«في غرفة الكتابة» تأملات الروائي المصري محمد عبد النبي ارتحالات النصوص وحضور الذات

عادل ضرغام
حجم الخط
0

يؤسس محمد عبدالنبي في كتابه «في غرفة الكتابة» منحى جديدا في التأملات الأدبية والمقاربة شديدة الخصوصية للأعمال الأدبية، وللعملية الإبداعية، من خلال انفتاح دائم على مجمل الفنون، فهو لا يتوقف ولا يتوجه نحو فن واحد، فهناك وحدة مشاركة في إنجاز العملية الإبداعية، وكأن غرفة الكتابة غرفة لتجميع الآثار والروائح، والنظر إلى الشبيه والنظير الفني، حيث يشكل الاستناد إليه رصدا للتاريخ الفني للكاتب، وللآخرين الذين يعلن انتسابه إليهم وارتباطه بهم.
ما يقدمه الكتاب من مقاربة على نحو كبير من الخصوصية والقيمة يجعل طرح سؤال المغايرة بين مقاربة الناقد ومقاربة المبدع له مشروعية، فهل هناك ثمة مغايرة كبيرة بين مقاربة الناقد ومقاربة المبدع للنصوص الأدبية وللعملية الإبداعية، وما يحيط بها من أسئلة لا تنتهي بسيل الإجابات المعادة والمكرورة، ربما لأنها تقارب شيئا يندّ عن التحديد والإمساك؟ الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة أو يسيرة، لأن كل قسيم في الجانبين لا يتشكل من نمط واحد أو هيئة واحدة. فالتمايز أو الاختلاف سمة أساسية داخل كل قسيم. ولكن يمكننا أن نقلل مساحة الاختلاف داخل كل قسيم بالتركيز على الناقد الحقيقي والمبدع الحقيقي، وإن كانت كلمة (الحقيقي) نسبية في كل شيء.

مقاربة المبدع ومقاربة الناقد

مقاربة المبدع للنص الأدبي تختلف بالضرورة عن مقاربة الناقد، لأن كل واحد منهما ينظر من زاوية مختلفة، ويتحرك كلاهما وفق سنن محدد ومرتكزات متباينة في التوجه، فالمبدع حين يقارب عملا إبداعيا لا يهمه ولا يشغل حيز اهتمامه ما يشد ويشغل انتباه الناقد. فإذا كان الأمر مرتبطا بفكرة مركزية في النص فالمبدع يهمه الوصول إليها من أيسر الطرق، والتعبير عنها بطريقة لا تخلو من فنية وإيهام. ولكن الناقد لا يهمه الوصول إليها بشكل سريع ومباشر، وإنما يرتبط اهتمامه أولا – ربما لتثبيت نفسه في إطار نظرية محددة – بكيفية الوصول وخطوات وآليات ذلك الوصول، ومن ثم نجده يقدم صفحات عديدة للإشارة إلى هذه الخطوات، ولإثبات هذا الانتماء داخل حدود وإطار نظرية معرفية محددة.
إذا كان الناقد ينطلق في مقاربته للأعمال الأدبية من خلال منهج محدد أو من خلال إجراءات لها صفة الشيوع والظهور والهيمنة، بحيث تغدو النظرية واضحة ومركزية في عمله، من خلال الإلحاح على آليات التشكل والبناء، وكيفية اشتغال وعمل مكونات النص، والمشكلات التي تواجه طبيعة هذا البناء، وتكشف عن تباين أو تناقض أو انسجام، فإن المبدع في مقاربته ليس مهموما بذلك التنظير الأكاديمي والمعياري. وإنما يأتي همّ المبدع مشدودا ومرتبطا بالأثر الذي تركه النص، وحرك بداخله استجابة، وخلق استمرارا ووجودا وحيزا للفكرة، وتكوين بنيات وشخصيات جاهزة يستمرّ أثرها بفاعلية على نحو ما يمكن أن نجده في تأثير شخصية كمال عبد الجواد في تلقي محمد عبد النبي تحت عنوان «أول سكّان البرج العاجي».
فمقاربته لشخصية كمال عبد الجواد لا تأتي- كما يفعل معظم النقاد – من اهتبال الفرصة في عقد مشابهة وتماه بين نجيب محفوظ وشخصية كمال عبدالجواد، وإنما تنصرف إلى التكوين الداخلي الخاص بالرغبات المكبوتة، تتشبث بالمعنى الدائم والممتد الذي خلقته الشخصية من خلال تاريخها وحركتها. فللشخصية وجود حر يبتعد عن صاحبها، قد يخلقها، ولكنها في حياتها واستمرارها في الوعي الكتابي وطبيعة التلقي قد تتمرّد عليه، ويصبح لها أثر عام، فتدخل في سياق النموذج أو النمط. فهذه الشخصية نموذج دال لهذا المعنى أو الأثر، لكل شبيه أدرك أن العالم الذي ننعزل ولا نشارك في صنعه لن يستجيب بسهولة للصورة المتخيلة للذات.


لا يقوم محمد عبد النبي في هذا الكتاب بتناول الأعمال تناولا نقديا مباشرا كما يفعل النقاد، ولكنه مهموم بمتابعة ومطاردة ومحاولة الإمساك بالأثر المتبقي من الأعمال، ذلك الأثر الذي يقاوم الزمن، ويتخطى حدود النوع في التحديد العلمي والأكاديمي، ففي مطاردته للأثر المتبقي قد تتآزر الفنون وتتوحد، فما تتركه قصة قصيرة أو قصيدة نثر مساو في الأثر لرواية كبيرة. كأن الروائي حين يكتب عن أعمال كتّاب آخرين، يعيد صياغة تاريخ الكتابة مركزا على توجهه الذاتي في إفادته من تلك الأعمال من خلال عينه وزاوية الرؤية التي ارتضاها في تتبعه للأثر.
فإذا كان سؤال الناقد الأساسي يرتبط بكيفية وطبيعة التركيب ووصف حدوده وطرائق تركيبه فإن سؤال المبدع الأساسي في مقاربته يرتبط بإدراك التشابهات الخفية والفاعلة في مركزية العمل وطريقة تجليها، ويرتبط أيضا بمحاولة الكشف عن الإشراقات الفكرية والدلالية الملتحمة بأثر ثابت ممتد.
ربما تكون الأحكام والمقولات القاطعة سمة أساسية من سمات الروائيين حين يقاربون الأعمال الروائية، لأن موهبتهم في ذلك السياق تجعلهم غير محتاجين إلى عكاكيز نظرية، فإطلاق الأحكام مرتبط ومشدود إلى الخبرة الكتابية والقرائية، فلا يحتاجون إلى تبرير، لأنهم يقفون على البساط ذاته الذي يقف عليه المؤلف، يتشاركون ويتحدون في معاينة العالم الذي يبنبه المؤلف. فمقاربة المبدعين الروائيين للأعمال الروائية تأتي للإجابة عن أسئلة لا يستطيع أن يجيب عنها النقد الأكاديمي المستند إلى النظرية إجابة شافية أو كاملة، لأنه – انطلاقا من طبيعته المحددة سابقا- قد يحوم حولها، ولا يصل إلى المركز أو البؤرة، فأصحاب هذا النقد الأكاديمي لا يعاينون النصوص معاينة المجرّب العارف.

حضور الذات

يتحرّك الروائي في مقاربته النقدية بعيدا عن النمطية المتبعة، بعيدا عن مشابهة الآخرين في طبيعة التوجه، ولهذا نجده غالبا مشدودا إلى العفوية التي تشير إلى تداخل العام والخاص، فالمبدع ليس مهتما بالتفصيل الموضوعي لأنساق الكتابة وتعدد أشكالها بتعدد ممارسيها في إطار فن معين، وإنما تكون تجربته في الكتابة هي نقطة الانطلاق والوصول في الآن ذاته.
فرادة الكتاب في كونه لا يتوقف عند التأمل النقدي لبعض الأعمال المحددة والمنتقاة بعناية وفق ذوق شخصي فقط، وإنما يمتدّ الأمر إلى مقاربة جزئيات مرتبطة بالعملية الإبداعية وجدواها. فحين يتناول الكاتب وظائف أو طموح العمل الأدبي لا يتوقف عند وظيفة واحدة، وإنما يشير إلى مجموعة وظائف مترابطة، فيتحدث عن الرغبة في التغييب، ودفع القارئ لنسيان العالم، أو في شبهة الهرب، ففي كل فن في رأيه هناك دائما نزعة للهرب من رتابة الحياة اليومية، وجمود الواقع بالسحر والمفاجآت، والانحراف عن منطق الحياة المعتاد والمألوف.
تتأسس تلك الفكرة المشدودة للمفاجآت السارة بعيدا عن الوصفات الجاهزة للكتابة في حديثه عن (مطبخ الكاتب)، وأن الوصفات في الطبخ/ أو الكتابة مهما طبقت بحذافيرها لن تتكرر بالرائحة ذاتها، وكذلك فعل الكتابة، فليس هناك وصفة نهائية، قد توجد نصائح وإرشادات، ولكن معرفة ذلك بحد ذاته لا تضمن نتائج جيدة أو تجنب المفاجآت السارة أو الرديئة. فالخروج عن النمط أو الوصفة قد يلهم الكاتب طريقا جديدة لم ينتبه لها السابقون.
كتابة محمد عبد النبي في ذلك السياق هي اصطفاء واختيار، فاختياره لأعمال محددة للوقوف عندها ليس شيئا عاريا من الدلالة، وإنما يؤسس نسقا إبداعيا قادرا على أن يلمّ شتات العام والخاص، فحين يتحدث عن رواية «ساعي بريد نيرودا» يتوجه نحو اصطفاء ذاتي يتداخل فيه الحديث عن الذات بالحديث عن الآخر، في الوعي الخاص بإدراك العالم، لا يرتبط بالطرق المعهودة، وإنما من خلال آلية تتجاور فيها الحواس، وتتبادل الأدوار.
ينقلك الكاتب بعد ذلك مباشرة إلى أفق ذاتي، ذلك الأفق الموجود بداهة من خلال تأمل عنوان الكتاب «في غرفة الكتابة» وروايته «في غرفة العنكبوت»، حين يتناول الكاتب الروائي عملا روائيا لكاتب آخر، ويتوقف عنده فهو يشير بشكل مباشر إلى ارتباطه به، واتفاقه معه في مقاربة العالم، ومن ثم يأتي هذا الاختيار وكأنه إعلان بالانتساب أو التماهي معه، ويتجلى بوصفه حكما نقديا بشكل غير مباشر. وغالبا ما يكون هذا التناول مدخلا لتناول تجربته في الكتابة. ويتوقف عند العفوية والتخطيط المستمر وهو المدخل ذاته في حديثه عن أورهان باموق في وقوفه أمام محاضراته التي وضعت في كتاب له «الروائي الساذج والحسّاس»، وعند اعنتنائه بهما بشكل متساو، ويقارن في السياق ذاته بين الاهتمام بنصاعة وقيمة الجزء في مقابل النظرة التخطيطية التي ترتبط بمعاينة البناء الكلي وتنميطه وتخطيطه وفق هدفه الكتابي المحسوب بدقة.
تبدو المقاربة في بعض الأحيان – انطلاقا من تجاور الذاتي بالموضوعي، وتوحد كتابة الذات بكتابة الآخر أو الاقتراب منها والإصغاء إليها- ليست موجهة إلى العمل، وإنما إلى الفكرة المهيمنة على العمل، ويلحّ عليها، ويضعها في بؤرة الاهتمام، ففي تناوله لفكرة العمق التي تجلت بشكل لافت في قصة «هوس العمق» لباتريك زوسكيند يشير إلى أن فكرة العمق – من خلال إعادة المقاربة – رجراجة وليست ثابتة، خاصة بعد أن عرضت القصة للأثر السلبي لرأي أحد النقاد في افتقار منجز فنانة شابة إلى العمق مما أدى إلى انتحارها.
«في غرفة الكتابة» كتاب متعدد الاهتمامات، ففيه الكثير من النظرات النقدية، دون اتكاء على لغة تنظيرية، فالكاتب ليس معنيا بالتدثر بالمصطلحات، ولكنه يهتمّ اهتماما كبيرا بالجملة البسيطة الموحية ذات الإيقاع التي تلمس شيئا داخل المتلقي، هذه الجملة البسيطة التي تفلح في توليد طبقات إضافية من التأويل اللافت والمغري بالتتبع والـتأمل، على نحو ما قدمه في وقفته الطويلة في تناوله لثلاثية نجيب محفوظ، أو الجزء الخاص بالثلاثية بين نجيبين (نجيب محفوظ، ونجيب سرور)، وفيه أيضا إشارات لافتة وفصول كاملة عن عملية الكتابة وارتباطها بمعاينة ومقاربة المجهول بعيدا عن المستقر.
محمد عبد النبي: «في غرفة الكتابة ــ تأملات أدبية»
دار الكرمة، القاهرة 2021
202 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية