في وجوههم ما ليس في جيوبهم!

بعد زيارته إلى اليابان عام 1966 ألف السيميائي الفرنسي الشهير رولان بارت أجمل كتبه بعنوان «إمبراطورية العلامات» واعتبر بارت أن هذا البلد ثري بالعلامات، فحيثما حلّ المرء يجد ما يقرأ من العلامات، سواء أكان في المحطات، أم في المتاجر والمسارح، عبر الطعام وعبر وجوه الناس أيضا. علّق الكاتب الفرنسي موريس بانغاي (1929- 1991) عن اليابان السيميائية بريشة بارت قائلا: «اليابان، هذه اليابان، يابانه، كانت بالنسبة إلى رولان بارت المدينة الفاضلة المرغوب فيها». لقد كان المشهد غريبا لكن العلامات لم تكن عصية على القراءة.
يعلمنا الكتاب كيف نقرأ كثيرا مما نعتقد أنه لا يقرأ علاميا، ومن بينها وجوه الناس وإشاراتهم وإيماءاتهم وتنغيماتهم، التي لها طابعها الخاص في الأماكن المغلقة.
القراءة العلامية المركبة هي قراءة تمارس على العلامات المتفاعلة، في سياق معين هي تشبه قراءة كلام يومي عام في سياق مخصوص. قراءة الوجوه هي فعل مشاع قد يكون لا واعيا، لأنه يستعمل في سياق الاستدلال على المنطوق، أو على المسكوت عنه من الأحوال. تقول الوجوه فرحنا وترحنا، شقاءنا وسعادتنا، لكننا عادة ما نقرأ ذلك في غياب الكلام، أو في شحه، أو في تخفيه. لكن القراءة السيميائية الثرية هي قراءة ما أرسلته الوجوه من إشارات وعلامات وتفاعل معها الجسد في محيط اجتماعي وفي فضاء معلومين.
القراءة العلامية للوجه المتفاعل مع محيطه ينبغي أن تختلف عما يسمى الباريدولويا Pareidolia التي تعني نوعا من الوهم البصري وضربا من منح الذهن دلالة لما لا دلالة له في الأصل. هو قدرة لدى الإنسان على أن يدرك الأشكال المبهمة على أنها أشكال مألوفة كأن يرى في كتلة سحاب، وجها بشريا أو رأس ثور، أو مفتاحا أو غير ذلك من الأشكال التي يعطيها المرء من عنده تأويلا مشاكلا لكيان واقعي. ويرد الأمر علميا إلى أن الذهن البشري، وهو يبني الأشكال المبهمة ينشّط أشكالا في الذهن مخزنة ومماثلة لها. في القراءة العلامية للوجوه لا يوجد شيء من هذه الباريدولويا لأنك وأنت تقرأ لا تقرأ وجوها شبيهة، وإنما تقرأ وجوها حقيقية وقد ارتسمت عليها علامات، وتتوهم أن على الوجوه المتعددة علامات متماثلة، أو متقابلة، وهذا يقودك إلى الحكم عليها وكأنها علامات نظامية يمكن ترجمتها وتنميطها.
لنأخذ على سبيل المثال مساحة تجارية، أو مولا وسنسمي البشر الذين يزورون المول في «مجتمع المول». في هذا المجتمع يمكن أن تجد نظاما علاميا محليا، يشبه في محليته اللهجة في السياق اللغوي. في مجتمع المول وفي أيام العطل تكون الأسرة المصغرة هي طراز الزائرين، إن كنت في بلد عربي مثلا، ويمكن أن يكون مجتمع المول أفرادا لا روابط تجمعهم في بلد آخر لا تلتقي فيه الأسرة للتبضع. في «أسرة المول» تشتغل اللغة حرة أكثر من أماكن أخرى عامة فمن الممكن أن تسمع في المول حديث البيت بتفاصيله، من اختلافات أو حميميات.. ففي المول تمثل كل أسرة وحدة اتصال مستقلة لأنها تتحدث في ما بينها، وتعمل الإشارات فيها عملا نظاميا. الوجوه تعمل في العادة بلا أقنعة على النقيض من أماكن عامة أخرى. علامات الوجه في هذا التواصل لا تكون مكملة للكلام، إن حدث، بل هي علامات أصلية يعمل فيها الوجه عاكسا لرد فعل، سواء أكان عند الأب أو عند الأم يبدو وجه الصبية في هذا السياق كوجه مستكشف، أو معمر يريد أن يتملك.. وتبدو البنت الشابة أميل إلى تلطيف المواقف، في حين يميل الشاب إلى إثارة الخلاف.. أغلب النقاشات حول ما يشترى وثمنه وهاجس الثمن والنوع أحيانا هو، موضوع النقاش. أغلب الجدل بين الأم والأب من ناحية، والصبية من ناحية يكون في فضاءين: فضاء المثلجات وفضاء اللعب أو الأدوات الرياضية..

في مجتمع المول هذا كثير من العلامات الوجهية والجسدية الدالة على أن طبقة وسطى ما تزال آملة في أن تصل إلى الأعلى، على الأقل في المذاق والمأكل والملبس.

في الفضاء الأول تلتهب وجوه الصبية وتغلب على الوجه حركة تتناغم مع حركة الجسد الساعي إلى البضاعة. في الوجه المعمر لدى الصبية يستعمل سلاح الوجه المستعطف أو الغاضب، وكل حسب أسلوبه المعتاد السعي إلى تملك الشيء، يبدأ بالعلامة التي يكون الأبوان قد خزّناها وخزّنا دلالتها. حين تغضب جميلة صغيرة من أجل مثلج لم يُشْتَرَ، يعظم العقاب وتستضعف الأسباب. الغنج عند هؤلاء هو كعيون الأميرات الجميلات في قصص العجائب والسحرة.. لأجلها تكون جميع أفعال البطولة والتضحية للحصول على الكنز.
المكان الذي لا ينتصر فيه الصبية هو بهو بيع الألعاب الرياضية.. فثمنها لا ينفع معه لا بكاء ولا غنج.. تتغلب فيه الأم الحكيمة المتقترة على سحر الساحر البطل.. فيعود بلا خاتم سحري: بلا لعبة بلا ثوب رياضي.. يلعب الوجه الأموي في هذه الحالة دورين: التلطيف والتخويف.. في الوجه يظهر قلب الأم وعقلها وقد اجتمعا في جيبها أو في جيب زوجها الخاوي غالبا. البضاعة واقتناؤها وأساليب الدفع إلى اقتنائها يكون في غالب الأحيان محكوما بسلطة النقد، هنا ينشأ لدى الطفل تفكير بقيمة المال فهو، آلهة قاهرة تقهر الرغبة وتقتل القلب وتفرق آنيا بين الفرد وأسرته.. تقول المرأة الجميلة لابنها الذي حمل كرة كبيرة وهي تبتسم له.. تعال معي سوف نجلب « الفلوس» (النقود) ونعود.. ارتسامات وجهها تعزف على النسيان وملامحه الملائكية تعزف على الوعد… والمفيد في التعبير هو عبارة «فلوس» التي سيتمثلها الصغير لا كما نتمثلها: سوف يراها شيئا ما ورائيا مفارقا لما يعرفه.. مفارقا حتى لأمه وأبيه.. حين يسأل الصبي أمه عن ورقة النقد وستقول إنها «الفلوس» سوف يتذكرها جيدا على أنها شيء غريب يغلب الكرة وكل ما يريد الطفل أن يقتنيه. بعض من في المول العشاق أو كالمخطوبين يؤمون هذا المكان هم في مرحلة تجريب الهدية.. الوجوه متشابهة لا تحب الحرب، ولا تحب الغنيمة لكنها جاءت لتستكشف المكان حبا في الاستكشاف. التوثب المتخفي هو سمة هذه الوجوه.. القهوة هي أساس ومشترك علاقي وحوله تتغير الوجوه وتحاول أن تعود إلى سلمها الأولي، يمكن أن تتطور القهوة إلى عطر أو إلى لباس.. غالبا ما يتكفل الشاب بالمبادرة لكن شابات اليوم هن من صرن يبادرن أيضا إلى اقتناء ما يدل على أنهن عاشقات واهبات.. العاشقات الواهبات هي درجة في العشق تدل فيها الهدية لا على درجة الحب، بل على ذوق من أهدى.. تقول له أنا عاشقة جيدة.. قادرة على أن أمنح قلبي وشيئا من عطر هذا العالم الغالي وذوقا رفيعا لست تعلمه ولن تعلمه.. أنا مع هذه الهدية كائن نادر..
تقف زوجة تحتفي بعقد زواجها الثاني، أو الذي يزيد قليلا، تتحدث مع سيدة حول هدية لزوج يجلس على الأريكة في ركن آخر يستريح، على تجاعيده سنوات قاسيات من الرغبة وصدودها.. على وجهه سطور تكتب سردية كاملة عن شخصه، وهو لا يعلم.. سرد بضمير الغائب.. تناديه من قريب امرأة تعمل في الدكان: سيدي.. هناك.. امرأة تناديك.. يلتفت هي زوجته.. يمشي متعبا منهكا إليها.. تسأله أن يقيس ما ابتاعته… ينظر إليها بعين فيها كثير من الشكر والحب، لكن نصيب العتاب فيها أكبر..
في مجتمع المول هذا كثير من العلامات الوجهية والجسدية الدالة على أن طبقة وسطى ما تزال آملة في أن تصل إلى الأعلى، على الأقل في المذاق والمأكل والملبس. هي ترى ما يباع ولا تستطيع أن تبتاعه عسى ذات مرة تستطيع أن تفعل.. سيمر الوقت وتسكن في الوجوه علامة لا يستطيع أن يقرأها السالكون الجدد، هي علامة اللامبالاة من كل شيء والزهد في ما كان عاليا وتعويضه بشيء يوهمون أنفسهم بأنه الأعلى: هو الخيال.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية