في مكتب وليد إخلاصي

كتبت قصة جديدة، وأودعتها في ظرف، وعرضتها على وليد إخلاصي في مكتبه الكائن وراء ساعة حلب وبجوار مكتبة السيجري. وكان حينها نائب مدير التسويق في مؤسسة الأقطان.
أشعل غليونه، وبدأ يقلب في الأوراق. بعد قراءة سطر سألني: ماذا تفضل أن تشرب؟
قلت له: شكرا. لا يوجد ضرورة.
قال بإلحاح: لا يجوز. شاي أم قهوة؟
واخترت الحل الوسط. الماء. رن الجرس، وجاء الساعي.
قال له: ماء بارد وقهوة.
وابتسم ابتسامة المتنبي، وعاد إلى القصة. قرأ سطرا آخر، ثم نظر لي وسألني: هل المروحة تزعجك؟
كانت في المكتب مروحة طويلة تقف على عمود، ومثبتة على وجهي تماما، وهواؤها يعصف برأسي، ولو أمامي مرآة لرأيت خصلات شعري مشتتة مثل تسريحة آينشتاين أو رامبو مؤلف «فصل في الجحيم».
من باب الحياء قلت له: ليس تماما.
زمجر بضحكة خرجت من بطنه وهو يرن الجرس، وقال للساعي: بدل مكان المروحة لو سمحت.
حملها الساعي على كتفه كأنه عسكري يحمل سارية العلم ليغرسها على أرض محررة. سبق لي أن رأيت هذا المشهد في عدة أفلام عن حرب عام 1945 وعن الحرب الأهلية في أمريكا بين الشمال والجنوب.
لاحظت الفرق، كان رأسي كأنه كرة ثلج تتدحرج على السفوح، والآن أصبح مستقرا وسط هواء راكد، ولكن رأيت ذرات الغبار وهي تسبح في أسطوانة من الضوء، وكانت تتسلل من وراء النافذة نصف المغلقة. بعدها سمعت حفيف الورق، ورأيته يقلب صفحة، ثم نقر على كارتبل أمامه وقال: شيء ظريف. أحسنت في وصف البطل.
واستغرق بالتفكير، ثم انحنى على مقلمة. أخذ قلم رصاص وقال: ولكن ما رأيك لو نحذف ما ذكرته عن عينيه؟
كما أذكر لم أهتم بمواصفاته الفيزيائية، أو بلغة أفصح مرآه. لكن قلت إن له نظرة حديدية تنفذ إلى أعماق أي إنسان وبالذات المرأة. ولم يكن هذا مهما، ولكن لم أود حذفها. فالعين حسب ثقافتي مهمة لكلا الجنسين، وكان فرويد يساوي بين العمى ورهاب الخصاء، لذلك قلبت شفتي وقلت بحياء: ربما الأفضل أن نقول نظرة ثاقبة؟
رد وهو ينفخ دخان غليونه: ليس بالضبط. فعينه مجرد سلاح للتأثير على النساء.
ثم قال وهو يطلق ضحكة رنانة: نساتوبيا. ما رأيك؟
جعلتها تدور في رأسي، كانت على وزن يوتوبيا ودايستوبيا. ووجدت أنها عبارة مبتكرة. وأيدته فورا، وقلت له: نعم. جميل. جميل جدا، موافق.
نفخ موجة أخرى من الدخان، وهو يشطب ويعدل، وابتسامته المطاطية لا تفارق وجهه. ووصلني دخان الغليون، فبدأت أسعل، وحاولت أن أبعده باستعمال يدي. ولا أعلم كيف لاحظ ذلك. فقد رفع نظره عن الورق وسألني: هل يضرك دخان غليوني؟
كان التبغ معطرا، ولا شك أنه أحضره معه خلال آخر مهمة له في كوبا. بالإضافة لشراء نسخة من «آيات شيطانية» لسلمان رشدي. وذكر لي أنه وجدها في السوق الحرة في ميونيخ. ولم يكن مرتاحا في قراءتها بسبب استعمال الكاتب لكثير من المفردات الهندوسية. ونصحني أن أتصل بحلقة الشباب في الفندق السياحي، وأستعير منهم النسخة المترجمة والمطبوعة على الآلة الكاتبة.
سألته عن اسم المترجم.
رد ورأسه مطمور بالورق إنهم ثلاثة أو أربعة.
لم يحمسني جوابه. برأيي يوجد اختلافات بين قواميس وأساليب المترجمين . ويكفي الفوضى التي عانينا منها في ترجمة ماركيز، ابتداء من اسمه (ورد أحيانا ماركيث) وحتى عنوان واحدة من أفضل مؤلفاته وهي: اثنتا عشرة قصة قصيرة مهاجرة. حملت أحيانا عنوان «اثنا عشر حاجا»، وأحيانا «اثنتا عشرة حكاية تائهة» وهكذا..
قال وهو يمتص غليونه: لا تنس أن الترجمة فن الأخطاء.
وأهم مثال برأيه رواية الكوبي جييرمو إنفانتي. ظهرت بالعربية تحت عنوان «إنفانتس إنفيريو» مع أن عنوانها هو «ابن الجحيم». واغتنمت فرصة الكلام عن الأدب الكوبي وسألته: وكيف رأيت المشهد الأدبي في هافانا؟
رد بصوت محزن: للأسف وقعنا العقود في بايامو.
قلت له: كنت أقصد عموم كوبا.
قال بصوت رواقي: شامبانيا وكافيار.
واهتز بضحكة مجلجلة.
عدنا للكلام عن الغليون، وقلت له: يبقى دخانه أهون من عوادم السيارات التي تخنقنا في الشارع.
قال باهتمام: بالتأكيد.
وهذه المشكلة برأيه أضعفت إنتاج القطن، وزادت تركيز معدن الرصاص بالهواء، إن لم يكن الكربون المسؤول عن رفع درجة الحرارة العالمية. وكنت أتابع كلامه بصمت، ولم يكن عندي أي تعليق أو وجهة نظر. يكفي أنني لم أشاهد حقول القطن في كل حياتي. رأيتها مرة في فيلم «الأرض» ليوسف شاهين، وهو مقتبس عن رواية عبد الرحمن الشرقاوي، ولاحظت أن أوراقه بحجم كف الدب، ولكن ثماره تشبه الكستناء بعد النضج والطهي، وهي بحجم كرة بينغ بونغ بيضاء ومسننة الحواف. ثم في منتصف كلامه أخلد للصمت، ونظر إلى ساعة يده، وسألني: ألا تعتقد أن الضيافة تأخرت؟
وبادر لرن جرس الساعي، مد رجل آخر رأسه من درفة الباب. وكان أكبر بالسن من سابقه، وله وجه محروم من أي تعبير كأنه بحار صومالي ضائع في وسط المحيط.
قال له: أين القهوة والماء؟
رد بايجاز: على النار أستاذ.
أنبه بصوت مرتفع: وهل فنجان قهوة يحتاج لشهر قمري؟
رد بتذمر: لا قمري ولا شمسي. لأن ماء الشركة مقطوع أستاذ.
وأغلق الباب، واختفى وجهه وراءه.
نظر لي وليد كما ينظر الشبل لأبيه الأسد، نظرة ملؤها الاستعطاف، ولكن لم أحسن تفسير معناها، وأوشك أن يقول شيئا، ثم ضحك ضحكة بخلاء الجاحظ، وعاد للقصة. ولكن بعد سطر أو اثنين مد موظف رأسه من الباب واعتذر للمقاطعة. وأخبره باجتماع طارئ.
سأله بتأفف: الآن؟
هز الموظف رأسه.
قال لي: حظ.
ثم أردف: اتركها معي. ربما أقرأها اليوم في البيت.
خجلت أن أقول له: أخاف أن تضيع عندك، ولاسيما أنه أخبرني عن ضياع مخطوط روايته «أحزان الرماد» في اتحاد الكتاب. واضطر في ما بعد لإعادة كتابته من الذاكرة.
***
كانت زيارة منكوبة. والأسوأ أنني لم أسمع شيئا عن قصتي مع أنني قابلته عدة مرات في مقهى «القصر»، وهو مكان استراحة واستجمام المثقفين المعقدين كما نقول. وكان تحت الرقابة المشددة. وبعد أقل من شهر كنت أبتاع بهارات من متجر «الأمانة»، وهو بجوار مؤسسة الأقطان، وصدمتني رؤية قصتي بين ورق اللف والصر.
سألت البائع من أين أتى بهذا الورق؟
قال دون اهتمام: من تلك النفايات..
وأشار لحاوية مكومة في ظل أحد الجدران. وكانت مدهونة بلون المروج والأشجار في الربيع. خضراء من الخارج ولكنها سوداء أو رمادية بالتأكيد من الداخل. على غرار قلوبنا الحزينة. فنحن نضحك ولو أننا نحترق.
وأحزنني أن أسترد قصتي بهذه الطريقة، باستثناء أول صفحة. كانت مفقودة. وما تبقى معطر بشذا التوابل المستوردة من الصين وإيران، أو تركيا.
قلت لنفسي: بالنهاية لم أخسر كل شيء. وربما كسبت روح ونكهة الشرق. فهو دائما مصدر للوحي والإلهام.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية