أثار ف. س. نيبول عاصفة من الانتقادات بين أدباء العالم الثالث، باعتبار أنه لم يكن حاسما في ما يتعلق بمسائل النهضة والتحرير. وأطروحته عن الاستعمار كان يشوبها الغموض. فلا هو مع المجتمعات المحلية، ولا هو ضد الرجل الأبيض. فقد داهن سياسته التي اتصفت بالمظالم والاستعلاء وحاول غسلها ولو قليلا.
وينظر إدوارد سعيد لمشكلة نيبول على أنها في معنى الهوية وليس في الهوية ذاتها. ويقول عنه في كتابه المعروف «الثقافة والإمبريالية» بما معناه: إنه كاتب محتار، ينتمي للأطراف، وفي الوقت نفسه لا يتخلى عن المركز، بل يهرب إليه كلما شعر بالإرهاق واللاجدوى. وهذا الطباق الدلالي في أفكار نيبول، كما يرى سعيد أيضا، هو أحد أهم مواصفات حركات التحرير. فهي سرعان ما تتحول لأنظمة حديدية وشوفينية، وإذا تغلبت على الاستعمار فإنها تحاكيه، أو بلغة أوضح: تستنير بعقله العسكري، وتترك أدواته المدنية المتحضرة. ويذكر مثالا على ذلك شخصية أندار بطل رواية نيبول المعروفة «منعطف النهر» الصادرة عام 1979. فهو إنسان يفهم الحرية على أنها اعتداء على مستوى الأخلاق. وهذه المشكلة، أن تبدأ من غاية نبيلة وتصل لنهاية تراجيدية، من أوضح أفكار آخر أهم عملين لنيبول وهما «نصف حياة»2001، عن ميليشيات تحارب لطرد الاستعمار من موزامبيق، و»بذور سحرية» 2004، عن ميليشيات تقاتل في الهند. فقد انسحب البطل في الروايتين من ميدان المعركة، بعد أن غلبه الحنين لحياة الرخاء والدعة، ثم عاش بصفة ثائر متقاعد.
وهذا التصرف لم يكن ليأتي من فراغ، وإنما بعد خيبات أمل وجفاف أيديولوجي. فحروب التحرير بنظر هذه الشخصيات عديمة الجدوى، وكان الفساد يتسبب دائما بتآكل الحياة النفسية. ومثل هذه القراءة، في رأيي، هي محور حبكة أعمال نيبول. وموضوع كتابه المبكر «منزل للسيد بيسواس» الصادر عام 1961، يدور أساسا حول ضياع الأمل بعالم أفضل. وقد أنفق نيبول عدة مئات من الصفحات ليصف بالتفصيل اندحار بيسواس، ودفن أحلامه في أحياء فقيرة أو وضيعة، وكانت المقارنة بين طبيعة ترينداد وحلم بيسواس ببيت يخصه أشبه بحوار بين طرفين.
من جهة يستعمل لغة يغلب عليها التحرر من الأغلال والقيود وضغط العبودية، أمام لغة محدودة بالغرائز كالطعام والشراب والمأوى والاستجمام. ومجاز البيت للتعبير عن وطن، اختزال مهين للجانب العاطفي والوجداني لمعنى الهوية. وقد فرض ذلك على الرواية أن تتحرك في مجال ألسني مبسط ومباشر، مع مجال حافل بالرموز والاستعارات. لقد كانت رواية ضائعة بين المحاكاة والحداثة، وشخصياتها إما هي قليلة الثقة بنفسها وواقعية وتكرر ما سبق، ولا تضيف للعالم شيئا غريبا عن وعينا، أو أنها تخاف الحقيقة وتختفي خلف أقنعة هي انعكاس لوجدانها النفسي. وبهذا المعنى يقول بطل الرواية: «من السخف أن يهتم الإنسان الضعيف بضعيف مثله». ويضيف لاحقا: «المعرفة تكشف أمامك مساحة واسعة من البؤس والظلم، وتدفعك للشعور بأنك بلا إرادة ومعزول».
عند معظم شخصيات نيبول معاناة من مشكلة المكان. ومع أنها تنظر للحدود على أنها حالة سائلة، أو هي حدود طرية ولا ترقى لأي درجة من الثبات، فقد كان لديها رهاب من الوجود.
وعند معظم شخصيات نيبول معاناة من مشكلة المكان. ومع أنها تنظر للحدود على أنها حالة سائلة، أو هي حدود طرية ولا ترقى لأي درجة من الثبات، فقد كان لديها رهاب من الوجود. ويمكن أن تتابع هذه الحالة في «منعطف النهر» أيضا. فبطل الرواية يقول: لا يوجد للإنسان أي مكان ثابت في هذا العالم. ويردف: يمكن التلاعب بالحقيقة، لكن الخيال لا يكذب عليك أبدا. وأول ما تلاحظه على الحبكة أن العالم يشبه الماكيت.. جاهز ومسبق الصنع، وكل شيء ينظر لنفسه كأنه ظل لواقع مرفوض. بمعنى أن حقائق الدرجة الأولى تصعب ملاحظتها، ولكن نحن نشاهد انعكاسها، كما هو الحال في كهف سقراط. ولم يكن نيبول في هذه الرواية معنيا بتجفيف منابع الفوضى، أو أسباب التهالك على السيادة، مع أن الرواية حسب المفروض عن انقلاب في افريقيا. ولم ينظر للواقع على أنه فرصة للإنتاج والبناء، ولكن بما يشبه المطالبة بحصة من الحياة. ويبدو أن مشكلة العمل هدف احتكرته روايات تعد على أصابع اليد، منها روايات شولوخوف السوفييتي، شاعر الطبيعة المؤنسنة. وأعمال صنع الله إبراهيم، ولاسيما في «نجمة أغسطس». لقد كانت هذه الرواية أشبه بملحمة شعرية عن صراع الآلة التي يتحكم بها الإنسان لترويض الطبيعة وتحويلها من قوة هدم إلى مصدر للقوة، أو لترويضها والتعايش معها. غير أن نيبول تعامل مع الطبيعة بلغة الاقتصاد الربوي. وروايته «في بلاد حرة» 1971 مجرد دورات يتناوب فيها الوصف مع الحوار لتحديد أسباب الخلاف على الأر،. فهي برأيه سبب للنزاع، وليس ضمانة للاستقرار. وأعتقد أن هذه الرواية بالذات تخلو من الشخصيات، وتحتلها الأفكار الذهنية والمشاهدة، ويمكن تحديد ميزتها بنقطتين:
الأولى المضمون العائم.. فأفكارها تطفو فوق الأحداث، حتى أن الافتتاحية هي متابعة لمجموعة من الأشخاص على متن باخرة مسافرة إلى الإسكندرية، لقد اقترن تعويم الأفكار مع تعويم المشهد كله.
النقطة الثانية هي الشكل.. فهي تتألف من خمس متواليات قصصية، لكل منها مكان خاص وشخصيات. ويمكن القول إن نيبول وضع أساس النوع الفني المسمى «قصص رواية» بهذا العمل. واستطاع أن يقنعنا بضرورة عزل المحاور، وأن تكون العلاقة بين الأجزاء والكل عشوائية وتحكمها الصدفة، وإذا كان لا بد لهذه القناعة من أسباب فهي موجودة حتما في طريقة تفسير البورجوازية الصغيرة لتعميم الغرائز. إنها طبقة تضفي على النشاط البشري معنى رموز مشتركة وليس معنى صور. وهذه الرموز يمكن تدويلها، وعليه يمكن الالتفاف بها حول معنى الخصوصية في عالم مكشوف كما فعل زامياتين في «نحن».
إن الأفكار تتقاطع وتتباعد في رواية «في بلاد حرة». وتخفي الهوية الهجينة وراءها قلقا وجوديا يصعب أن تفهم أسبابه عند مثقف غير عضوي مثل نيبول، فهو غريب عن نفسه بمقدار غربته عن المكونات الأصلية، وبوسعك أن تقول إن الظروف والصدف هي التي تحركه لأنه مع سياسة فرض الثورة على المجتمعات المحلية، ولكن ليس، بالضرورة، بواسطة القوة، وإنما بأسلوب التضحية والتفاني، وأدواته من المقاتلين الأمميين أو المقاتل المتعولم والكوني. وطبعا هو بلا أجندة ولكنه حامل لأجندة. وبقليل من التسامح يمكن أن تجد خلفيات نيبول عند كونراد، أو وليام غولدنغ. فهما يبشران باستراتيجية اجتياح الطبيعة وامتلاكها. كونراد عن طريق تمرير الذاكرة من الفرد بذاته إلى المجتمع، وغولدنغ بامتلاك الطبيعة الاجتماعية لتصبح جزءا من تكوين الأفراد، كما فعل بكل وضوح وشفافية في «سيد الذباب»، ثم في أجمل أعماله «الهرم». لقد أعاد في «الهرم» تركيب الطبيعة داخل نزوع الإنسان لذاته، وربما لهذا السبب اقتصر في الحبكة على شخصيتين. وهذا هو شأن نيبول في «بذور سحرية». كان صوت أفكار البطل يعلو على صوت الرصاص في الأدغال، ويمكن أن تفهم أنه قاتل من أجل الأرض لاستثمارها وليس لمجرد تحريرها. ولتوضيح الفكرة يمكن المقارنة مع مذكرات إسماعيل بيه في كتابه «قطعنا شوطا طويلا». كان بطل نيبول يتعامل مع نفسه وليس مع الحياة. وكل شيء يقيسه بمنظاره الخاص. وإذا بدأ من لحظة اختيار للعصيان فقد انتهى بلحظة خيانة للمبادئ، وانتقل من ميدان المعارك التحريرية إلى معاشرة النساء وفقدان الوعي بالخمرة. في حين أن بطل إسماعيل بيه قاتل من أجل انتمائه للجماعة والأرض، واختار في النهاية التخلي عن السلاح من أجل المعرفة. بمعنى من المعاني أبطال نيبول يعيشون داخل معدة وعيهم الباطن للتوصل لمعنى الهوية، بينــما أبطال بيه ينهمكون برحلة شاقة لاكتشاف معنى الذات أو موضع الفرد داخل الحضارة.
٭ كاتب سوري