوغان في 6 تشرين الأول. الولايات المتحدة امتنعت عن الرد على القصف المتعمد الذي أدى إلى أضرار كبيرة لحلفائها السعوديين. حتى الآن تم الإبلاغ عن هجوم عقابي بالسايبر ضد الإيرانيين، الذي لم يتضح حجمه. إلى جانب ذلك، فإن موافقة الرئيس الأمريكي على إخراج قواته العسكرية الصغيرة من شمال شرق سوريا مهدت الطريق لهجوم تركي شديد على الأكراد.
إن الخيط الذي يربط بين الحادثين هو انخفاض حاد في الاستعداد الأمريكي لاستثمار جهود وموارد في المنطقة. كل ذلك تم تغليفه بنص لانهائي، يأتي بضع مرات في اليوم من أعماق تيار وعي ترامب. مع ذلك، فإن السطر الأخير في هذا النص واضح جداً: الرئيس يعتقد بأنه قد حان الوقت لإنهاء ما يسميه “الحروب اللانهائية” للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
السعودية والإمارات، الجارتان القريبتان من إيران، تقلقان بشكل خاص من عجز أمريكا. ولكن لإسرائيل سبباً للقلق. انسحاب أمريكا يطرح أسئلة حول مستوى التزام ترامب بإسرائيل في أوقات الأزمة، فالهجوم على السعودية جسد جرأة إيرانية متزايدة، ودقة عملياتية عالية وقدرة عمل تثير الانطباع. هذه تحتاج أيضاً إلى تغيير في أنظمة الدفاع والاعتراض الإسرائيلية التي تركزت خلال سنوات في الرد على إطلاق نار متعدد المسارات “صواريخ وقذائف” وليس على تهديد مضلل قريب من الأرض، بواسطة صواريخ كروز وطائرات بدون طيار. في المرحلة الأولى سيُطلب أكثر من 300 مليون شيكل لتحسين سريع لجاهزية بطاريات الاعتراض. وفي المستقبل، يتوقع أن يزداد المبلغ.
هناك عراب رئيسي وواقعي لمحاولة حل المعضلة السياسية، ويؤدي إلى إقامة حكومة وحدة، وهو رئيس الدولة رؤوبين ريفلين. الجيش غير موظف في ذلك بصورة مباشرة، لكن يمكن وصفه كعراب ثانوي. غانتس بالتأكيد سمع أمس من رئيس الأركان وصفاً كئيباً للتغييرات الإقليمية، والتأكيد على الحاجة إلى المصادقة السريعة على ميزانية الدفاع والخطة متعددة السنوات للجيش. في جلسة الكابنت التي عقدت الأسبوع الماضي دار الحديث عن إضافة 4 مليارات شيكل في السنة على مدى عشر سنوات على ميزانية الدفاع. هذا يطابق إلى هذه الدرجة أو تلك، حلم “الجيش الإسرائيلي 2030” الذي بلوره رئيس الحكومة بخطوط عامة في بداية السنة، حتى قبل التطورات الأخيرة. وحتى الآن لم يتم اتخاذ أي قرارات. غانتس مستعد كما يبدو إلى فحص تنازلات إبداعية مع نتنياهو في الطريق إلى حكومة الوحدة. الظروف الأمنية والاقتصادية توفر المبرر لذلك، بالتأكيد إذا بدأ تصعيد آخر في منطقة الخليج.
في الخلفية يجدر الانتباه إلى الأقوال التي جرى إسماعها أمس في طهران. الأسبوع الماضي، في الوقت الذي كانت فيه عيون دول المنطقة تشخص نحو ما يجري في شمال سوريا، ثمة حادثة غامضة في البحر الأحمر. ناقلة نفط إيرانية هوجمت أثناء الإبحار أمام الشواطئ السعودية. وقد استغرق وقت كي يتوصل الإيرانيون إلى نتيجة بشأن ما حدث هناك. ولكن عضواً في مجلس الأمن القومي الإيراني قال إن إسرائيل والسعودية تقفان وراء الهجوم الذي حدث بعد عدة هجمات مشابهة لإيران ضد ناقلات نفط كانت في طريقها إلى السعودية والإمارات. بكلمات أخرى، حساب إيران مع إسرائيل ما زال مفتوحاً، وآجلاً أم عاجلاً ربما ستكون محاولة أخرى لتسويته.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 17/10/2019