استيقظت على ما حولي في طفولتي في الإسكندرية، وفي نهاية كل عام، يُلقي أهلها حين ينتصف الليل ويبدأ عام جديد، بالزجاجات الفارغة، وكل ما هو قديم من النافذة، وداعا للعام، وحتى لا يعود مثله، ويأتي عــــام أفضل.
كل عام كانوا يفعلون ذلك وأنا أكبر وأفكر، إذا كانوا يفعلون ذلك كل عام، فهل حقا لا يأتي عام أفضل، وتنتهي هذه الظاهرة؟
أدركت أن الأفضل يظل أملا عزيزًا، وأن رحلة الإنسان كلها من أجل هذه اليوتوبيا التي لا تتحقق، ورغم ذلك يعيش الإنسان مكافحا، مقاوما لكل مظاهر الظلم أو الفقر. كان من يتأخر في الشارع، حتى ذلك الوقت من الليل، يمكن أن تصيبه زجاجة، أو قطعة مما يتم إلقاؤه، ويكون عليه دائما أن يسرع، ويجري تحت الشرفات، أو يجد مقهى مفتوحا يجلس فيه حتى تمر ساعة أو أكثر، وينشغل الناس باستقبال العام الجديد، بالحب على الأسرة بعد سهراتهم. كنت أتحاشى السهر في مثل هذه الليلة، ولم يكن في بيتنا احتفال بالعام الجديد، فالأسرة بسيطة والأيام متشابهة، والكل ينام مبكرا، وإذا سهرت أنا، فأقرأ كتابا أو استمع إلى الراديو قبل ظهور التلفزيون. كان حفل غناء فريد الأطرش هو حفل كثيرا ما يكون قريبا من موعد رأس السنة، وكنت أرى فيه حزنا جارفا في صوته وكلماته، وفي ما بعد عرفت له أغنيات مبهجة، مثل «ياعوازل فلفلوا» و«جميل جمال» و«لحن الخلود» و«أول همسة» وغيرها، لكن ظل في صوته شرخ يمتلئ بالحزن الغامض، الذي يكاد يتحول إلى بكاء حين يغني أغنيات من نوع «نجوم الليل» التي يقول فيها كلاما من نوع «العمر قضيته حزين مظلوم، أخلص من هم ألاقي هموم، على دمعي أنام على دمعي أقوم. وأقول دا نصيب وقدر مكتوب، يا رب إيه العمل دي حكمتك، يائس ومالي أمل غير رحمتك». وهي الأغنية التي أذكرها له أكثر من غيرها، لأنني ذات مرة أيام الجامعة، كنت حزينا وركبت الأوتوبيس، وكان هناك رجل معه راديو ترانزستور تنطلق منه الأغنية، فشردت معها وتأثرت، فتمت سرقة العشرة جنيهات التي في جيبي. في الحقيقة فريد الأطرش رغم يقيني بقيمته الفنية والموسيقية، له أفلامٌ أشاهدها لأتفرج على رقص سامية جمال.
في السبعينيات من القرن الماضي، بدأت ظاهرة الاحتفال برأس السنة الميلادية في الإسكندرية تخفت، وارتفعت الصيحات في المساجد والزوايا بأنه احتفال نصراني، ومن يحتفل به كافر، ثم انتهت هذه الاحتفالات، ولم تعد الإسكندرية التي ورثتها عن الجاليات الأجنبية تقوم بها. كنت تركت الإسكندرية ولا أدري بما يجري، ويوما عدت في زيارة، وكانت رأس السنة بعد يومين، وركبت تاكسي وسألت السائق ساذجا، ماذا تفعل ليلة رأس السنة، هل تمشي بالتاكسي في الشوارع والناس تلقي بالزجاجات الفارغة؟ أم تنتظر حتى تمر ساعة مثلا؟ نظر إليّ بغيظ شديد وقال «رأس السنة إيه يا أستاذ. هذا عيد الكفار والإسكندرية لم تعد تفعل ذلك». كنت أعرف أن كل مظاهر البهجة تختفي من الإسكندرية. الملاهي الليلة على الكورنيش والسينمات في الأحياء الشعبية وبحيرة مريوط، وحفلت روايتي التي كتبتها في ما بعد «الإسكندرية في غيمة» بذلك وكيف حدث، لكن لم أكن أدري أن الاحتفال برأس السنة الميلادية، قد صار ماضيا لا يعود.
أعد نفسي لاستقبال مئات التغريدات في وداع هذا العام، التي ستكون كلها ساخطة عليه. ستذكرني بكل عام حقا، لكنها ستذكرني أكثر بما كنا نفعله في الإسكندرية يوما ما من النوافذ.
نسيتُ الإسكندرية فما يحدث فيها من تغيرات، حدث في كل مصر، حتى لو لم يكونوا يلقون بالزجاجات الفارغة وداعا للعام السابق. صارت احتفالاتي في القاهرة في هذه الليلة مع أصدقائي، أو مع أسرتي في البيت، وتقريبا لا أخرج إلى الشارع، وانشغلتُ بالميديا أتابع تعليقات الشباب والكبار على هذه الليلة. وجدتها كلها مثل إلقاء الزجاجات على العام السابق. يتم تذكر من ماتوا ومن غابوا ومن تم سجنهم في قضايا وهمية، كأن ذلك يحدث أول مرة، لكنه الأمل في عام أفضل. ليس الأمل فقط. إنه النسيان أيضا والعادة. أسوأ الأمور التي تصيب الإنسان هو النسيان الذي يطول المظلومين.
من المؤكد أنه ليس كل الناس تتعمد ذلك، لكنها الحياة تأخذهم إلى حياتهم الخاصة، وحزنهم الخاص. أكثر وأسوأ الأشياء، هو تكرار الظلم حتى لا يعود مدهشا. وبين كل هذا رحل هذا العام ومعه شخصيات عظيمة مثل المخرج سمير سيف، ومخرج المسرح الرائع محسن حلمي، هناك شخصيات أخرى طبعا، وكان رحيلهم جميعا في الشهرين الأخيرين من العام، حتى صار مشوار العزاء ليس واجبا، بل عادة يومية. الأعمار حقا بيد الله، لكن من رحلوا في السنوات السابقة من الكتّاب والفنانين، كانو أكثر من أي توقع، حتى صار جامع عمر مكرم قِبلة جديدة.
تُكتب مقالات الرثاء ليس كما يقال، كأن من يكتبونها يكتشفون قيمة وقامة من رحلوا لأول مرة، لكن لأن طاقة الحزن لابد أن تنفجر في شيء أقله المقال، حتى لو كان صغيرا. ما فعله هؤلاء الراحلون لا يحتاج مقالات ليبقى في الذاكرة، فذاكرة السينما لن تنسى أفلام سمير سيف، وذاكرة المسرح لن تنسى مسرحيات محسن حلمي، فلابد أنها مسجلة وتم تصويرها وموجودة في قنوات التلفزيون أو هيئة المسرح.
التلفزيون الذي لم يعد يعرض المسرحيات كل أسبوع، كما كان يفعل في الستينيات والسعبينيات والثمانينيات أيضا. وهكذا أعد نفسي لاستقبال مئات التغريدات في وداع هذا العام، التي ستكون كلها ساخطة عليه. ستذكرني بكل عام حقا، لكنها ستذكرني أكثر بما كنا نفعله في الإسكندرية يوما ما من النوافذ. لقد كان ختام العام من أصعب الأعوام بالنسبة لي، لفقدي صديق عمر جميل رثيته على الفيسبوك ولم أستطع الانتظار. ضحكنا كثيرا معا ضحكا لا يباريه ضحك أيام الشباب، وكان هو وثلاثة من أجمل الأصدقاء أصل شخصيات روايتي «بيت الياسمين» التي كتبتها عام 1986. رثيته بحزن شديد على الفيسبوك وأشعر بالخجل، أن حزني عليه أكثر من أي حزن على الظلم أو السجن للآخرين، لكن يبدو أنه العمر، الذي كلما تقدم أخذك إلى العالم الغامض الذي ينتظر كل البشر. لماذ لا نصدق الفراق النهائي، رغم أن السنين تمر والعمر يمضي وكل شيء إلى نهاية؟ ما الذي يجعل الإنسان يتصور غرابة الرحيل بينما الملايين رحلت عبر السنين، حتى أنني أصدق أبو العلاء المعري حين يقول «خفف الوطأ ما أظن أديم هذه الأرض إلا من هذه الأجساد» أجل ليست القبور هي ما نعرفه، وكما يقول المعري أيضا «فأين القبور من عهد عاد؟» فتحت كل مكان قبور يتم اكتشافها يوما ما. المدهش أننا حين نكتشف مقبرة قديمة نفرح بما فيها من آثار، ولا نحزن على من دُفنوا فيها. يحدث هذا بينما نحزن على من فارقونا، فهل سيفرح بهم أحد يوما ما. لا أظن إلا أنها الملائكة تفرح بهم، فقد خرجوا من عالم بدأ بالقتل، ولا ينتهي القتل فيه، وأسعد ما فيه هي الطيور في السماء لو ابتعد عنها الإنسان.
٭ روائي من مصر