«في مدن الغبار» للكاتبة المصرية أمل رضوان: التقطير السردي وآليات الدفاع النسوية إزاء الكارثة

عادل ضرغام
حجم الخط
0

تنتهج رواية «في مدن الغبار» للكاتبة المصرية أمل رضوان نسقا كتابيا يعتمد على التجربة الحياتية المعيشة، بالإضافة إلى فاعلية الوثائق والتقارير من خلال لجان تقصي الحقائق، وعمل الساردة الأكثر حضورا وامتلاكا وسيطرة على العالم الروائي في منظمة «حقوقيون بلا حدود». فهي رواية تشكلت من خلال أصوات نسائية مهزومة فقدت اتصالها بالعالم بشكل معتدل فتعددت آليات الاستجابة لدى كل واحدة منهن في مواجهة الكارثة، بالإضافة إلى وسائل مغايرة للدفاع والاستمرار في الحياة.
ترصد الرواية حركة التحولات الكبرى في السياق العربي، مركزة الحديث على مخيم الزعتري بالأردن الذي تأسس وتمدد بفعل تهجير السوريين، وتعرض للأفعال الوحشية الكارثية التي تمت، ولنتائج هذه الأفعال ودورها في وجود التشويه الجسدي والنفسي والروحي، من خلال التوقف عند مجموعة من النساء اللواتي تلتقي بهن في مقهى سالوته، وكأنها تعيدنا في ذلك السياق إلى قول سفيتلانا أليكسييفيتش عن تأثر النساء بالحرب، وعمق هذا التأثر: «الذاكرة النسائية عن الحرب هي قوة الضوء من حيث توتر المشاعر، ومن حيث الألم».
تنطلق الرواية مهتمة بإعداد تقارير البعثة الأممية بمخيم الزعتري للاستماع إلى المصابين والناجين والمشوهين، ولكن ذلك لا يظل اهتمامها الوحيد أو الأساسي وإن عرضت لكثير من التجارب والتشوهات الجسدية والروحية الحارقة. ففي ظل هذا الاهتمام تتوالد اهتمامات أخرى، وتتوالد أسئلة على نحو كبير من الأهمية، وتعيد إلى بؤرة التركيز دلالات مصطلحات مثل التهجير واللجوء والهوية، فيشعر القارئ أن هناك إعادة مقاربة لهذه الموضوعات أو لهذه الدلالات التي تجعلها منفتحة في ارتباطها الدائم بالمكان، فالموضوعات السابقة في منطق الرواية أصبحت مرتبطة بالشعور والأحاسيس الداخلية التي تمسّ الروح، ويصبح هناك صمت موزع إلى الرغبة في الشيء والنفور منه في الوقت نفسه.

2021-07-10_00-27-29_175379

التقطير السردي:
كتابة الرواية بمنطق القصة القصيرة

يدرك قارئ «في مدن الغبار» أنها جاءت في بناء خاص قائم على النقصان الدائم، فالقارئ يدخل إلى العالم الروائي وهو يعاني من النقصان والحاجة إلى الاكتمال، فهو يدخل من زاوية أو من نقطة تختارها الساردة الأكثر سيطرة على العالم الروائي وتمارس في إطار ذلك الفاعلية والتوجيه، نقطة أو زاوية منبتة الصلة عن الماضي أو على الأقل حسب البناء السردي تضرب في فراغ، وليس هناك تاريخ كاف تمّ تنضيده للشخصيات، بل من كوة جزئية تختارها، وعليه أن يظل في لهاث دائم وبحث مستقص حتى يكشف السرد بفصوله المتوالية عن كوة جديدة أو عن إسدال وصف جديد لشخصية أو تحديد لأطر علاقة، أو بصيرة برحلة موازية سابقة، لها دور في التجلي الآني في مقاربة العالم.
تمارس الكاتبة نوعا من التقطيع المتعمد للحكاية، ولكن القارئ- في ظل هذا النقصان الممتد- يستمر مشدودا لاستكمال الحكاية، فهي لا تقدم رواية ذات بناء تصاعدي كلاسيكي، وإنما تقدمها بطريقتها الخاصة، فتتكامل الحكاية من خلال الإضافات السردية المتوالية الكاشفة بالتقطير على دفعات متتابعة. يتجلى ذلك كثيرا في نص الرواية، فهي تجعل القارئ يواجه العالم انطلاقا من الجرح المنفتح دون تاريخ سابق جاهز يكشف عن أسباب ذلك الجرح.
ففي مهمتها الآنية الخاصة بمخيم الزعتري بالأردن، وفي معرض حديثها عن صعوبة الرحلة الأممية إليه تعطي إشارة إلى رحلة سابقة، وهي رحلة حلب. يستند السرد على التشابه في وجود مقهى باسم قهوة جحا لتشير من خلال دفعات سردية متوالية وموزعة على فصول الرواية، بداية من الإشارة الأولى لحظة توزع الساردة بين قبول ورفض المهمة الآنية، ومرورا بالإشارة الثانية في هذا الموضع قائلة: «كأن الحادث المشئوم في القهوة التي تحمل نفس الاسم في مدينة حلب لم تمر عليه سنوات»، وختاما بالكشف عن النتائج الكارثية التي أوجدها الانفجار الذي تسبب في موت الحسن سائق الساردة، ومحو فندق إقامتها وقهوة جحا بحلب، وعدد كبير من الضحايا.
ويتكرر ذلك المنحى كثيرا في التعامل مع شخصيات الرواية، وتاريخ هذه الشخصيات، ذلك التاريخ المؤثر بطبيعة الحال في الاختيارات والانحيازات المستمرة في النظر إلى الأمور لتحقيق العدل المفقود. تستند الرواية إلى ذكر اسم الشخصية الغائبة والمؤثرة في الوقت ذاته في بروزها للمرة الأولى ذكرا خاليا من أي إشارة، لتستمرّ عملية التشويش التي تؤدي في النهاية إلى الإغواء بالقراءة لاستكمال التعرف وتشكيل الجوانب الناقصة. ففي حديث الساردة في الفصل الثاني عن الدكتور فولك (الضلع الثالث في البعثة الأممية لمخيم الزعتري مع الساردة وألما الأمريكية ذات الأصول الفلسطينية) وإشارتها إلى ضعف سمعه بسبب سقوط قذيفة قريبة منه تقول: «أخذت معها بعض المباني وقوة سمعه ورولا». يجد القارئ أن هناك إشارة إلى رولا إشارة فقط مملوءة بالتغييب الكاشف عن الاختلاف المؤثر، ومحفزة للانتباه، ومولدة للتشويق، ولكن البناء السردي لا يكشف عن رولا الفلسطينية التي تعرّف عليها فولك في مهمة شبيهة في الأراضي الفلسطينية إلا من خلال مناجاة ذاتية لفولك بعد فصول كثيرة من نص الرواية.
فتغييب الشخصية بالرغم من دورها الفاعل في نص الرواية يتساوق مع الآلية الفاعلة القائمة على التقطير السردي وعلى الأبنية الخيالية التي يشكلها القارئ لحظة القراءة اعتمادا على بنيات سابقة. فالوجود الشبحي لشخصية عليّ مؤثر في تشكيل رد فعل الساردة، وفي نفورها من زوجها، ومن كل سلطة قاهرة. فالسرد النسوي بشكل عام مغاير، ووعيه بالعالم وجزئياته مختلف، فهي تؤرخ وتقارب العالم من خلال الوعي بالجزئيات البسيطة التي تؤرخ للروح في فرحها وهزيمتها وانكسارها.
وتشكيل الشخصية على هذا النحو من خلال سرد يتكامل ويتكوّن من دفعات سردية مختلفة في الزمان والمكان يحتاج جهدا من القارئ ليلمّ بأطراف الحكاية، ومؤثرات السلوك والاختيار من بين توجهات عديدة يمكن أن تكون حاضرة، ولكن الأمور تزداد صعوبة حين يقف السرد عند حدود أسماء عديدة لم يؤسس لها تاريخ سابق في نص الرواية، فيجب على القارئ أن يشكل هذه الشخصيات بتاريخها وحكاياتها الناقصة غير المكتملة. فحين يشير نص الرواية في الفصول الأولى إلى عمر ويوسف والحسن دفعة واحدة تتداخل الخيوط الدلالية، ولا يتمكن القارئ من الكشف عنها إلا من خلال انتباه شديد للبنية السردية وارتداداتها الخاصة، وللإضافات التي يتمّ وضعها بشكل لافت مع كل حضور أو ذكر لهذه الشخصية.

آليات الدفاع تساؤلات الهوية واللجوء والتهجير

تهتم الرواية بعالم المخيم، ولكن تركيزها الأساسي على عالم النساء اللواتي تبدأ بمراقبتهن في مقهى سالوته، ومن خلال هذا الاهتمام والتركيز تعيد طرح ومساءلة العلاقة بين السلطة والشعب، بين الحاكم والمحكوم، السلطة ببنيتها الفوقية المتعالية بفعلها الكاشف عن الانتهاك المستمر. هذه المساءلة تحتم إعادة المقاربة وإعادة النظر في الموضوعات التي تطرحها مثل التهجير واللجوء والهوية.
الرواية تشتغل من خلال صوت الساردة الأساسي- ومن خلال أصوات الأخريات من الشخصيات النسوية بالرغم من اختلافهن اجتماعيا وثقافيا – على إعادة تفكيك ومعاينة المستقر من الدلالات مثل اللجوء والتهجير والهوية، خاصة في ظل ارتباطها (وهي واحدة من اللواتي يحققن في عنف السلطة وانتهاكها) بزوج ينتمي إلى سياق السلطة. فهي تناهض كل سلطة، وهو ممثل لها يناصرها، فيصبح الانتهاك بالنسبة لها انتهاكا مزدوجا أو انتهاكا داخليا تشكل من الحرمان من الزواج بعليّ، وانتهاكا خارجيا يجعل الجميع بالرغم من اختلاف الأفراد والأماكن والبلدان ينضوون في إطاره، فهناك انتهاك داخلي يجاوبه انتهاك أكبر مستمر يشابهه في القمع ولا يساويه في الدرجة.
فالتهجير أو اللجوء الذي قام به أهل مخيم الزعتري من السوريين ليس التهجير الوحيد، بل هناك تهجير أو لجوء من نوع خاص يقوم به الجميع، بداية من الساردة الأساسية وذلك من خلال تيار الوعي الذي يهشم خطية الزمن وثبات المكان، ويجعل زحزحتهما حاضرة بشكل قوي، ومرورا بالنساء الأخريات في مقهى سالوته، وانتهاء بمجمل الشخصيات الثانوية التي تتجلى بشكل مغاير لتوجه العمل الروائي مثل والد ألما حيث يمثل الجيل الأول من المهجرين الذي يظل على تحديدات الهوية الثابتة، ووالدة المحجبة الشركسية التي تتمنى أن تكون نهايتها أو موتها بأرض أجدادها.
المقارنة بين نظرة الآباء والأبناء في هذا العمل الروائي حول موضوع التهجير واللجوء، يجعل سؤال الهوية يلحّ كثيرا وبأشكال مختلفة، ووجهات نظر متباينة، ولكنها جميعا تعيد المساءلة والمكاشفة حول صلابتها وانغلاقها أو حول ليونتها وانفتاحها. فبداية من صوت الطفلة ألما المولودة لأب فلسطيني وأم سورية (قبل الحصول على الجنسية الأمريكية) نراها ترفض أن تعترف في مدرستها بكونها فلسطينية، بالرغم من كون هذا الرفض يسهم في تأسيس خلاف نوعي ممتد مع والدها، وتصر على كونها سورية. ولكننا نجدها في لحظة أخرى وبشكل كاشف عن التباس الهوية لدى جيل الأبناء من المهجرين ترد على ضابط الجوازات حين أبصر جواز سفرها قائلا (أمريكية الجنسية) متباهية: فلسطينية.
في الرواية هناك اشتغال خاص على موضوعات لها بريق مثل الهوية والتهجير والإزاحة واللجوء، وذلك لإعادة مقاربة الدلالات الثابتة، وإعادة مساءلتها من خلال الاستناد إلى نسقين لا ينفصلان إلا من خلال زاوية الرصد، وتوزعه في الاهتمام بين إطار: عام يعاين التهجير واللجوء والإزاحة في ارتباطها بمكان وزمان محددين، وإطار ذاتي يطيل النظر والتأمل إلى الإنسان وهجراته الداخلية التي تصبح بالتدريج نوعا من الاستقواء، وتتحول في النهاية إلى تهجير طوعي أو قسري لا يستطيع له دفعا.

أمل رضوان: «في مدن الغبار»
دار العين للنشر، القاهرة 2019
174 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية