أسعد فرزات
عبْرَ توثيق القصيدة البصرية القوية، المشحونة بِبُعدِ جماعي، يروي خمسة فنانين: سوريان، لبنانيان وكردي/ تركي، عرضوا قصصَ أعمالهم في غاليري أغينور- زيوريخ معتمدين على امتدادات اللوحة المُرَمَّزة كأداة تَواصل، لتوثيق روح منفية ومُهرَّبة بل و»مُكَهرَبة» باحت بها الألوان الحارَّة كوسيط هَرَّبَ مشاعرهم إلى خارج حدود الوجع.
الوثائق اللونية التي يعثر عليها الزائر على جدران غاليري أغينور ليست مجانية أو مزخرفة، لكنها لا تشبه لوحات القرن التاسع عشر الأنيقة المغطاة بالسماء المرصّعة بالنجوم، بل إنها ما تزال تربط بين البعيد وواقع يتعكَّز على ما تَبَقَّى من النجوم البعيدة، التي يشترك فيها جميعُ اللاجئين السوريين واللاجئين اللبنانيين والأكراد متشاركين في عالَم مرعب ومناظر لَيالٍ مرصّعة بنجوم حقيقيّة، وبالتحديد تلك التي كانت فوق رأس المنفيّ عندما غادر بلده في حيرة اختيار الجغرافية واللغة المجهولتين، وعثرات الخطى خلال أمتار نقاط البداية والنهاية في رحلتهم المؤلمة. يَسقُط الضوء على تفاصيل اللوحات لتستيقظ كوابيسهم خارج مقاطع تيك توك القصيرة أو داخل (إيموجي) يغمض عينيه حانياً رأسه، أو ربما (لايك) أزرق خجول يملأ هذا الفراغ الافتراضي بأسرع ضغطة على لوحة المفاتيح.
الماضي والحاضر
إنهم يستحضرون كُلاً من مغامراتهم الشخصية والمعرفة العامة، أو الخبرات (الشاقة) لكل من حاورهم، فيختلط ماضيهم بأحداث ما زالت جارية. سيلاحظ الزائر – الذي يقترب من خرائط الذاكرة القديمة المنقوشة بشكل صغير جداً بجانب شروح فكرة النفي وفترتها غير الواضحة – بأن عليه الإبحار معهم من جديد إلى أماكن حُطام سفن بلاستيكية أخيرة مع أرقام الغرقى.
بعد مشاركته بثلاثة أعمال في معرض أغينور/ زيوريخ وبَنفَسٍ فلسفي يقول التشكيلي أسعد فرزات: «عندما دُعيتُ للمشاركة في المعرض الذي حمل اسم «المنفى» لم أتردّد، لأن إنساننا منفيٌّ منذ زمن بعيد». أسعد الذي عرض اثنين من بورتريهاته فَقَدا الكثير من ملامحهما، يُعلَّقُ على ذلك بالقول: «لو فكَّكَ الزائر هذه الوجوه فستكون لوحةً تجريديةً تعربد فيها الفرشاة على سطح أبيض لتشكل أبعاداً تتجاوز مفهوم البلد البديل والحياة المختلفة فتصل بالنهاية إلى مساحات مغلقة مُعلَّقة بين السماء والأرض، ولا شيء يشبهها سوى ذاك الفراغ الخانق الذي يبتلع الهوية». كما شارك أسعد بعمل جديد ثالث حمل اسم «المنفى» وهو عبارة عن تتمة لمشروعه الذي شارك ببعض أعماله في arte EXPO – المعرض العالمي الذي أقيمَ مؤخراً في مدينة غرناطة /إسبانية. العمل تجريدي بإيحاءات تعبيرية نسمع من خلاله أصوات المنفيين المختلطة التي تنقلها قوارب صغيرة فتنثر صداها بين أمواج البحر، تلك القوارب التي نقلت أرواحاً تَسلسَل فيها (Menu ( وجبتي موت: وجبة الموت السريع، ووجبة الموت البطيء بأقل التكاليف! ولعله بهذا يؤكد ما كتبهُ المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد عن المنفى في كتابه «بعد السماء الأخيرة» حيث وضَّح معنى المنفي سياسياً وثقافياً، وشرح لقارئه كيف أصبح هو وعائلته منفيين من الوطن: «لقد تبخَّر من حياتي وحياة الفلسطينيين جميعاً ثبات الجغرافيا وامتداد الأرض. وحتى لو لم يقم أحدهم بإيقافنا على الحدود أو سَوْقِنا إلى مخيّمات جديدة أو مُنِعْنا من الدخول أو الإقامة أو السفر من مكان إلى آخر، فإنَّ أراضينا يجري احتلالها، ويتدخَّل الآخرون في حياة كلٍّ منا بصورة اعتباطيَّة، وتُمنع أصواتنا من الوصول إلى بعضنا بعضاً؛ إنَّ هويتنا تُقيَّدُ وتُحبَسُ وتُحاصَرُ في جزر صغيرة خائفة، ضمن محيط غير مضياف!».

جورج يمين
على جدار المنفى الآخر يعرض الفنان السوري إبراهيم دندل، الذي يُوَقِّع أعماله الفنية باسم «بالميرا»- تدمر مدينته العريقة – ثلاثة أعمال تحت أسماء: الحنين، الزمن لا يعود إلى الوراء، وجرس الحرية. يتحدث إبراهيم عن عمله (الحنين): «أنجزتُ هذا العمل بعد مشكلة صحية تعرَّضَتْ لها عيني منذ أربع سنوات ولم يستطع الأطباء معرفة سبب المرض، فرسمْتُ عيني اليمنى بشكلها التشريحي وسط اللوحة، لترسل قصة حنيني من منفاي القسري إلى مدينتي البعيدة، مدينتي التي اغتال العالم بشرَها، حجرَها وشجرَها، مدينتي التي سقط العالم ولم تسقط من على مسرح التاريخ. هنا في منفاي،لا صوتَ لي إلا ما تسمعونه على تلك المساحات البيضاءالصغيرة التي تجيد كل اللغات».
حوار الزمن
في عَمَلَيه الآخرَين يحاول إبراهيم حوار الزمن بإخراج لوحتيه من بطانتهما، يقصُّ الخيوط الواهية في مسرح العرائس (العالمي) ويوقد ناراً في هشيمه ليحرق أرشيفه المزور. هو لا يساوم على نقاء الأصفر في لون شمسه، ساخراً ممن زوَّروا وما زالوا يزوِّرون الحقائق، أولئك الذين سلبوا البشرية قِيَمها متمثلاً قصيدة الشاعر الفرنسي لوي أراغون (صِفر): «إنَّما تجف كلمات ذاتي هذه في ريقي/ هذا الشقاء لا شقائي/ بل الشقاء الذي يَجْمعُنا في رُعبنا من البشر الآخرين!».
في أعماله الضوئية السبعة المقسومة على موضوعين: الثورة في لبنان والانفجار الكارثي في مرفأ بيروت، تتحرك أعماله في اتجاه حداثوي مختلف، فيتحدث الفنان الضوئي جورج يمين عن عمله المتعلق بالثورة في لبنان، الذي تعكسه أربعة أعمال ملونة بالأحمر، الأسود، الأزرق المعشق بالأخضر والأبيض، فيسرد قصةً مثيرة تَشارَكها مع الستريت آرتيست اللبناني جاد الخوري: «أنجزتُ الأعمال الأربعة بعد الثورة وكنت متمنياً أن أكون جزءاً منها إبان انطلاقها. عندما وصلتُ هناك كانت الثورة قد انطفأت وما تبقَّى كان أنقاضاً، كانت هناك شعارات مكتوبة على الجدران، وعلى زجاج المحلات كُتِبَتْ شعارات سياسية وكلمات أخرى تتضمن إهانات. في تلك الأثناء، رأيتُ زجاج محلات مُكسّرة فقررتُ تصويرها وتفسيرها من خلال تجربتي البصرية وليس فقط بالطريقة التي رأيتها عليها، فوضعتُ قِماشةً سوداء خلف الزجاج المُكَسّر لأصنع كونتراست، وأوصل كونتور الرسومات بكونتراست أقوى بكثير من طبيعته، لقد التقطتُ هذه الصور وفي ذهني أنَّ مَنْ رسمَ تلك الرسومات على الزجاج، لم يكن عابر طريق، بل كان يعرف جيداً ما يريد، لأنني في كل مرة أذهب لتصوير تلك الرسومات أراها بطريقة مختلفة وأعيد تصويرها من جديد. بقيَتْ هذه الفكرة تشغلني، فأردتُ معرفة مَنْ صَمّمَ ذلك الشكل، لكنني قررتُ أخيراً أن ذلك ليس ضرورياً لأنني اعتقدتُ أنني أنا من صنع تلك الشكوك.
بعد سنة اكتشفتُ بأن الستريت آرتيست اللبناني جاد الخوري هو مَنْ رسمَها على الزجاج المحطَّم وهذا ما دفعني إلى إعادة إحياء تلك الفكرة المميزة بطريقتي». في موضوعه الثاني يُعطِّل الفنان الضوئي جورج يمين التمثيل من خلال اللعب بالتنسيقات على صوره الملتقَطة، فيعكس أكثر من الأبعاد المستخدَمة عادةً، وبالتالي، فإن حجم الدمار الذي أصاب مرفأ «أم الشرائع» بيروت، سيكون أكبر من حجم الدمار الذي أصاب البنية التحتية، والذي لا يمكن استخدامه كصورة مطبوعة على بطاقة بريدية، أو حتى خبراً رئيسياً في جريدة. لقد طبع أعماله على أوراق كبيرة مُثبَّتة على الحائط، ما يجعلها تبدو أكبر حجماً ومفقودة في الوقت نفسه، بالمقابل فإن الضحايا، شظايا الحجر، الزجاج، البلاستيك والمعدن وصولاً إلى الطيور النافقة برهَنَتْ على أنها أكبر من الحياة! وهكذا سيبدو الاختلاف أكثر وضوحاً لأنه يتناقض مع الانخفاض الكبير في حجم التعرية المشهدية. يعلق جورج على أعماله الضوئية الثلاثة:

« بعدما حصل انفجار المرفأ، كنتُ أريد الذهاب إلى بيروت بعد الانفجار الكبير والتقاط بورتريهات لسكان منطقة الانفجار، لكن بعدما قابلتُ الناس وسمعتُ أخبارهم تأثرتُ كثيراً، لأنهم لم يريدوا أن ألتقط لهم صوراً، فسألتُ نفسي لِمَ عليَّ التقاط صور لهم، عُدْتُ إلى البيت ورأسي مليء بأخبار الناس هناك، وبعد يومين قَرَّرتُ أن أُنشئ ماسكات وجوه بلا ملامح وعُدْتُ إلى المنطقة ذاتها لأصنع تركيب قماش مع زجاج، أمضيتُ خلالها نصف نهار لإنجاز التركيب، حتى رأيتُ وجوه الناس بالماسكات وقررتُ التقاط صور الماسكات وليس صور الناس كيلا أحصر ذلك فقط في ضحايا منطقة مرفأ بيروت، بل لِيُعَبِّر عملي عن كل شخص جريح في العالم». في النتيجة، فإن جورج يمين ومن خلال تصوير الأعمال الثلاثة بالأبيض والأسود يرفض المُذهِل بشكل غير مباشر، ويتماهى مع (العامّة العالمية) ليختلف بشكل منهجي مع ما هو متوقَّعٌ عموماً من المُصَوِّر: إنه يفاجئ، يستفز، يكشف، يثير الحواس والخيال ويفضِّلُ السكون والصمت لتقديم مفاهيمه الجادة في صورته المضادِّة لتراتبية (ميكانيكا) الوصول لزر التصوير!
السياسة والمنفى
على امتداد الجدار ذاته تُركِّز اللوحة الوحيدة التي رسمتها الفنانة اللبنانية سارة ريشاني على كيفية تشكيل التجارب، فيتغير صداها وصدأها، تتغير مفاهيم الفرح والألم، وتتناثر مفرداتها في نهايات مفتوحة، لتستطيع العين تَذَكُّرَ قصصها من خلال قوة التكوين في اللوحة. تكتشف العين أيضاً طبقةً من الطلاء الزيتي، الفحم، المحاليل المعدنية المتآكلة على قماش الجوت،وتبدو نوافذ سارة المتجاورة – ذات الطرازين التركي والفرنسي- مُطلَّةً على تركواز بحر بيروت، وأحداث غيَّرت الحياة التي نتذكرها دائماً، بينما يبدو البعض الآخر منها تافهاً مثل الروتين اليومي. في لوحة سارة ريشاني يتم تصوير الوقت والتغيير، من خلال بُقَع ناتجة عن تآكل المحلول المعدني المتسارع وغير المنضبط برمزية حية ومتحركة وتفعل ذلك أيضاً في خيوط ذات نهايات مفكوكة لخياطة وترقيع النُدبة. تقف سارة أمام لوحتها وتكمل حوارها معها: «نحن نتاج كل أجزاء وقطع الذكريات الفردية الكبيرة أو الثانوية والتجارب اليومية».مفرداتها الفنية مجزَّأة تحكي كل منها قصةً مختلفة، كما لو أنها دُلِقَت بشكل عفوي على القماش كَسِكرين شوت للذكريات العائمة، والذكريات القديمة التي تبدو متشابكة في متلازمة الزمان والمكان. المنفى إذن «كارت» ذاكرة جديد مقبل من مكان ينبض بحياة يتم تشكيلنا فيها للتوّ. من نحن إذن؟ الجواب: نحن قصةٌ أخرى للأمكنة المُفَتَّتة.

على الجدار اليميني وفور الولوج إلى معرض أغينور يُصَوِّر كولاجان للفنان الكردي بِرهيم رامان – ودون فواصل – المنفى بخلفياته السياسية بطريقة رمزية مُبتكَرة، لتقريب الظل من الأصل المنفي، مفتاحه في ذلك أرقام 24071923 التي كتبها وسط كولاجه الأول الواقع على الجهة اليسرى ليكون الكولاج الأول في تلك الجهة نتيجةً منطقية للكولاج الثاني في الجهة اليمنى. للوهلة الأولى، تشبه الأرقام بتسلسلها رقم هاتف محمول، أو أرقاماً لمعاملة في دائرة حكومية أو أرقام بطاقة يانصيب، لكنها في الحقيقة تاريخٌ يجمع ثلاث قوميات (الكردية، العربية والأرمنية) تلك القوميات التي وقع عليها وما يزال، ظلمُ معاهدة دولية شتّتَتْ وما تزال تلك القوميات الثلاث.
إذا وضع الزائر فاصلة الـ (داش باللغة الإنكليزية) فسيقرأ تلك الأرقام كالتالي: 1923-07-24 ليشير التاريخ فيها إلى المعاهدة التي أبرمها الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى مع الإمبراطورية العثمانية، والتي مرَّتْ ذكراها التاسعة والتسعين مؤخراً. تلك الاتفاقية التي غَيَّرت خريطة المنطقة الواقعة تحت النفوذ العثماني، وكانت وبالاً على تلك القوميات آنفة الذِكر: «لقد تم بموجب تلك المعاهدة القفز فوق مُقْتَرَح إجراء انتخابات حول حق تقرير المصير السياسي لكوردستان العثمانية بناءً على اتفاقية (سيفر). لذلك انتصرت الإمبراطورية العثمانية من هذه الزاوية بشكل حاسم، وتم دفن مشروع استقلال كردستان والانتقال إلى مشاريع فرعية لتقسيمها وإزالة ثقافة الكرد وطمس هويتهم، في ظل غياب تام لممثلي كردستان وأرمينيا والبلاد العربية.» يكتب آزاد أحمد علي في المركز الكردي للدراسات.
في الكولاجين ترمز الجمجمتان المُلَطَّختَان بالدماء إلى إنسان القوميات الثلاث، والظلم الذي وقع عليه منذ ذلك التاريخ حتى اليوم، بينما يحاول بِرهيم رامان في لونه الأخضر الإشارة إلى خصوبة تلك الأراضي التي جُرِّدَتْ من إنسانها فأمسى منفياً قرب حدودها أو بعيداً عنها، فَيُلًوِّنُ الكولاجين بألوان أخرى كالأبيض المشوه بخطوط إسفلتية وبلون الصدأ بعد تسعة وتسعين عاماً.
تجيب جميع الأعمال الفنية المشاركة في غاليري أغينور الذي حمل عنوان «المنفى» على السؤال الذي طرحه أنطون تشيخوف في قصته «لمن أشكو كآبتي» على لسان الحوذي الذي مات ابنه، فأخذ يسأل كل الركاب الذين يركبون عربته: «هل تعرف يا سيدي أن ابني مات؟ مات منذ أيام؟» فلا يجيبه أحد! بينما تلوِّح قصص الأعمال الفنية في الغاليري بخطوطها وألوانها وصورها للعالم الصامت، علَّ كلمةً واحدةً تَحِل عُقد الحِبال المحيطة بالساقين وتُوقِفَ زحف ثعبان المنفى على تفاصيل الهوية، فتخرج عن صمتها لتقول: « سأردُّ على كل شيء».
كاتب سوري