في يوم العمال… هرطقات بين الإستلاب والإبداع

حجم الخط
0

في الفترة بين 1994- 1998 تضاعفت ثروة 200 شخص أو مؤسسة يمثلون أغنى الأغنياء في العالم، أصبحت الأصول والثروات التي يملكها أغنى ثلاثة من أصحاب المليارات في العالم تعــــادل إجمالي الدخل القومي المحلي لجميع البلدان الأقل نمواً في العالم، التي تضم نحو ستمئة مليون نسمة، والمصدر برنامـــج الأمم المتحدة الإنمائي عام 1999. تلك نتيجة الدوغما – العقيدة – الاقتصادية العالمية، ولو أتيح للجميع العلم والمعرفة بأحوال القرن، فربما نكون كحد أدنى ، أمام ربع مليار هرطوقيّ بهكذا دوغما، نقول ‘لو أتيح’ لأن نفس المصدر يفيدنا في تقرير للتنمية الإنسانية العربية للعام 2002 بأن نسبة الأمية عام 1995 في كل العالم حول 22’، وفي العالم النامي هي 30′ وفي البلدان العربية حول 45′. أرقام تشرح مأساة يتجاهلها من يعرفها، فيما من يجب أن يعرفها لا يجيد القراءة.
نسوق هذه المقدمة ربما فيض تبريرٍ وتَفَهُم: تبريرٌ للهرطقة أمام الرأسمالية، وتفهمٌ لدوافع من آمن بالرأسمالية كمعطى أرثوذوكسي راسخ، فخرج جازماً بنهاية التاريخ. هو السؤال: في أننا مازلنا نعيش في مجتمعات تمارس الاقتصاد أو نحن صرنا نعيش في اقتصاديات ابتلعت المجتمعات؟ هل الاقتصاديات، حقاً، قضت على المجتمع المعروف لدينا أم أن هذا فيه من المبالغة ما يدعونا لمراجعته؟ لاشك أننا لا نبالغ إذا قلنا ان الأغلبية الساحقة من المجتمعات البشرية، كما يدعوها أورليخ بِك، هي ‘مجتمعات مخاطر’ وتشكل ‘مجتمع المخاطرة العالمي’، ولا تقتصر المخاطر على البيئية أو الصحية منها – سواء الطبيعية منها كالزلازل والفيضانات أو التي اصطنعها النظام العالمي الجديد مثل الاحتباس الحراري أو استعمال المبيدات الحشرية والمواد الكيميائية في الإنتاج الزراعي والهرمونات والمضادات الحيوية في تربية الحيوانات- بل تشمل أيضاً سلسلة المتغيرات الوثيقة الصلة بحياتنا الاجتماعية المعاصرة، من أهمها ربما التقلب في العمالة والاستخدام، وتزايد الإحساس بانعدام الأمن الوظيفي، وكذلك غزو المكننة المتزايد أو ‘الأتمتة’ إن كل هذا يؤدي إلى تغيير في أشكال التضامن أو الروابط بين الافراد، ففي المجتمعات التقليدية التي يمارس كل الأفراد فيها مهناً متشابهة فإن المجتمع ينزع للتضامن العقائدي، حيث تكون عقيدة واحدة تربط بين أبنائه، فيما عند تقسيم العمل يكون نوع الارتباط هو الحاجة الاقتصادية للآخر وبالتالي، كما يرى إميل دركهايم، تبدأ المعايير بالتفكك وتبدأ حالة من الضياع، وهي الإحساس بانعدام الهدف واليأس وحالة من القنوط ناجمة عن الحياة الاجتماعية الحديثة. نقرأ بهذا انتقال من حياة في مجتمعات إلى حياة ضمن اقتصاديات، مما يدفع الكثير للإحساس بعدم وجود دلالة للحياة.
يذكرنا هذا بمقاربة كارل ماركس حول الاستلاب أو الإغتراب، حيث أن تقسيم العمل بالإضافة لعدم امتلاك وسائل الإنتاج يجعل العامل يفقد السيطرة على نشاطه وقدرته على التحكم بعمله ويفقد تدريجياً قدرته الإبداعية أمام الروتين والرتابة، فيصبح العمل مجرد وسيلة للكسب وتنعدم دلالته الأخرى.
في أواسط القرن التاسع عشر اخترع الأمريكي كريستوفر سبنسر مخرطة آلية تقوم بإنتاج البراغي والمسامير اللولبية وفق برنامج مسبق، وسمّاها ‘أوتومات’ ومهد هذا الابتكار لدخول قوي للتقانة في حياتنا انتهت باختراع الروبوت، وانقسمت الاراء بين من قال ان هذه الأتمتة تمثل اتجاه معاكساً للاستلاب وبين من تبنى وجهة نظر تقول انها تقتل الإبداع وتعزز الاستلاب، حيث يتحول العمال إلى مجرد آلات يعملون بدون تفكير أو إبداع. أمام هذه الصورة، هل نحن حقاً أمام عامل، ذي ياقة زرقاء، يعيش في اقتصاديات لا مجتمعات ويعاني الاستلاب ويُقتَل فيه الإبداع؟ حتى أصحاب الياقات البيض ومن يمارسون اقتصاد المعرفة أليسوا، بنفس المعنى السابق، يعانون الاستلاب؟ لا نبالغ إذا قلنا اننا نشهد فهماً معاصراً للعبودية، خصوصاً إذا أمعنَّا في فهم سيكولوجيا العامل في مجتمع المخاطر المؤتمت الفاقد للتضامن العقائدي والمتضامن اقتصادياً بشكل يقسَّم فيه العمل تقسيماً تايلرياً صارماً بهدف زيادة الإنتاج لا أكثر، تقوم هذه التايلرية على فكرة آدم سميث التي استهل بها كتابه ‘ثروة الأمم’ (1776) بوصف لتقسيم العمل في مصنع لدبابيس الزينة، حيث لاحظ أن عاملا بمفرده يصنع ما يصل لعشرين دبوسا في اليوم، فيما لو قسم إنتاج الدبوس الواحد على فريق مكون من عشرة عمال، بحيث ينتج كلاً منهم جزءا من الدبوس، فإن بوسعهم أن ينتجوا ثمانية وأربعين ألف دبوس في اليوم. أي معدل إنتاج العامل ارتفع من 20 دبوسا إلى 4800 دبوس في اليوم، أي أنه تضاعف 240 مرة قياساً لما كان يعمله بمفرده. وبعد حوال القرن على هذا طرح تايلر فكرة ‘الإدارة العلمية’ من خلال دراسة العملية الصناعية وتجزئتها إلى عمليات تشغيل بسيطة وتوقيتها وتنظيمها على نحو دقيق وصارم، ثم ربط هنري فورد، في مصنعه للسيارات في ميشيغان عام 1908، بين الإنتاج بالجملة وتنمية الأسواق بالجملة، فكانت الفوردية امتدادا للتايلرية. كان لكلتا النظريتين عيوبهما الإنتاجية في التصلب وبالتالي عدم القدرة على تلبية متطلبات السوق، والأهم من هذا النقد هو المتصل به حول أن هذه النظريات لم تعط العامل اي هامش للثقة وكذلك لم تتسم بالمرونة في السياسات العاطفية تجاه العمال. هذا أدى لظهور اتجاهات ما بعد فوردية أكثر مرونة وأقل مركزية وأقل تخصصاً بهدف وبنيّة زيادة الربحية لا تحسين أوضاع العمال. وما يزال العامل هو الخاسر الوحيد في معادلة هو أساس الربح فيها. ما يزال العامل المساهم الأساسي في هذا الاقتصاد الحر فيما زيادة حرية الاقتصاد تزيد من استلابه أو ارتهانه للآخر. وعلى الأغلب ما يكون هذا الآخر هو الغرب الذي أصبح العقل سجيناً له ولمحاكماته فأصبح العربي، مثلاً، يستطيع أن يطوِّر مفهوم ماكدونالديّة الفطور أو كنتاكيّة الغداء. ليس في هذا دعوة للانطواء على الذات أو الرجوع للماضي والإنغلاق فيه، بل الدعوة للتفكر في جوانب الجشع خلف الرأسمالية العالمية ودعوة لتقديم الإنسان على الإنتاج فلا يتقدم القلة على حساب سلب حياة الأكثرية.

‘ كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية