في وداع مكتبة الساقي: خوف على المحتوى العربي المطبوع

الصّادق الرضي
حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: مثلما كانت الحرب الأهلية في لبنان في منتصف سبعينيات القرن المنصرم، أحد الأسباب المباشرة أو غير المباشرة التي أدّت إلى تأسيس مكتبة الساقي في حي كوينز وي- غرب لندن، كانت الأوضاع السياسية والاقتصادية التي يعانيها لبنان منذ مدة ليست بالقصيرة أحد أهم أسباب القرار الذي أعلنته إدارة المكتبة، في بيان صدر عنها مطلع الشهر الحالي، قضى بإغلاقها بعد رحلة امتدت نحو أربعة عقود ويزيد في نشر الكتاب العربي وغير العربي، لكن شرق أوسطي المحتوى، وحدد البيان موعد الإغلاق نهاية هذا العام، ومنذ إصداره هُرع رواد المكتبة ومحبوها إلى زيارتها على مرّ الأسابيع الماضية، لوداعها وللحصول على ما يمكن الحصول عليه من كتب معروضة بنصف قيمتها حتى موعد الإغلاق.
أكثر من ذلك أشعل بيان الإغلاق السوشال ميديا بمنصاتها المختلفة، دوّن وغرّد عدد كبير من الكتاب والمبدعين والقراء في مناطق مختلفة من العالم حول ما تمثله المكتبة بالنسبة لهم، من تجاربهم الشخصية وبعضهم لم يزر المكتبة يوما، لكن علاقته بسيرتها وبمنشوراتها من خلال معارض الكتب التي تشارك فيها دورها الناشرة، كان حافزاً للتدوين والتغريد، والمشاركة في حفل وداعها الحزين؛ وتعتبر الساقي من أعرق قلاع الكتاب المطبوع في بريطانيا، وفي أوروبا عموما، ويرى كثيرون في غيابها إشارة لانحسار الكتاب الورقي، لصالح الكتاب الرقمي.
في زيارة «القدس العربي» للمكتبة، كانت الحركة الدائبة للعاملين فيها وهم ينقلون الكتب بين الرفوف والمناضد الموزعة في الصالة، وحركة بعض روادها في زياراتهم الأخيرة، تتخللها موسيقى هادئة تنبعث من ركن ما، موسيقى شامية ومن شرق افريقيا وأماكن مختلفة، اعتاد رواد المكتبة عليها، طيلة ساعات العمل، في هذه الزيارة التقينا بمحمد مسعود – أمين المكتبة، والكاتبة والإعلامية الإريترية آمال علي والشاعر والمسرحي السوداني أشرف أبو عكر.

آمال علي – أشرف أبو عكر

الوجود «أون لاين» ليس من خيارات الاستمرار:

الفلسطيني محمد مسعود الذي يعمل في إدارة المكتبة تحدث عن تاريخ تأسيس المكتبة، قائلاً: «المكتبة أسسها أندريه غاسبارد وزوجته سلوى غاسبارد مع صديقتهما الراحلة مي غصوب، في النصف الثاني من سبعينيات القرن المنصرم، بعد لجؤهما إلى بريطانيا فرارا من الحرب الأهلية في لبنان، لتوفير الكتاب العربي في بلد يعيش فيه الكثير من العرب، دون أن تكون هناك مكتبة واحدة، وبعد سنتين لمسا الحاجة إلى تأسيس مركز ثقافي فكانت (الكوفة غاليري) تجاور المكتبة مسرحاً لعدد من المناشط والفعاليات الثقافية، التي قدمها رموز الأدب والفكر من مختلف أرجاء الوطن العربي، وبعد ذلك جاء تأسيس دار الساقي للنشر في بيروت، وبعدها بسنتين تم تأسيس دار الساقي للنشر- الإنكليزية في لندن. أغلقت (الكوفة غاليري) منذ سنوات، كما هو معروف، والآن تغلق المكتبة أبوابها، لكن لحسن الحظ ستستمر دور النشر (العربية والإنكليزية) في العمل».
وعن أسباب الإغلاق، قال: «كانت هناك أسباب قديمة للإغلاق وكانت هناك مساع دائمة لمعالجتها تفاديا للوصول لهذا القرار، لكن للأسف لم تتمكن المكتبة من النجاة من الآثار الاقتصادية وصعوباتها بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وكذلك الآثار التي خلفها الإغلاق الطويل بسبب (كوفيد 19) وبالطبع كانت الأوضاع السياسية والاقتصادية في لبنان أحد أهم أسباب الوصول للقرار، إذ لم يعد من الممكن توفير الكتاب من هناك في لندن، إلا بأضعاف سعره، ودون مكسب».
وبسؤاله عن خيار استمرار المكتبة «أون لاين» وهل كان من ضمن الخيارات المطروحة، قال: «جيل مؤسسي المكتبة هو من جيل الكتب، وهو جيل أسهم في نشر الكتاب خلال العقود الماضية في بريطانيا ولبنان والوطن العربي والعديد من الأماكن في العالم، لا أستطيع أن أقول إنهم غير مواكبين، فنحن لدينا موقع إلكتروني ولدينا أنستغرام، وقدمنا كل ما نستطيع تقديمه حسب الميزانية المتاحة لدينا، لكن للأسف، الوجود «أون لاين» ليس من خياراتنا للاستمرار». واختتم إفادته قائلا: «من جانبي أرى المكتبات العربية تغلق فرادى وجماعات هنا وهناك وأغلب مراكز الثقافة العربية، وينتابني خوف وقلق على المحتوى العربي المكتوب، وكذلك المرئي والمسموع».

وجود راسخ وأحد معالم الانتماء:

الكاتبة والإعلامية الإريترية آمال علي قالت: صدمت وحزنت كثيراً عند سماعي بالخبر فالساقي بالنسبة لي ليست مجرد مكتبة، بل هو جزء من حياتي، مرت عشرون عاماً تقريبا على اليوم الذي بدأت فيه رفقتها، ففي سنوات اللجوء والاغتراب الأولى في لندن والمعاناة الكبيرة التي تلازمنا وقسوة وجفاف الحياة مع محدودية العلاقات الاجتماعية، كانت الصدفة ابنة الحظ السعيد هي من وضعتني على مقربة عشر دقائق من المكتبة بالتالي، فتحت لي بوابة للاستئناس والدفء والمعرفة، بما حوته من كتب متنوعة ومصادر مختلفة للمعرفة وباللغتين العربية والإنكليزية. قبل هذا مفهوم المكتبة بالنسبة لي بحد ذاته ، يتجاوز فكرة «مكان لبيع الكتب» كما في التعبير والمفهوم الإنكليزي (Book Shop) تنشأ علاقة حميمة ومتفردة مع المكان، كقارئ بالنسبة له القراءة تمثل ضرورة أساسية وملحّة لترتيب علاقته بالحياة ومساراتها، وشخوصها بشكل يحقق له نوعاً من التوازن الداخلي؛ على الأخص لقارئ مثلي قادم من مجتمع محكوم بنظام ديكتاتوري، الحصول فيه على الكتب بقيود وشروط قاسية، وأحيانا يكون للكتب غياب مطلق، وفي هذا السياق شكّلت الساقي تعويضاً لفراغ معرفي وثقافي كبير».
وتستطرد: «مكتبة الساقي، والعاملون فيها، بدءاً بالسيد أمين- أمين المكتبة، الإنسان اللطيف، والقارئ والمثقف الذي لا تخطئ بصيرته في الاستدلال على مقصدك وحاجتك المحددة في تلك اللحظة، حيث كان ينتقل بأريحية بين رفوف الكتب ليلتقط لك كتابا بعينه الكتاب المناسب، الذي ستقول له عند زيارتك المقبلة: « شكراً، كان ذلك بالفعل ما أحتاجه، وتلك كانت قراءة ممتعة» فقدت المكتبة جزءاً مهما من حيويتها ومناخها المتميز بغيابه وبعض العاملين الذين أتوا بعده، لكنها لم تفقد قدرتها على المجيء بطاقم جديد مثل الشاب محمد مسعود، مسعود الذي يذكرني بزمن جميل بلهجته الشامية – الفلسطينية، وحماسه المخلص لمساعدتك في البحث عن كتابك المناسب. شكرا للساقي وللعاملين فيها ووداعا للزمن الطيب الذي ميزه وجودها الراسخ فينا وحوّلها إلى مَعْلَمْ من معالم انتمائنا إلى مساحة خاصة تشبهنا».
الشاعر والمسرحي السوداني أشرف أبوعكر، عبر عن حزنه واكتفى بالقول: «مكتبة الساقي هذا الجرف والينبوع الصافي، يُعَدُ ملاذاً ومنارة لكل العرب المستنيرين، يُقطِرُ وعياً لكل العرب المقيمين في مدينة لندن، بل في كل إرجاء بريطانيا وما جاورها. مكتبة الساقي هي الدفء والسند الحقيقي لكل الأدباء والسياسيين، ولكل باحثٍ ومطلع وصاحب مشروع فكري، غيابها سيشكل دون شك صدمة لروادها ومحبيها، فهي تتمتع بالتفرد في معاملة زبائنها بفضل طاقمها المتميز دوماً، رحيلها وغيابها كرحيل وغياب «مترو الأنفاق» وساعة بيغ بن».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية