لست سياسياً، ولست مع أو ضد.. أريد منهم التصرف باستقامة مع المستقلين الذين يفقدون مصدر رزقهم (أنا أيضاً مستقل)، لكن ذلك ليس لأسباب سياسية. فأنا مصدوم من عنصرية روي بوي، لكن من الواضح لي أن هذا ليس موضوع يمين أو يسار. هل تعد كراهية البدو أمراً سياسياً؟ ما الأمر؟ أنا مقتنع بأن الفساد الحكومي أمر سيئ، لكن لا تقولوا إنه أمر يتعلق بالسياسة. ما الذي تبقى؟ نعم، الاحتلال والأبرتهايد. أعرف أنني أريد أن ينتهيا. ويبدو أن هذا أمر سياسي، فقط هذا. إذاً، أبدو في الحقيقة سياسياً.
إن عقد بيبي يفعل بنا العجائب، فقد تحولنا إلى جمهور بات الحوار الذي يجريه في القضايا العامة عاجزاً ومشوهاً وخائفاً. واحداً تلو الآخر، تحولت المواضيع إلى أمور غير شرعية. العرب الذين يتدفقون بجموعهم إلى صناديق الاقتراع، يساريون (أصبحت كلمة مرادفة لكلمة خونة)، الناخبون (الذين يريدون عزل رئيس الحكومة من منصبه) والآن “سياسيون” الذين هم بالأساس كل هؤلاء معاً، حيث إن العمل “السياسي” عمل استهدف الإضعاف، أو لا سمح الله، تغيير النظام. أجل، السياسيون هم كما يبدو عرب-يساريون- يريدون- إزاحة- رئيس- حكومة من منصبه.
الجمهور يرقص على أنغام قيثارة بيبي، والوسط يخاف من تعاون سياسي مع القائمة المشتركة، ويئير لبيد وبني غانتس في تصميمهما على الادعاء بأنهما ليسا من اليمين أو اليسار، ليست مقولة بشأن مكانهما في الخارطة السياسية، بل هي تفاخر بالتحليق فوق الخارطة. ومنظمو مظاهرة الآلاف الذين خرجوا إلى ميدان المدينة جاؤوا للتعبير عن الغضب الذي أثارته معالجة النظام الفاشلة للأزمة الاقتصادية. وأكدوا أن الاحتجاج “غير سياسي”. واضح مما هم خائفون، يخافون أن يوصموا كعرب – يساريين – يريدون – إزاحة – رئيس – حكومة من منصبه.
انظروا إلى هذه الخطوة المدهشة التي قام بها أتباع بيبي: “العربي شخص سيئ، اليساري شخص سيئ وخائن، من يريد إسقاط بيبي هو عربي – يساري. لهذا، فإن الرغبة في إسقاط رئيس الحكومة تساوي الخيانة، عملياً. لهذا السبب، لا توجد أي حاجة لتحليل معنى كلمة “سياسي”. وحتى لو كان هناك اتساع في المعاني المحتملة، فمظاهرة المستقلين هي حدث سياسي تحاول فيه قوة سياسية أن تتسبب بتغيير سياسي. ولكنهم جميعاً يخضعون لإملاء البيبيين وتشخيص العمل السياسي كخيانة. لذلك، فإن التبجح غير السياسي هو تعهد بأنهم لا يحاولون إضعاف الحكم أو استبداله. كيف يمكن مع معطيات كهذه إدارة نضال معين، وبالأحرى نضال لتغيير اجتماعي؟
علينا المطالبة بإعادة الملكية على السياسي. انتقاد الوضع القائم وطرح بديل أو المطالبة بالتغيير هي أعمال سياسية لأنها تخلق قوة يمكنها استبدال النظام. البيبيون يخلقون تماهياً بين الدفع قدماً باستبدال النظام، والخيانة، وهذا بالضبط “السياسي” الذي هرب منه منظمو مظاهرة المستقلين، حتى لو كان ذلك بلا وعي: النضال من أجل تغيير نظام الحكم هو خيانة، ولكن انتقاد نظام الحكم هو قلب المجتمع السليم (ولن نقول ديمقراطي). انتقاد فعال يضعف نظام الحكم وحتى يؤدي إلى استبداله أو إلى تعديل في إطاره، وهكذا يتم منع ديكتاتوريات. وبناء على ذلك، فإن العمل السياسي، بتعريفه، هو مساهمة لتعزيز مجتمع متعدد وحر.
بقلم: ميخائيل سفارد
هآرتس 14/7/2020