كتب المفكر الفرنسي ميشيل فوكو عبارته الشهيرة «لا تقع في غرام السلطة» في تقديمه لكتاب «ضد أوديب» لجيل دولوز وفيلكس غوتاري. ما كان يعنيه آنذاك هو التأسيس لنمط من الحياة والتفكير والممارسة السياسية، «متجاوز للفاشية» في فترة الثورات الاجتماعية والثقافية الكبرى، التي عرفها العالم في عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. مقاومة السلطة بأسلوب قائم على التراتبية والهرمية، وإرهاب النظريات الأحادية الشاملة (في إشارة للماركسية الكلاسيكية وبنيوية لويس ألتوسير والتحليل النفسي) لن ينتج، حسب فوكو، إلا فاشية مضادة، تجعلنا نعشق كل ما يهيمن علينا ويستغلنا، تماماً كما استغلت الأنظمة الفاشية، رغبة الجمهور لحشده في حروب وممارسات هي الأسوأ في التاريخ.
لا بد من التصدي لآثار الفاشية في أذهاننا وسلوكنا اليومي وأجسادنا. عن طريق جعل الرغبة تتحرر وتنشر مفاعيلها في الحقل السياسي، لتدمر استقرار كل ما هو ثابت في المنظومة. الأهم أنه يجب أن لا يطلب المرء من السياسة والسلطة أن تؤمن حقوق الفرد، فالفردانية ومنظورها الحقوقي منتج سلطوي بدورها. والأجدى «تحطيم كل ما يتفردن»، ليس لمصلحة منظور جماعي ما، بل لأجل إنتاج سلسلة من التركيبات الإيجابية والمتنوعة، تنقض كل المفاهيم الأحادية والسلبية، التي قدستها الفلسفة الغربية عبر تاريخها: القانون والحد والجوهر والذات.
في أيامنا يبدو موقف الاحتجاجات الاجتماعية من السلطة ملتبساً إلى حد كبير، فمن جهة يطالب المحتجون الدولة بتأمين ما يعتبرونه حقوقاً أساسية لهم: خدمات صحية وتعليمية، فرص عمل، دخلا لائقا، إلخ، أي أنهم يقرّون بدور رعائي وفوقي للدولة، ومن جهة أخرى لا يبدون استعداداً لتسلّم مقاليد السلطة لإعادة بناء جهاز الدولة بالطريقة التي تناسبهم، ويتحدثون عن «طبقة سياسية» فاسدة، معتاشة على فوقية الدولة وتسلطها، يحمّلونها مسؤولية معاناتهم ومشاكلهم الحياتية، أي أنهم يريدون من السياسة تحقيق تطلعاتهم، بدون أن يلوثوا أنفسهم بـ«ألاعيبها»، يرفضون السلطة جذرياً ويطلبون منها الكثير في الآن ذاته. فهل تخلصت ثورات القرن الحادي والعشرين (وهو القرن الذي تنبّأ فوكو بأنه سيكون «دولوزياً») من غرام السلطة؟ وما هو الدور الذي تلعبه الدولة في خيال المحتجين؟ وكيف يمكنها أن تحقق، بدون تغيير بنيتها الطبقية والأيديولوجية، تطلعاتهم شديدة التنوع؟
نرى المتظاهرين، من العراق ولبنان وحتى تشيلي، يلطخون وجوههم بالأصباغ كي يشبهوه. اليأس من المنظومة هو السائد، ولكن «ما هو متروكٌ لنا»، حسب قول جيجيك، لا يزال غامضاً.
ثورة الجوكر
في تعليقه على فيلم «جوكر»، الذي حقق نجاحاً كبيراً، وأثار كثيراً من الجدل، يرى سلافوي جيجيك، أن شخصية الجوكر لا تعبّر فقط عن الظلم الاجتماعي الذي يعانيه عشرات الآلاف، أو مجرد شرح للظروف التي تؤدي لظهور شخصيات سيكوباثية عنيفة في المجتمع الأمريكي، بل هي أيضاً تعبيرٌ عن الطريق المسدود الذي وصل إليه النظام الحالي، وهو نظام لا يمكن تغييره ببعض الإصلاحات المدفوعة بالإرادة الخيّرة. لا بد من التخلص من «الحماقات الليبرالية» التي تطالب المنظومة بمزيد من الاستيعاب والتسامح، لدرجة أصبح فيها أثرياء مثل، بيل غيتس ومارك زوركربيرغ يعلنون أنهم مؤيدون لـ«الاشتراكية». يصل الجوكر إلى قمة تحرره عندما يوغل في العدمية وتدمير الذات والسخرية من آلام الآخرين، لا يحمل مشروعاً تحررياً، ولكنه يعبّر عن رفض أي سلطة. هذه الخطوة ضرورية للقطع مع النظام الحالي، وسيكون مملاً، حسب جيجيك، أن يصوّر لنا الفيلم الطريقة التي يجب فيها على البشر تنظيم أنفسهم لتحقيق تطلعاتهم، كما طالب بعض النقّاد اليساريين، فهو يقدم لنا فقط «القفزة» التي قام بها الجوكر، والباقي متروكٌ لنا. وهذا هو فعلياً دور الفن.
يظهر الجوكر بالفعل في كثير من الاحتجاجات الحالية. نرى المتظاهرين، من العراق ولبنان وحتى تشيلي، يلطخون وجوههم بالأصباغ كي يشبهوه. اليأس من المنظومة هو السائد، ولكن «ما هو متروكٌ لنا»، حسب قول جيجيك، لا يزال غامضاً. الجوكر قد يكون ابناً غير شرعي للنظام، غاضبا على والده الذي لم يعترف به (كما يلمّح الفيلم نفسه، من خلال طرح احتمال أن يكون الجوكر ابن المليونير توماس واين، والد عدوه اللدود باتمان)، ما يجعل من الصعب اعتبار عدميته تجاوزاً للمنظومة القائمة، بل ربما تكون تعلقاً نرجسياً بها لأقصى درجة، وسعياً لتحصيل الاعتراف منها، عن طريق إثارة كثير من الضجيج والفوضى. وفق هذا المنظور قد يكون الجوكر واقعاً في غرام غير ناضج مع السلطة. سبق لفوكو القول في مقدمته ضد الفاشية: «لكي تكون مقاتلاً، يجب عليك أن لا تكون بائساً، حتى لو كان ما تقاتله شديد البشاعة»، فالرغبة في التغيير، حسبه، يجب أن تكون مرتبطة بالحقائق الاجتماعية، وليس ارتكاساً إلى أشكال من إعادة تمثيل الكبت السلطوي، أي أن يصبح المتمرد مسخاً ناتجاً عن تقنيات السلطة نفسها.
التلوث بالسياسة
وجهت كل الثورات في العصر الحديث نفسها ضد جهاز الدولة، إما للاستيلاء عليه وفرض هيمنة ثورية جديدة، أو للتخلص منه نهائياً على الطريقة الأناركية. لينين طرح من جهته في «الدولة والثورة» صيغة أكثر جدلية: تأسيس جهاز دولة أكثر بساطة، يؤمن مؤقتاً الديكتاتورية/ الديمقراطية للطبقة العاملة، تمهيداً لاضمحلال الدولة نفسها، بعد حلّ الصراع الطبقي نهائياً، وقيام المجتمع الشيوعي. هذه الصيغة الخلاصية انُتقدت بشدة من المفكرين الذين يصنفون «بعد ماركسيين»، مثل شانتال موف، التي طرحت مفهوم «السياسات التصارعية»، فالصراع الطبقي والأيديولوجي لن ينتهي يوماً، والأجدى تجذير الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة الديمقراطية- الليبرالية نفسها، كي تصبح ميداناً لصراع اجتماعي سلمي بين خصوم يقدمون بدائل سياسية، ويحاولون فرض هيمنتهم الأيديولوجية. بكل الأحوال فإن ما يطلبه المحتجون في عصرنا من الدولة غير مألوف تاريخياً: أن تلعب دوراً أبوياً، وتبتكر حلولاً ترضي المحتجين، بدون أن يتخلوا عن عدائهم لها. وهو منظور قد لا يؤدي على المدى الطويل إلى نتائج إيجابية. لا يمكن أن تطلب تغييراً عن طريق الدولة، بدون أن تكون مستعداً للاستيلاء عليها أو تفكيكها أو إعادة بنائها على أسس جديدة.
تقوم معظم الفلسفات اللاسلطوية على فكرة الخلاص من الدولة، بوصفها جهازاً قمعياً متعالياً على المجتمع، نشأ بشكله الحالي مع بدايات الحداثة.
ربما يكون تحميل «الطبقة السياسية الفاسدة» مسؤولية كل المشاكل تصرفاً يدلّ على نرجسية أخلاقية، فهو يقسّم المجتمع إلى «مدنسين» هم السياسيون، و«أطهار» هم بقية الناس، لا يتحملون أي مسؤولية سياسية. و«ليست لديهم مطالب، بل حقوق»، بدون إعطاء تبريرات اجتماعية تفسّر ما سيدفع السلطة، بتركيبتها الطبقية الحالية، للالتزام بتأمين تلك الحقوق. التجربة التاريخية أثبتت أن ما نعتبره حقوقاً «طبيعية»، بما في ذلك حق الحياة والتعبير والعمل، هي مكتسبات اجتماعية، لم تتحقق إلا بكثير من «التلوث» بالسياسة والرغبة في السلطة، أي بعبارة أخرى من خلال سياسات ثورية لطبقات صاعدة، تريد أن تصبح هي السلطة لتحقيق مصالحها وفرض نمطها الحقوقي، ومستعدة لفعل كل ما هو لازم لتحقيق ذلك. إلا أن الصيغة السياسية التقليدية للدولة الوطنية تبدو متجاوزة في عصرنا برأي كثيرين، وغير قادرة على تقديم حلول للمشاكل الأكثر صعوبة، ما قد يدفع للبحث عن صيغ جديدة للعلاقة مع السلطة وجهاز الدولة.
ازدواجية السلطة
تقوم معظم الفلسفات اللاسلطوية على فكرة الخلاص من الدولة، بوصفها جهازاً قمعياً متعالياً على المجتمع، نشأ بشكله الحالي مع بدايات الحداثة. والحلول المقترحة ركزت غالباً على فكرة الديمقراطية القاعدية، والتسيير الذاتي، من خلال «كومونات» متحررة، تديرها مجالس منبثقة من المجتمعات المحلية، أو الوحدات الإنتاجية. ورغم أن فكرة الإدارة الاجتماعية الذاتية لها نماذج تاريخية شهيرة، مثل «الرابطة الهانزية»، التي أقامتها عدة مدن على بحر البلطيق، ابتداءً من القرن الثاني عشر، إلا أن استبدال الدولة بالتسيير الذاتي، بشكل فوري، بدا غالباً مجرد فكرة طوباية. هنالك حالة انتقالية، نظّر لها لينين في بداية القرن الماضي، واستعادها أنطونيو نيغري في أيامنا، ونجد لها أصداءً حتى في مشروع «الإدارة الذاتية» الكردية في سوريا، هذه الحالة هي إزدواجية السلطة. أي تجاور السلطة التقليدية للدولة مع سلطة مجالس التسيير الذاتي، تمهيداً لحل الصراع لمصلحة الطرف الأخير على المدى الطويل.
مبدأ «سلطة ضد سلطة» هذا لا يعني تجاور طرفين بممارسات متشابهة، فالديمقراطية القاعدية تؤمن نظرياً إدارة جماعية لشؤون الحياة والعمل، تخلق مساحة متحررة، بعيداً عن الضغط السلطوي، يمكن للبشر فيها السيطرة على إنتاجهم لشروطهم الحياتية بمعناها الأشمل، إنها «سلطة» فقط في سياق المواجهة مع سلطة الدولة، يبدو هذا صيغة معقولة لـ«عدم الوقوع في غرام السلطة». يمكن توجيه كثير من الانتقادات الوجيهة لهذه الصيغة، ولكنها التصور الوحيد الذي نملكه في مقابل المفهوم التقليدي للدولة، بكل الأحوال لا يبدو ممكناً تجاوز السلطة وجهاز الدولة حالياً، وربما ستواجه الموجة الاحتجاجية المعاصرة طريقاً مسدوداً، إذا لم تنتج حلولاً عملية، تمكّنها من التحول، ولو بشكل مؤقت، إلى سلطة.
٭ كاتب من سوريا