بيروت – «القدس العربي» : جديد الناقد الموسيقي والكاتب والمؤرخ الدكتور فكتور سحّاب كتاب «سيد درويش: المؤسس» صدر عن دار نلسن في بيروت، بالتزامن مع صدوره عن ريشة للنشر والتوزيع في مصر. مرت مئة عام على رحيل «سيد» كان ذلك في 23 أيلول/سبتمبر 1923 وإذ بشهادة ناقد عارف بالموسيقى يفنّد مكانة الراحل، وكيف أسس للموسيقى العربية المعاصرة، وأثره الكبير في تطوير فن المسرح الغنائي، ليس بالأسطورة والشعارات والعموميات، إنما بالوقائع والبحث.
يقع الكتاب في 320 صفحة من الحجم المتوسط، وإلى المقدّمة يتألّف من عدّة فصول أطولها الأول الذي حمل عنوان سيد درويش 17 آذار/مارس 1892/ 23 أيلول/سبتمبر 1923، ويمتد لحوالى المئة صفحة. وتأتي على التوالي فصول «سيد درويش بين الحقيقة والأسطورة»، «موشحات سيد درويش»، «مئوية ولادة الشيخ سيد درويش»، «عبد الوهاب يتحدّث عن سيد درويش».
الموسيقى العربية
وإلى الصور التي استعان بها المؤلف من الأرشيف، جمع الكتاب في الملاحق كتابات كثيرة عن صاحب الكتاب، بعضها يعترف بأهميته ودوره في الموسيقى العربية المعاصرة، وبعضها الآخر يبقى على ضفاف الحقيقة، حسب سحاب.
يقول الكاتب أنه مع نهاية «عصر الشيخ سلامة حجازي، بدأ عصر الشيخ سيّد، عصر الموسيقى العربية المعاصرة». انطلقت شهرة سيد درويش من مسرح نجيب الريحاني، وكذلك من المسارح الأخرى التي كانت تشغل ليل القاهرة. لكنّ الشيخ سيّد أحسّ بقدرته لأن تكون له فرقته الخاصة، فشكّلها. وكانت له مسرحيتان معاً سنة 1921.
وكتب فكتور سحّاب في الصفحة 18 و19 ما يلي: «موهبة سيد في الإدارة لم تكن على ما وُهِب في الموسيقى، فصرف الفرقة وهمّ بالسفر إلى إيطالية، بعدما خسر أمواله، وباع اسهماً امتلكها، وحصته في بيته (….) وقصد الإسكندرية استعداداً للإبحار إلى ايطالية، ليتعلّم هناك فنون المسرح الغنائي.
واستنح السانجة ليُعلّم طالبات المدارس نشيده الوطني الجديد: «مصر وطننا… سعدها أملنا» لتغنينه في استقبال سعد زغلول العائد من المنفى. وجاء سعد زغلول وغنّت الطالبات النشيد، وفي حومة النشاط الوطني، غفل الناس عن جنازة ضمّت أربعة مشيعين، واروا الثَّرَى شاباً في الحادية والثلاثين اسمه سيد درويش، دهمته أزمة قلبية ليل الرابع عشر من أيلول/ سبتمبر في منزل شقيقته في الإسكندرية، فمات في الخامس عشر قبل أن يؤذن الديك فجراً».
اهتم الكاتب بتعداد الأغنيات الشعبية التي لحّنها سيد درويش، فهو لم يغفل عن أي حالة شعبية. واسند السبب إلى نشأته في حي شعبي في الإسكندرية. ولدى انتقاله إلى القاهرة سكن باب الخلق، وجزيرة بدران في شبرا وهما حيان شعبيان.
وفي شبرا أيضاً كان بديع خيري الذي كتب أغنيات شعبية كثيرة لحنها الشيخ سيد للمسرح الغنائي، أو منفردة. ويسرد فكتور سحاب عناوين أغنيات سيد بدءاً من السقايين وصولاً إلى بائعي اليانصيب مروراً بالصنايعية، والأغنية الأكثر بلاغة «الفلاحين». وفي تعداد الأغنيات التي لحّنها للمسرح يقول الكاتب بأنها قاربت الـ233 أغنية لـ30 تمثيلية غنائية واستعراضاً وأوبرا. ويؤكد الكاتب أن وجدان شيخ سيد كان مع غناء الطرب «ويهوى النغم العربي الذي لا تخالطه هجنة أو تغريب».
وعندما كان يُطلب منه في مجالسه الخاصة التي يغني فيها أدواره وموشحاته، أن يغني بعض غناء المسرحيات، كان يجيب «هذه لي أنا، ومن يرد أن يسمع غناءً مسرحياً، فليذهب إلى المسرح». وخاض الكاتب بحثاً في مسألة «إغفال» الشيخ سيد لربع الصوت في بعض موسيقاه المسرحية، مؤكداً أنه «كان يعرف دون شك تدوين ربع الصوت، ولو أغفله المدونون في مؤلفاته، لصحح لهم.» وفي كتاب «سيد درويش المؤسس» تصنيف لأغنياته الوطنية إلى خمسة أصناف. وهي أولاً الأناشيد ذات الإيقاع العسكري والكلام الوطني المباشر. ثانياً: أغنيات الطوائف وأصحاب المهن والتي احتشدت جميعها بالمعاني الوطنية. ثالثاً: الأغنيات الإعتيادية في شكلها، والوطنية في مضمونها مثل طقطوقة «أهه ده اللي صار». رابعاً: أغنيات يدل على مضمونها الوطني ملابسات غنائها كما «يا بلح زغلول» التي رددها الناس لدى عودة سعد زغلول من المنفى. خامساً: الغناء الوطني المُدرج ضمن الغناء الإجتماعي كالشكوى من الغلاء، ودعوة النساء للمشاركة في التحرير، والمخدرات.
باب السياسة والفن
وفي باب السياسة والفن وبعد تحليل مسهب بين تناول الشيخ سيد في إطار الأسطورة والواقع خلُص الكاتب إلى التالي: «وفيما يميل المرء بطبيعته إلى حث الفنانين على اتخاذ الشيخ سيد قدوة في الحس الوطني والشعبي، لا نجد مدعاةً إلى اغفاله قدوة في الأصالة الموسيقية والرسوخ في التراث العربي والمصري، والسعي إلى التجديد تأسيساً عليهما (…) الشيخ سيّد لم يكن مقطوع الجذور، ولم يرفض ما سبقه، ولم يحتقر فنّ اسلافه، ولم يكن حزبياً، ولم يكن ذا نظرية سياسية واجتماعية يحلو للبعض أن ينسبه إليها».
برأي الدكتور فكتور سحّاب أن فضل الشيخ سيد على الموسيقى العربية كبير، فهو من أوجد للملحن المصري كياناً منفصلاً عن الصوت، وجعله مسؤولاً أمام الجماهير، حين أدخل التعبير والتصوير والتمثيل على الموسيقى العربيّة، لا سيّما في أغنياته المسرحيّة، التي كان على المغني أن يلتزم اللحن بدقة، ولا يتصرّف، كيلا يضيع التعبير.