الدوحةـ “القدس العربي”:
شدد قادة دول وخبراء في قمة خاصة استضافتها قطر، وحملت عنوان “إرثنا 2023″، على أن بلدان العالم أضحت بحاجة إلى تحقيق التوازن بين التطور التكنولوجي والمعرفة المحلية، لمواجهة تنامي تحديات الأمن الغذائي التي من شأنها تهديد الاستقرار العالمي.
جاء ذلك خلال أعمال القمة التي تمحورت حول تجارب ملهمة لسياسات الاستدامة من الأفكار المحلية للبيئة العربية والتراث الإسلامي ودعوات الأديان للاهتمام بالمحيط، مع تجارب واقعية لاستكشاف تقاليد الأسلاف وعلاقتهم ببيئتهم.
وتخلل القمة مجموعة من الجلسات وورش العمل والحلقات النقاشية، تناولت موضوعات تمثل أهمية بالغة للدول العربية، مثل التكيف مع متطلبات الأمن الغذائي والتغير المناخي وتحول الطاقة والمرونة المناخية والتنوع الحيوي.
وشهدت الشيخة موزا بنت ناصر رئيسة مجلس إدارة مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع التي تنظم القمة، افتتاحها في مدينة مشيرب بالدوحة، التي تعد من المدن العربية التي شيدت بمواصفات عمرانية صديقة للبيئة، وتمتاز بنهجها الخاص في الاستدامة.
وأتاحت القمة للجمهور استكشاف “قرية إرثنا” في براحة مشيرب، والتي تستعرض أبرز الممارسات المحلية المستدامة مثل الاستدامة الثقافية والبيئية والاجتماعية.
وشارك في القمة عالمة الأنثروبولوجيا الشهيرة جين غودا، التي اختتمت جلسات اليوم الأول بنقاش حول التنوّع الحيوي والنظم البيئية.
وناقش رؤساء دول ومسؤولون دوليون وخبراء رفيعو المستوى وأصحاب تجارب محلية، بناء مسارات جديدة لاستدامة المناطق الحارة والجافة، وهو عنوان القمة.

كما ركز المشاركون على الحلول المستدامة لاحتياجات المناطق ذات المناخات الاستوائية والمعتدلة، ومنح البيئات الحارة والجافة مثل دولة قطر مكانة متقدمة في الحوار العالمي، عبر تسليط الضوء على الحاجة الماسة للبلدان الحارة والقاحلة للتكيّف مع التغيرات المناخية، واستكشاف الخيارات المتاحة للانتقال نحو الطاقة النظيفة والتصدّي للتغيرات المناخية.
وجدد مندوبو البلدان المختلفة التأكيد على التزامهم بتعزيز سلاسل إنتاج الغذاء وتخزينه وتوريده على مستوى دول العالم النامية، وأعلنوا في هذا الصدد عن خطط لتطوير برنامج خاص بالأمن الغذائي لتعزيز مرونة سلسلة الإنتاج الغذائي بين البلدان المنتجة والمستوردة في إفريقيا والهند وأمريكا اللاتينية.
في هذا السياق، أكد هاكايندي هيشيليما رئيس جمهورية زامبيا، خلال جلسة بعنوان: “التحديات العالمية للأمن الغذائي: المعرفة المحلية وآليات تطبيقها”، أن العالم لا يُمكنه استبعاد الأساليب الزراعية التقليدية، وأن المعارف المحلية التقليدية ينبغي أن تبقى ركيزة أساسية يجب الاعتماد عليها في تأطير السياسات الحديثة.

إلى ذلك، أوضح جوليوس مادا بيو، رئيس جمهورية سيراليون، أن “أساليب الزراعة المحلية ما تزال تحتفظ بقيمتها الثمينة، لكننا نسينا ذلك أو أهملناه، أو بالأحرى عمدنا إلى استخدام تقنيات جديدة قادرة على تدمير مثل هذه الأساليب التقليدية”.
واستطرد في مداخلته قائلا: “يمكن للتكنولوجيا أن تساعدنا في تحقيق قفزة نوعية من حيث حجم الإنتاج الزراعي دون تلويث بيئتنا، لكننا نحتاج أيضا إلى الحفاظ على أساليبنا التقليدية”.
وتطرقت البارونة باتريشيا اسكتلندا، الأمينة العامة لاتحاد الكومنولث، في كلمتها، إلى أهمية المعرفة المحلية التقليدية لمواجهة تحديات الأمن الغذائي في الحاضر، مشيرة إلى تجربة سريلانكا في استخدام الآبار لريّ الأراضي في أوقات الجفاف منذ القدم.
وقالت: “في ظل اندفاعنا الحالي، ربما تجاهلنا ما عرفه السكان الأصليون على مدى سنوات عديدة، لقد آن الأوان لإظهار الاحترام والتقدير للمعرفة المحلية التقليدية، إلى جانب الحديث منها أيضا، فبالرجوع إلى تجليات المعرفة التقليدية، يمكننا أن نتطور تقنيًا، كما أن الوقوف على هذه المعرفة يعد أيضًا فرصة للاستفادة من ماضينا ومستقبلنا، بما يحقق النفع للجميع”.
ورصد مراسل “القدس العربي” آراء المشاركين بالقمة من الخبراء وصناع السياسيات في مجال الاستدامة، وأجمعوا على أهمية الاستفادة من الحلول التي توصّل إليها الأجداد في مواجهة تغيُّر المناخ والانطلاق منها كركائز لتعزيز الاستدامة حاليا وفي المستقبل.

وفي هذا السياق، أكد الشيخ الدكتور فالح بن ناصر بن أحمد بن علي آل ثاني، وزير البيئة والتغير المناخي في قطر، أن “قمة إرثنا تعد فرصة لبناء مجتمع من المعنيين بشؤون البيئة، وتسهم في رسم ملامح مستقبل الاستدامة في المناطق الحارة والجافة، وتوفر منصة لتسليط الضوء على البلدان التي غالباً ما تغيب عن ساحة النقاشات العالمية المتعلقة بالبيئة والتغيّر المناخي”.
من جانبها، قالت الشيخة هند بنت حمد آل ثاني، نائبة رئيس مجلس الإدارة والرئيسة التنفيذية لمؤسسة قطر: “ركزنا في القمة بشكل خاص على استكشاف تقاليد الأسلاف في علاقتهم ببيئتهم من أجل لفت الانتباه لتجاربهم المفيدة والغنية بالحكمة المتراكمة”.
وأضافت: “إن الغرض من البحث في تجارب الأسلاف هو اختيار الأصلح لبيئتنا، من أجل تطبيق التوصيات واعتماد حلول في المتناول، والتركيز على جذور المشكلة لاجتثاثها من أصولها بدلاً من إهدار الوقت والمال في ما لا طائل من ورائه”.

وتحدثت الخبيرة ربى حناوي، عن القيم والمسؤوليات اتجاه خلق أنماط حياة مستدامة، وقالت: “إنه على مَرّ التاريخ، حافظت المجتمعات البشرية، بتنوع أجناسها وتقاليدها وأديانها، على علاقة وثيقة بالطبيعة كانت ترتقي في بعض الأحيان إلى مقام التقديس، وذلك لأن هذه المجتمعات كانت تستمد منها تنوع مهاراتها وملَكة إبداعها وثراء معرفتها”.
وأضافت: “آن الأوان لكي نجدد أواصر تعاملنا مع الطبيعة، وذلك من خلال اتباع سلوك يومي مستدام مستمد من قيمنا الثقافية والدينية”.
وتابعت: “يتم معالجة قضية تغّير المناخ عالميا من خلال الحلول القائمة على العلوم والتكنولوجيا والابتكار، ومع ذلك، هناك خطاب مهم للغاية يقوم على الأخلاق والقيم المستنبطة من التعاليم الدينية والذي من شأنه أن يقود المجتمعات إلى عيش حياة أكثر مسؤولية تجاه مصادرنا الطبيعية، يضمن لنا وللأجيال القادمة حياة كريمة”.
وتابعت قائلة: “في الإسلام، الإنسان خليفة الله في الأرض ومسؤوليته رعاية المجتمعات والموارد الطبيعية. ويتشارك في هذه القيم، مختلف أتباع الديانات السماوية، فالطبيعة بكلّ ما فيها أمانة بين أيدينا”.