باريس ـ «القدس العربي»: وسط ضجيج الأحذية القادم من روسيا باتجاه أوكرانيا، طغت مخاوف أوروبا بشأن غزو روسي محتمل لأوكرانيا على أجواء القمة الشتوية التي عقدها رؤساء الدول والحكومات الــ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الخميس الماضي في بروكسل. فعلى غرار الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو، حذر القادة الأوروبيون موسكو من مغبة أن «أي عدوان جديد ضد أوكرانيا سيكون له عواقب وخيمة وكلفة عالية في الرد» وذلك في أعقاب عدة ساعات من المناقشات المغلقة حول العقوبات الاقتصادية الأوروبية المحتملة ضد روسيا، تزامنت مع مصادقة البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ الفرنسية على قرار يطالب الاتحاد الأوروبي بتقليص اعتماده على الغاز الروسي، مشدداً في الآن نفسه على ضرورة الاستعداد لفرض عقوبات جديدة على موسكو بسبب تحركاتها العسكرية ضد كييف. لكن، ثمة على أرض الواقع تباينا في المواقف داخل التكتل بشأن كيفية التعاطي مع موسكو.
ففي محاولة جديدة للضغط على روسيا، شدد الاتحاد الأوروبي التحذيرات التهديدية لموسكو، حيث حذر من مغبة أن فرض عقوبات اقتصادية جديدة مشابهة لتلك التي فُرضت على روسيا بعد أن ضمّت شبه جزيرة القرم في عام 2014 هي رد محتمل على العدوان الروسي المحتمل. وقبل ذلك، قال رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل إن الاتحاد الأوروبي أعدّ موقفًا حازمًا ومتماسكًا وموحدًا للغاية، فيما أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين قبل ذلك أن الاتحاد الأوروبي مستعد مع الولايات المتحدة وحلف الناتو لتشديد عقوباته واتخاذ «إجراءات غير مسبوقة» ضد روسيا إذا صعدت تصرفاتها العدائية ضد أوكرانيا، موضحة أن التكتل عمل بشكل وثيق مع الولايات المتحدة لوضع خيارات يفوق تأثيرها العقوبات الحالية التي تستهدف قطاعات المال والطاقة والدفاع والسلع ذات الاستخدام المزدوج في روسيا. وتعتبر هذه التحذيرات الأوروبية من أبرز التحذيرات الصادرة في الأسابيع الأخيرة.
نهج متعدد
وكان وزراء الخارجية الأوروبيون قد اعتمدوا خلال اجتماعهم في بروكسل يوم الإثنين الماضي قائمة واسعة من العقوبات ضد أعضاء بارزين في شركة فاغنر الروسية شبه العسكرية الخاصة، بالإضافة إلى ذلك أضاف الاتحاد الأوروبي أربعة أطر قانونية منفصلة لإعطاء القوة الكاملة لهذه العقوبات، وهي الصكوك الخاصة بأوكرانيا وليبيا وسوريا وكذلك العقوبات المتعلقة بحقوق الإنسان.
في وقت قال الرئيسُ الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي اتصل يوم الثلاثاء الماضي بنظيره الروسي فلاديمير بوتين، عقب محادثات مع المستشار الألماني الجديد أولاف شولتس، أن استراتيجية حيال الأزمة الروسية-الأوكرانية تقوم على نهج متعدد: «الردع واستئناف الحوار ودعم أوكرانيا»: أولا، عن طريق إرسال إشارات واضحة للغاية والتنسيق بين الدول الــ27 الأعضاء في التّكتل، وثانياً، إعادة إشراك روسيا في إطار سياسي يعتبر الإطار الوحيد الذي يسمح بتسوية المسألة الأوكرانية، أي اتفاق مينسك في صيغة نورماندي، التي دعت الدول الـ 27 إلى «تشجيع الجهود الدبلوماسية» مع موسكو في إطارها «صيغة نورماندي»: وهي تشكيلة تم إنشاؤها في قمة في مينسك عام 2015 حيث تلعب فرنسا وألمانيا دور الوساطة في المحادثات بين الطرفين المتحاربين- ويقول مسؤولون أوروبيون إنها اليوم «في حالة موت دماغي». وفي هذا السياق، شددّ رئيس الوزراء الأيرلندي مايكل مارتن على أي نزاع مع روسيا يجب أن يُحلّ «بالوسائل السلمية».
ثالثا، الاستمرار في مساعدة أوكرانيا عبر تعزيز وضعها الاقتصادي والاجتماعي والصناعي وحرية الصحافة، وذلك لدعم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي لم يخف خيبة أمله من موقف الانتظار والترقب من الاتحاد الأوروبي، قائلاً في هذا الصدد: «العديد من القادة الأوروبيين بشكل عام لا يفهمون ما يحدث على حدودنا».
مواقف متباينة
غير أنه في واقع الأمر ثمة اختلاف في مواقف رؤساء الدول والحكومات الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، الذين اجتمعوا في بروكسل يوم الخميس، حول اللهجة التي يجب تبنيها في مواجهة روسيا، ويبدو أن قوة العقوبات التي يهدد الاتحاد الأوروبي بفرضها على موسكو ستعتمد على هذا التوازن السياسي الداخلي للاتحاد الأوروبي. ففي الوقت الذي تحثّ فيه فرنسا وألمانيا ودول «بنلوكس» وإيطاليا على توخي الحذر قائلة إنه على الرغم من بقاء القوات الروسية محتشدة على حدود أوكرانيا إلا أنه لم يحدث أي عدوان في هذه المرحلة، تدافع دول البلطيق وبولندا، في المقابل، عن تبني استنتاجات تتجاوز بكثير التحذيرات التي صدرت باستمرار تجاه الكرملين.
كما تتعارض رغبة دول وسط وشرق أوروبا في تسريع ترشيح أوكرانيا لعضوية الناتو، إذ لا يخفي الرئيس الأوكراني زيلينسكي مرارته من رفض عضوية بلاده في الناتو، كما يتهم ألمانيا بوضع العراقيل في طريق تسليم أنظمة أسلحة دفاعية إلى بلاده، في إطار التعاون مع حلف الناتو، الذي تطاليه روسيا بالتخلي «رسميا» عن قراره لعام 2008 بفتح الباب أمام أوكرانيا وجورجيا للانضمام إلى التكتل، وهي خطوة لطالما شكّلت خطا أحمر بالنسبة لموسكو. علاوة على ذلك، تتعارض كذلك رغبة مجموعة من دول الاتحاد الأوروبي مع الرغبة الإيطالية وقبل كل شيء الألمانية في الحفاظ على العلاقات التجارية بشكل أساسي مع روسيا، على سبيل المثال، خط أنابيب الغاز الألماني الروسي المستقبلي «نوردستريم2».
فرئيسُ حكومة بولندا ماتيوز موراويكي يعتبر أن خط «نوردستريم2 والذي تم الانتهاء منه مؤخرًا ولكن لم يدخل الخدمة بعد، هو «جزء من اللغز الكبير». وعلى نفس المنوال تحدث رئيس الوزراء السلوفيني يانيز جانسا، الذي تترأس بلاده الاتحاد الأوروبي حتى نهاية العام الجاري. ولطمأنة هؤلاء الحلفاء، شددت وزيرة الخارجية الألمانية الجديدة أنالينا بربوك على أنّ خط أنابيب الغاز الألماني الروسي الجديد المثير للجدل لن يُسمح له بالعمل في حالة حدوث «تصعيد» آخر في أوكرانيا. وتسبّب هذه القضية انقساماً في ألمانيا نفسها داخل تحالف مستشارها الجديد أولاف شولتس، الذي لم يكشف حتى اللحظة علنا موقفه من استخدام خط أنابيب الغاز ضد موسكو، وفق ما أوردت وكالة «فرانس برس» نقلاً عن مصدر دبلوماسي ألماني لم تذكر اسمه.
في خضم ذلك، يخشى الأوروبيون استبعادهم من المناقشات حول أمن قارتهم، في ظل تفضيل الرئيس الروسي بشكل واضح وعلني لأن يتم إجراؤها مع الرئيس الأمريكي جو بايدن. فبعد عشرة أيام من القمة الافتراضية بين بوتين- بايدن، سلّمت روسيا يوم الأربعاء المنصرم الولايات المتحدة قائمة بـ «مقترحات» بشأن الضمانات القانونية المطلوبة من حلف الناتو لضمان أمنها، الذي تعتبر أنه مهددٌ. هذه الضمانات التي تبحث عن روسيا تتمثل على وجه الخصوص في وضع حد لتوسيع حلف النّاتو، والانضمام المحتمل لأوكرانيا إليه- وهي مسألة مجمدة من قبل الغرب منذ عدة سنوات.