في كتاب «المخرج وفن المسرح»: قاسم بياتلي يرَصدٌ تقنيّات تأسيس فن الإخراج المسرحي

في مقدمة كتابه «المخرج وفن المسرح»، وبعنوانه الفرعي «الطليعية الأولى والإخراج المسرحي في أوروبا» ــ شركة دار الأكاديميون للنشر والتوزيع 2017 ــ يشير المؤلف قاسم بياتلي إلى أن جهده يتقصى المنطلقات الفكرية والإجراءات العملية التي تفاعلت من أجل تأسيس أرضية مشتركة لمعطيات فن الإخراج المسرحي، وتحولات طريقة عمل المخرج، بين نهاية القرن التاسع عشر والعقد الأول والثاني من القرن العشرين في القارة الأوروبية، مضيفا أن بحثه ذهب ناحية تحليل الجوانب الجوهرية في أعمال مخرجي الطليعة الأولى، الذين عملوا ليس بقصد أن ينتجوا عروضا مسرحية فقط، إنما لخلق أسس لممارسة فن الإخراج المسرحي.

أسباب النشوء

بداية يشير بيتالي إلى المنهج العلمي الذي انتهجه، اعتماداً على كتب وكتابات المخرجين الذين تناول تجاربهم، وعلى تحليل بعض التخطيطات والصور الفوتوغرافية التي تركوها كشواهد لعروضهم، والتي دخلت تاريخ المسرح الحديث في أوروبا. كما اعتمد على مجموعة دراسات نقدية وبحوث أكاديمية في ميدان الإخراج نشرها باللغة الإيطالية باحثون وأكاديميون في جامعات إيطالية. ويستعرض المؤلف وجهات نظر مختلفة حول أسباب نشوء فن الإخراج، وظهور شخصية المخرج في المسرح الأوروبي. مشيرا إلى الدراسات التي اهتمت بتاريخ نشوء الإخراج المسرحي، والتي عزت الأسباب إلى مستوى العروض الهابطة، التي كانت سائدة في منتصف القرن التاسع عشر، ما أدى إلى تذمر بعض المؤلفين الدراميين، بعد أن شاهدوا نصوصهم تُنتهك من قبل الممثلين، الذين كان اهتمامهم منصبا بالدرجة الأولى على إبراز مهاراتهم في المشهد، على حساب محتوى النص الأدبي، بناء على ذلك طالبوا بوضع معاير للدفاع عن قدسية النص، أبرزهم الكاتب الفرنسي إميل زولا (1840 ـ 1902)، والألماني الدوق ساكس ميننغن (1826ـ1914 ) فكتب ميننغن رؤيته، بعد أن شاهد عددا من العروض قبل أن يقوم بتأسيس فرقته المسرحية. ويعلق بياتلي على ذلك بان هذه الإشكالية الثقافية التي تتعلق بتفسير النص وجماليات العرض، كانت أحد أسباب التفكير بضرورة وجود شخصية المخرج. ويضيف أن هناك دراسات أخرى تؤكد على أن ظهور المخرج تزامن مع تحولات شهدها المجتمع البورجوازي وثقافته، وازدهار الصناعة، وهذا ما يؤكده الباحث الإيطالي روبرتو ألونجي في كتابه «مسرح المخرجين»، إذ يرى أن مرحلة تحولات الثورة الصناعية دفعت إلى الانتقال من نموذج الإنتاج الحرفي إلى نموذج الإنتاج الصناعي الذي يعتمد على العمل الجماعي، وتنظيم زمن الإنتاج. بمعنى أن الانتقال من مسرح الممثل الكبير، الذي كان يركز على مهاراته الفنية الفردية إلى مسرح المخرج كان أشبه بتحول دكان حِرفي إلى معمل.

يستعرض المؤلف بشكل موجز طريقة تحقيق العروض في الأزمنة التي سبقت ظهور المخرج والإخراج.

زمن ما قبل المخرج

يستعرض لنا المؤلف بشكل موجز طريقة تحقيق العروض في الأزمنة التي سبقت ظهور المخرج والإخراج. على سبيل المثال في فترة أسخيلوس كان يتم تحقيقها في إطار احتفال طقسي سنوي يقام مرتين في السنة، ويشترك فيه آلاف المواطنين في العاصمة الإغريقية أثينا، لربما 15 ألف أو أكثر، والعرض المسرحي كان يعتبر جزءا من مراسيم احتفالات تستمر في كل مرة لمدة ثلاثة أيام، تبدأ من شروق الشمس حتى غروبها، ويأخذ المؤلف مثل أسخيلوس ويوربيدس وسوفوكلس، على عاتقه تنظيم متطلبات العرض، ويشترك في التمثيل، بينما يتولى رئيس الجوقة تنظيم الكوريوغرافيا للمجاميع على خشبة المسرح. أما عروض شكسبير التي كانت تقدم في مسرح «كلوب ثيتر» فكان شكسبير نفسه يتولى تنظيمها، إضافة إلى أنه يؤدي أدوارا ثانوية. وفي المسرح الفرنسي كان المؤلف والممثل والراقص مولير، مسؤولا عن تنظيم العرض، إضافة إلى المشاركة في التمثيل. وهذا أيضا ما يفعله في إيطاليا مديرو فرق الكوميديا ديللارته، فالمدير يتولى مسؤولية كتابة النص، وتنظيم عمل الممثلين على خشبة المسرح، إضافة إلى المشاركة في التمثيل.

المدرسة الطبيعية

ظهرت المدرسة الطبيعية في المسرح عبر مسارين متوازيين: الأول ظهر على خشبة المسرح منذ الأعمال الأولى لفرقة مسرح الدوق ساكس ميننغن في ألمانيا سنة 1870 وكان متذمراً من المسرحيات التي شاهدها في عدد من دول أوروبا، والمسار الثاني ظهر في الأدب الدرامي ممثلا في نصوص الفرنسي إميل زولا وتنظيراته، التي تضمنها كتابه «الطبيعية في المسرح» سنة1881 . وكلاهما عبَّرا عن موقف نقدي أزاء التصنع والمبالغة التي كانت تتميز بها عروض ما يدعى «الممثل الكبير»، والوسائل التي يستخدمها لجذب الذوق العام للجمهور.

محاكاة الواقع

النواة الأساسية للمدرسة الطبيعة في المسرح، تمحورت حول محاكاة الواقع بكل تفاصيله، وتشكلت جمالياتها على أساس مطلقية المحاكاة، وانشغل المخرجون الذين عملوا في سياقاتها في نهاية القرن التاسع عشر، على تحقيق المعطيات التي جاءت بها أدبياتها على خشبة المسرح، وظهر ذلك في إخراج فرقة الدوق ميننغين والعروض التي أخرجها أندريه أنطوان وأوتو برهام، والروسي نمروفيج دافنجنكو، والمخرج قسطنطين ستانسلافسكي. وقد تزامن ذلك مع الفترة التي بدت فيها ضرورة الحاجة إلى وجود شخصية المخرج، الذي يتولى إدارة معطيات المشهد وتنسيقها في رؤية واحدة في العرض. وظهرت في هذه الفترة إشكاليات ما هو أدبي (عمل المؤلف) وما هو مسرحي (عمل المخرج). وبدأت تتشكل، بالتدريج مسألة استقلالية عمل المخرج عما هو أدبي. وفي كل الأحوال لم يطرح المخرج نفسه في المسرح الطبيعي بالضد من النص، إنما كان يؤكد على حقيقة النص وطريقة معالجة الميزانسين على الخشبة، من أجل تحقيق ما يحتويه النص من أفكار. وأصبحت كل خطة إخراجية يقبل عليها المخرج تستند إلى ما يوجد في ثنايا النص، ولم يقتصر ذلك على نصوص رموز المدرسة الطبيعية مثل أميل زولا، وهوبتمان، بل شملت نصوصا لا تنتمي إلى المدرسة الطبيعية، وأخضعت إخراجيا لمعايير الطبيعية، مثل نصوص شكسبير وشيللر. وبما أن الدوق ساكس كان مهتماً بالدراسات التاريخية والأركيولوجية والتخطيط، فقد نقل رسم تفاصيل الأزياء والنقوش في التخطيطات التي وضعها لمسرحية «يوليوس قيصر» لشكسبير، حتى أنه رسم الرتوش والنقوش لخوذة العساكر وشكل الأكمام والأزرار في قطعة الزي الواحدة. وكان الممثل ينفذ ما يمليه عليه المخرج حسب خطته الإخراجية من دون مناقشة.

تنظيرات المخرجين

وهنا يبرز المؤلف مبادئ البحث عن استقلالية فن المسرح والإخراج في تنظيرات وأعمال المخرجين أودولف أبيا وكوردن كريغ. وفي ما يتعلق بتجارب أبيا وجده مقتنعاً بوجود فضاء ما بين التعبير الموسيقي، وتعبير حركات الممثلين، لذا كرّس جهده في تجديد ميزانسين العرض، وبحث عملياً عن ضرورة خلق نظام مركب على خشبة المسرح، بعيداً عن محاكاة الطبيعة والسلوك اليومي، مستنداً إلى المبادئ التي تتحكم بحركة الأجساد الإنسانية والأشياء المدركة في الفضاء، وعلى الزمن الموسيقي، وجسد ذلك في تشكيلات ضوئية ومستويات متعددة للمدرجات الهندسية العمودية والأفقية، التي وزعها على مناطق مختلفة في المشهد، ليخلق منها صورا حية تُظهر العناصر التعبيرية في تفاصيل وضعها ضمن تخطيطات ميزانسين عرض أوبرا «خاتم نبيلونغو» التي كتبها فاغنر.

يوضح المؤلف بأن الغاية من تناول طرق الإخراج والرؤى النظرية التي واكبَتها في عمل مخرجي الطليعية الأولى في المسرح الأوروبي تتلخص في التعرف على معطيات ما جاء في إخراج كل واحد من المخرجين

التقنيات الإجرائية

أما الوسائل التطبيقية في تكوين العرض المسرحي، فتأتي عبر الطرق التجديدية التي تبلورت في إخراج فسفولد ميرخولد، وإيفجيني فاختانكوف، التي أدت إلى نمو الأسلوب في الإخراج، إضافة إلى ذلك فإن المؤلف وانطلاقا من خبرته الطويلة في ميدان الإخراج المسرحي في إيطاليا، التي امتدت إلى أكثر من ثلاثة عقود، عمد إلى تشخيص بعض الإجراءات العملية والفنية في المشغل المسرحي مثل، توليف ومنتجة عناصر العرض والارتجال الفني، التي تدخل ضمن تكوين العرض المسرحي، التي شكلت من وجهة نظره أحد المحفزات المهمة في انطلاق بحوث وتجارب الطليعية الثانية في الإخراج المسرحي في ستينيات القرن العشرين مثل، تجربة المسرح الحي الذي أسسه جوليان بيك وميلينا، وتجربة المخرج البولندي يرزي غروتوفسكيبين عامي 1959 ـ 1969، وتجربة إيوجينو باربا مع مسرح الأودن منذ سنة 1964 وعروض المخرج البولندي ثيادور كانتور في فرقة مسرح كاراكوفيا بعد منتصف القرن العشرين، وتجارب أخرى عملت ضمن سياق استقلالية فن المسرح وفن المخرج.

الكشف عن المبادئ

ويوضح المؤلف بأن الغاية من تناول طرق الإخراج والرؤى النظرية التي واكبَتها في عمل مخرجي الطليعية الأولى في المسرح الأوروبي تتلخص في التعرف على معطيات ما جاء في إخراج كل واحد من المخرجين، والكشف عن تلك المبادئ الأساسية، التي اعتمدها في تفعيل عمله التطبيقي في إخراج العروض مثل مبادئ: الفضاء، الزمن، الإيقاع، والانشداد، وخلق علاقات بين مختلف العناصر التي تتشكل منها خيوط حبكة درامتورجية تكوين العرض المسرحي. معتبرا تجارب المخرجين الطليعيين الأوائل متميزة، لأنهم ركزوا على ثلاث مسائل أساسية: أولها البحث عن إعادة خلق الحياة في المشهد، والثانية محاولتهم اكتشاف العناصر والإجراءات الخاصة بفن المسرح، والثالثة بحثهم عن السبل الفنية لصهر كل العناصر في وحدة عضوية واحدة داخل العرض، وبجهدهم برزت معالم البحث عن استقلالية فن المسرح، ومن ثم البحث عن استقلالية الفنون الخاصة به مثل فن التمثيل والميزانسين، والسينوغرافيا والإضاءة، وتوظيف الأشياء المادية في المشهد، وتجلى ذلك بشكل خاص في بحوث وأعمال أدولف أبيا، وكوردن كريغ، وميرخولد، وفاختانكوف. إضافة إلى جوانب من بحث المخرج الروسي ستانسلافسكي عن منهج خاص بفن التمثيل، الذي تضمنه كتابه الموسوم (إعداد الممثل).

خصوصية المسرح

يسجل المؤلف اعتراضه الشديد على ما يردده العديد من المسرحيين من أن فن المسرح يشمل فنونا أخرى مثل الفنون التشكيلية والشعر والموسيقى، متجاهلين بذلك البحوث التي نهض بها المجددون الأوائل من المخرجين قبل أكثر من قرن من الزمن، ويرى أن تكرار مثل هذه الجمل في بعض الدراسات النقدية المسرحية، وفي منظور بعض المخرجين، على سبيل المثال المخرج الأمريكي الكسندر دين (1893-1939) كما جاء ذلك في كتابه الشهير «أسس الإخراج المسرحي» ما هي إلا عملية نسف لكل التجارب الطليعية الأولى للمخرجين المعلمين المجددين في أوروبا، التي تمخضت عن تكريس خصوصية واستقلالية فن المخرج وفن المسرح.

٭ كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية