قرار إيران تخصيب اليورانيوم إلى مستوى يتجاوز النسبة المسموحة لها حسب الاتفاق النووي بدون أن تحدد أي مستوى تنوي تخصيبه، يذكر كما يبدو بطريقة السلامي. قبل عشرة أيام زادت نسبة اليورانيوم، والآن “نوعيته”. المرحلة القادمة ستأتي بعد شهرين، وقد تعود لزيادة الكمية والتركيز أيضاً.
سارع بنيامين نتنياهو إلى مقارنة خطوات إيران بخطوات ألمانيا النازية، التي احتلت المزيد من الأراضي، في حين أن العالم تعامل مع التمدد النازي كـ”خطوات غير مهمة” – لكن قصة إيران مختلفة من ناحية المضمون. إيران وقعت على اتفاق جمد مشروعها النووي لفترة 15 سنة على الأقل. لقد تمسكت بالاتفاق على مدى ثلاث سنوات، إلى حين انسحاب الرئيس ترامب منه بخطوة أحادية الجانب، وفرض عليها عقوبات جديدة خلافاً لمواقف الدول الأخرى التي وقعت على الاتفاق. رد إيران المتأخر يستهدف أن يفرض على الولايات المتحدة وأوروبا تنفيذ ما عليها، ورفع العقوبات عنها بواسطة رافعة التهديد الوحيدة التي بقيت لديها. هذا هو هدف الخروقات التي بدأت بها عندما تمسكت حتى الآن بمبادئ الاتفاق، وتحث الدول الأوروبية على استخدام نظام يتجاوز العقوبات الأمريكية في هذه الأثناء بدون تحقيق أي نجاح.
في حين أن إيران تتبع أسلوب السلامي، ترامب يستخدم ضدها أسلوب الفأس. النتيجة أن خيارات واشنطن السياسية آخذة في النفاد. وقد وضعت نفسها في مسار عسكري يثير الخلافات في الإدارة نفسها وبين الإدارة والكونغرس. لإيران حتى الآن فضاء عمل مريح تستطيع أن تمده حسب رغبتها، وتستطيع زيادة كمية اليورانيوم ونسبة التخصيب بصورة مرنة إلى أن يصل إلى 20 في المئة، وهي النسبة التي تعد تدل على النوايا العسكرية بدون أن تستخدم كدليل على أن هذه هي نيتها. لعبتها الأساسية هي أمام الدول الأوروبية التي لم تنضم بعد إلى العقوبات الأمريكية، وتحاول التوصل إلى تفاهمات بإجراء المفاوضات مع إيران.
السبت، تحدث روحاني مع الرئيس الفرنسي وأوضح له بأن رفع كل العقوبات الأمريكية يمكن أن يفتح قناة المفاوضات الجديدة، بدون الإشارة إلى إذا ما كانت إيران مستعدة للتباحث فيه.
ولكن في الحقيقة، بمجرد استعداد إيران للدخول إلى المفاوضات فهي تطرح موقفاً جديداً إزاء المعارضة الشديدة حتى الآن لإجراء مفاوضات بشأن الاتفاق النووي، هي تعترف بعدم جدوى هذا الموقف، وتضع تجميد العقوبات كهدف. هذا يختلف عن موقفها قبل الاتفاق النووي الذي طلبت فيه ممارسة حقها في تخصيب اليورانيوم بأي كمية وبأي مستوى. يمكن القول إن الاتفاق النووي في نظرها ما زال ساري المفعول، وطلبها هو أن تعيد الوضع الى ما كان عليه قبل انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق.
صحيح أن الموقف العلني للزعيم الأعلى، علي خامنئي، مختلف عن موقف روحاني، إذ يواصل معارضة أي مفاوضات مع الولايات المتحدة، لكن لا شك في أن الحوار الذي يجريه روحاني مع ميكرون يستند إلى تفاهمات مع خامنئي.
هذا سير خطير على العتبة. طالما أن الفجوة بين موقف أوروبا وموقف الولايات المتحدة ما زالت قائمة، وأوروبا وروسيا والصين تؤيدها، يمكن لإيران أن تفترض بأنها آمنة من هجوم عسكري، لكن عليها أن تقرأ جيداً الخارطة السياسية، أو تخمن متى ستلتئم هذه الفجوة ،وفي أي مرحلة ستقرر فيها أوروبا أن ترى في خطوات إيران خرقاً جوهرياً للاتفاق النووي. هذا الخرق سيلزمها بفرض عقوبات خاصة بها، أو التوجه إلى مجلس الأمن من أجل الحصول على موافقة على عقوبات جديدة.
قراءة الخارطة السياسية، خصوصاً منذ انتخاب ترامب كرئيس، تصعب على إيران، بل على العالم كله. يبدو أن إيران فوجئت من قوة تأثير العقوبات الأمريكية بعد اعتقادها بأنها تستطيع الاعتماد على زبائن النفط الكبار مثل الهند وكوريا الجنوبية واليابان والصين وعلى غضب أوروبا من الولايات المتحدة. الواقع الاقتصادي الجديد لا يهز استقرار النظام، والدولة لا توجد على شفا الانهيار الاقتصادي. ولكن طول النفس آخذ في القصر رغم الأموال الطائلة التي لا تزال موجودة في صناديقها العالمية، وهو يجبر إيران على تخطيط خطواتها على المدى القصير، عندما تقصر السلاميات أيضاً.
في الوقت نفسه، الخيارات الأمريكية غير مفرحة، طالما أن ترامب يتمسك بالنصيحة التي تلقاها من الصحافيين في بيته، والتي تقول إن خطوة عسكرية يمكن أن تكون كارثية للولايات المتحدة. وطالما أن إيران غير مستعدة لإجراء مفاوضات معه، فسيضطر إلى استخدام الخدمات الأفضل أو الأسوأ لأوروبا وروسيا والصين من أجل فتح نافذة للمفاوضات السياسية التي يرغب بها. الخطوة المطلوبة هي أن يحول ترامب العقوبات إلى عملة مساومة من أجل البدء في المفاوضات، وليس كأداة ضغط يستخدمها من أجل تدمير الاتفاق النووي. هذه عملية صعبة على البلع والهضم في معدة الرئيس، لكنها يمكن أن تجلب له النتائج المأمولة. هذه معادلة ستكون مختلفة في جوهرها عن المعادلة التي كانت تقف في أساس المفاوضات على الاتفاق النووي الذي وافقت فيه إيران على رزمة تنازلات مقابل رفع العقوبات. الكل مقابل الكل.
الآن مطلوب معادلة يمكن فيها للولايات المتحدة أن تعرض انسحاباً تدريجياً من العقوبات، مقابل إنجازات في المفاوضات دون المس بجوهر الاتفاق. أقوال روحاني قد تدلل على أن إيران مستعدة لصيغة كهذه. والسؤال هو هل يوجد لها شريك أمريكي؟
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 8/7/2019