القاهرة ـ «القدس العربي» : كان لابد أن تستحوذ ذكرى حرب أكتوبر/تشرين الأول المجيدة وانتصارات قواتنا المسلحة على معظم مساحات الصحف والمجلات المصرية الصادرة يومي السبت والأحد 6 و7 أكتوبر في صورة تحقيقات وذكريات من هم على قيد الحياة من القادة والضباط والسياسيين، الذين شاركوا فيها، والإشارة إلى زيارة الرئيس السيسي قبري عبد الناصر والسادات معا لأول مرة، وكانت العادة منذ أيام مبارك الاكتفاء بزيارة الرئيس قبري الجندي المجهول والسادات، لأن المناسبة تخصه.
هذا التقليد خرج عليه السيسي، بعد أن التزم به من قبل، وذكر اسم عبد الناصر وحرب الاستنزاف، كما تمت الإشادة بالرئيس السادات ودوره وبراعته السياسية وقيادة مصر في هذه المرحلة، وهي إشادة يستحقها، بصرف النظر عن التطورات السياسية التي أحدثها في ما بعد وأثارت ضده الدول العربية، بعد عقده الصلح المنفرد مع إسرائيل، وكما أن سياساته الداخلية أثارت ضده الطبقة الوسطى والفقيرة، واتهامه بالانحياز للأغنياء، رغم أنه مات ولم يورث زوجته جيهان سوى معاشه، ورغم أن الغالبية الساحقة من المصريين أيدت عقده اتفاق السلام مع إسرائيل، رغم علمها الكامل بأنه صلح منفرد، لأنها كانت تريد إنهاء حالة الحرب والتفرغ لحل المشاكل الاقتصادية، إلا أنها رفضت تماما اتجاهه وأنصاره لفرض التطبيع مع إسرائيل عليها، وقاومت هذه المحاولات وأسقطتها، واتخذت كل النقابات والمنظمات والأحزاب قرارات برفض التطبيع في أي شكل من الأشكال، وفصل أي عضو يمارسه، ما أثار غضب السادات واعتبره تحديا له، وأصدر سلسلة قوانين بفرض العزل السياسي على كل من يعارض اتفاقه مع إسرائيل، ونقلهم من أعمالهم في الإعلام والتعليم، إلى وظائف أخرى. وكانت النهاية مأساوية إذ تم اغتياله في يوم ذكرى الانتصار نفسه وهو مرتد بدلته العسكرية، ويشاهد العرض العسكري، ليختلط الفرح بالحزن عليه.
والغريب في أمر الحكومة المصرية أنها قررت أن يكون يوم أمس الأحد السابع من أكتوبر إجازة رسمية، غير مكتفية بإجازة السبت وقبلها الجمعة، ما يثير التساؤلات حول جديتها في عدم تعطيل الأعمال والالتزام بالمواعيد، اللهم إلا إذا كانت تريد إبقاء السبعة ملايين موظف حكومي في المنازل وتوفير استهلاكهم للكهرباء والمياه في المصالح الحكومية، وكذلك الازدحام في الشوارع واستهلاك الوقود.
وأبرزت الصحف زيارة حرم الرئيس الأمريكي لمصر ضمن جولة إفريقية لها، واستقبال الرئيس السيسي وقرينته لها، وكذلك الحريق الهائل في قرية المراشدة في محافظة الوادي الجديد، الذي التهم أشجارا للنخيل على مساحة ثلاثين فدانا، بدون وقوع خسائر بشرية. وتوزعت الاهتمامات حسب مصلحة كل فئة، أما الاهتمام الأكبر فتركز على الشكوى من ارتفاع الأسعار ومباريات كرة القدم. وإلى ما عندنا من أخبار..
انتصارات أكتوبر
ونبدأ بالموضوع الأبرز الذي احتل معظم مساحات الصحف والقنوات الفضائية وهو ذكرى انتصارات الجيش المصري في حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973، حيث انقسمت الكتابات حولها إلى عدة أنواع، فقد وجدها حاتم فودة المشرف على باب البريد في «المصري اليوم» فرصة لمهاجمة نظام الزعيم الراحل جمال عبد الناصر والرئيس السادات بقوله عنهما تحت عنوان «إعلام الهزيمة والنصر»: «الكل سيتحدث اليوم عن حرب 1973 ومعظم أهل مصر لم يعايشها، فقد مر عليها 45 عاما، ولكنني أكتب عن خطورة الإعلام وتأثيره عبر العقود، فالبعض يحسد عبد الناصر على الإعلام في فترة حكمه، ولكن الحقيقة أنه كان إعلاما مسيسا منافقا، كان إعلاما يفتقد الجرأة في كشف فساد الحكومات، إعلاما ينافق المسؤولين ويحجب الحقائق. مات عبد الناصر وجاء السادات فتولى أهل الكفاءة والخبرة مقاليد الأمور وتناقص تدريجيا معدل الظلم وقهر الفكر وغياب العدل، ويتكاتف الجميع لمحو الهزيمة وتحقيق النصر. أما الإعلام فقد تطرق لما كنا نعاني منه بجرأة، وما فيلم «الكرنك» وغيره منا ببعيد، وسائل الإعلام وأهميتها تختلف كثيرا عن الماضي، فإعلام محترم جريء صادق يراعي المولى سبحانه يديره أكفاء متميزون سيغير كثيرا في حياة أبنائنا، وهم أمل المستقبل».
مناسبة عمل لا إجازة
يتأسف محمد أمين في «المصري اليوم» إذ: «لم يحدث أن افتتح الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء، أي مشروع بمناسبة احتفالات أكتوبر/تشرين الأول. لا وضع حجر أساس، ولا افتتح مشروعاً في سيناء.. كان اليوم الخالد إجازة رسمية، بدلاً من يوم الإجازة الحكومية الأسبوعية، تبادلنا فيه التهنئة واسترجعنا فيه الذكريات. أليس غريباً أننا نتكلم عن روح أكتوبر في التنمية، ثم نأخذ اليوم نفسه إجازة؟ ربما نفتتح المشروعات طوال العام، لكننا لا نجد على الأجندة الرئاسية أو أجندة رئيس الوزراء ما يشير إلى الاستعداد للاحتفال بيوم 6 أكتوبر.. فقط مجرد كلمات وأمنيات وتهنئة، فماذا لو كنا نجهز المشروعات، للاحتفال بها والافتتاح في 25 يناير/كانون الثاني أو 6 أكتوبر؟ كنت أتمنى على دولة رئيس الوزراء أن تكون مناسبة عمل وليست مناسبة إجازة، كما هي العادة. فقد حاولت أن أتابع نشاط الحكومة قبل المناسبة التاريخية، فكانت النتيجة «لا شيء». وحاولت أن أتابع النشرات في اليوم نفسه «لا شيء».. كان إجازة بمعنى الكلمة، وأصبحنا في إجازة من يوم الخميس إلى يوم الاثنين، ما لم يمدها البعض حتى نهاية الأسبوع. فهل نحتفل بالأيام الخالدة بالنوم في البيوت؟ وما الدرس الذي نعلمه للأجيال القادمة بالضبط؟ كنت أتصور أن يقوم رئيس الوزراء، مع عدد كبير من الوزراء، بافتتاح مشروعات في سيناء، وكنت أتصور أن أعثر على تصريحات حكومية، وسط الأهالي، تتحدث عن المشروع القومى لتنمية سيناء، ماذا أنجزنا في عام مضى؟ وماذا نخطط له في عام مقبل؟ وكنت أتصور أن نجلس معهم، وندرس ما يحتاجون إليه لتعمير ثلث مساحة مصر و«توطين» ملايين البشر. المثير أن كل ما قرأته وسمعته أن الحكومة كانت تجهز قرار الإجازة، وصدر القرار بسلامة الله، ليؤكد أن الموظفين سيقعدون في البيوت ثلاثة أيام رسمياً، ما لم يتطوع البعض ويمد الإجازة أسبوعاً.. هل الاحتفالات «الصورية» تجعل الشباب يشعر بقيمة التاريخ؟ ألم يسمع «مدبولي» ووزير التعليم أن شباب الجامعات يقولون إن 6 أكتوبر «كوبري» أو «مدينة»؟ وأعرف أن حكومة مدبولي قد توارثت هذا الوضع.. وكل الحكومات التي سبقتها لم تفتتح مشروعاً في سيناء في ذكرى نصر 6 أكتوبر، ولم تصحب الطلاب مثلاً إلى سيناء في هذا اليوم وتشرح لهم بطولات المصريين.. ويُحزِنني أن أقول إنها سنوات وقد لا يعرف عنها الجيل الجديد أي شيء.. استعدوا من الآن لأكتوبر «العام المقبل»، وغيِّروا هذه العادة. باختصار، الاحتفال بالمناسبات التاريخية ينبغي ألا يكون بالإجازات أو بالأغاني فقط.. نريدها احتفالات عملية مُنتجة.. سواء بافتتاح المشروعات، أو بوضع حجر أساس لمشروعات جديدة، أو باصطحاب الطلاب إلى مسرح العمليات في سيناء.. علِّموا أولادكم كيف يكونون مرتبطين بالوطن».
ضياع روح أكتوبر
وعن ضياع روح أكتوبر والمطالبة أو تمني عودتها قال مجدي حلمي في «الوفد»: «كنت أسمع مصطلح روح أكتوبر/تشرين الأول، وهو المصطلح الذي عرفت معناه بعد مرور السنين وعرفت قيمة استعادة هذه الروح التي تقوم على العمل والأخلاق والترابط المجتمعي، ففي أيام الحرب وما تلاها، كان الشعب المصري خلية عمل، وكان نموذجاً للأخلاق والتراحم والتلاحم، الكل نسي خلافاته الشخصية، ونسي عداواته، حتى عداوة الدماء. هذه الروح التي استعدنا جزءاً منها في الأيام الثمانية عشر عقب ثورة يناير/كانون الثاني، لكن سرعان ما عدنا إلى أسوأ ما فينا، وعاد قطاع الطرق واللصوص، وظهر الفساد ببجاحة لا مثيل لها، بدون أي اعتبار للقانون، وعادت الحكومة إلى الاعتماد على المنافقين والموالين، ووضعهم في مراكز صنع القرار، فأصاب اليأس الملايين من الشباب. نريد من الحكومة أن تعيد صياغة خطتها لتعميق ثقافة الأفضل، التي يجب أن تتقدم الصفوف، وأن تعيد صياغة المنظومة الأخلاقية التي تقوم على تطبيق سيادة القانون وأن العمل أساس الترقي والصعود واحترام الرأي الآخر والحقوق والحريات، فهي أسس للإسراع باستعادة روح أكتوبر».
صورة بمليون كلمة
«على الصفحة الأخيرة من عدد «الشروق» الصادر يوم الاثنين الأول من أكتوبر/تشرين الأول صورة شديدة الدلالة والإيحاء بالنسبة لعماد الدين حسين رئيس تحرير «الشروق»، سيارة ربع نقل تسير في أحد شوارع مدينة 6 أكتوبر، يتكدس فوقها عدد يصعب حصره من التلاميذ. كثافة عددهم تجعلك لا تشاهد السيارة، هكذا يبدو المشهد، وكأن هناك كتلة بشرية تتحرك. طلاب «مشعلقون» في الهواء كل واحد منهم يمسك بزميله، أو بما تيسر من أي جزء من السيارة، التي يفترض أنها غير مخصصة بالمرة لنقل البشر. هذا الصورة وجدتها على صفحة الزميل والمصور عبدالوهاب السهيتي، وهي لقطة بمليون كلمة كما يقولون. هذه الصورة يمكن أن تتم قراءتها بأكثر من طريقة، أول وأسهل طريقة هي أن يلتقطها المحبطون والمشككون، ويقولون إنه لا أمل في إصلاح أي شيء، خصوصا التعليم. وأسهل طريقة أيضا أن ينظر إليها المتفائلون والمؤيدون باعتبارها مجرد حادث فردي لا يعبر عن واقع الحال الوردي، والإصلاحات في جميع المجالات. وبما أن الحياة يصعب تماما أن يتم النظر إليها فقط من خلال اللونين الأبيض أو الأسود، فإن هذه الصورة فرصة مثالية لمحاولة فض الاشتباك الدائرة الآن بشأن التعليم. المدخل الموضوعي إننا لا يمكن أن نلوم وزارة التعليم على هذه الصورة، كما يفعل البعض «عمال على بطال» فالوزارة ليست مسؤولة عن عملية نقل التلاميذ من بيوتهم إلى المدارس، ومن التعسف أن نحمل الوزارة مسؤولية كل شيء. والمنطق أن نسأل من يفترض أن يتحمل المسؤولية؟ قولا واحدا، المسؤول هو إدارة المرور، فالسيارة ربع النقل يمكنها أن تنقل أي شيء إلا البشر. أعرف أن هذا النمط من النقل موجود بكثرة في بعض الطرق ما بين القرى والمراكز، لكن للموضوعية لم أرَ مشهدا بهذه الفجاجة والخطورة. السؤال الثاني هل لو قام المرور بدوره ستنتهي مثل هذه المشاهد؟ ربما نعم، لكن ذلك يحتاج وقتا، والأهم أنه يتطلب إيجاد وسائل نقل آدمية وآمنة تليق بالطلاب. ومن الشكل إلى المضمون، فالمفترض أن نتفق على أن المشهد الحالي ليس شديد البياض، كما يراه المتفائلون، وليس شديد السواد كما يراه المتشائمون. لا يمكن لأي شيء أن ينجح إذا تم النظر إليه بتلك الطريقة. هناك واقع شديد الصعوبة في العملية التعليمية، وكل منصف يعرف أنه حصاد تراكم سنوات لمنظومة من البطء والإهمال والفشل وسوء التخطيط وقلة الموارد. الوزير الحالي الدكتور طارق شوقي لديه تصور لإصلاح التعليم، وهذا التصور يؤيده البعض ويعارضه البعض الآخر، والحل ليس التمترس خلف هذا الموقف أو ذاك، بل محاولة الوصول إلى نقاط تفاهم حتى ننطلق إلى الأمام. البعض يستخدم مشهد صورة التلاميذ أو ما يشبهها لكي يقول إنه لا يوجد أي أمل على الإطلاق. وهذا القول يجد صدى لدى البعض خصوصا في السوشيال ميديا، إضافة لبعض المشكلات الحقيقية الأخرى مثل زيادة كثافة الفصول أو الدروس الخصوصية، أو ضعف مستوى المعلمين أو قلة الفصول أو ضعف المناهج، أو أي من المشكلات العويصة التي نعرفها جميعا منذ سنوات. المدخل الحقيقي لمعالجة مشكلة التعليم ليس فقط وضع نظام تعليمي جديد، أو افتتاح بعض المدارس. لكن أن تكون هناك بيئة عامة تستطيع التوصل إلى حد أدنى من التوافق على المشتركات، لأنه من دون ذلك سوف نعيش ما يشبه حوار الطرشان. لا يوجد نظام مثالي، كما أنه لا يوجد نظام سوداوي، لكن هناك نظاما أقرب إلى الواقع. والمشكلة الراهنة أننا بصدد وجهتي نظر متناقضتين تماما لا تلتقيان عند نقطة معينة. مشهد السيارة النقل التي كانت تحمل التلاميذ يكشف عن واقع مرير، لكن ينبغي أن لا نظل أسرى هذا المشهد. لو أننا فكرنا بهذه الطريقة، لن نتحرك للأمام خطوة واحدة. كثرة المشكلات وشيوعها وتفاقمها، لا يفترض أن يصيبنا باليأس، بالعكس المفروض أن يجعلنا نعافر ونجاهد ونحاول حتى نبدأ التحرك للأمام من هذه النقطة التي علقنا فيها طويلا. إصلاح التعليم ليس مهمة وزارة التربية والتعليم فقط أو حتى كل الحكومة، بل هي مسؤولية الجميع وبالتالي، فعلى كل شخص أو هيئة أو مؤسسة أن تؤدي دورها وبعدها يمكنها الانتقاد كما تشاء. لكن يتبقى سؤال مهم: هل الطريقة التي تتعامل بها وزارة التعليم مع الإعلام هذه الأيام تساعد في التحرك للأمام أم العكس؟ سؤال يحتاج إلى مناقشة عامة علنا نصل إلى نقطة التقاء».
الحياة البرلمانية
«عرفت مصر الحياة البرلمانية، منذ قرن ونصف القرن، وعرفت التعددية الحزبية، منذ أوائل القرن العشرين، وشهدت حياة برلمانية شبه ديمقراطية، منذ أوائل العقد الثالث من القرن الماضي، وتطور النظام السياسي المصري باتجاه ملكية شبه دستورية، وشهدت الحياة الحزبية والسياسية المصرية ازدهارًا تدريجيًا في رأي عماد جاد في «المصري اليوم» إلى أن قامت ثورة يوليو/تموز 1952، فقضت على النظام القائم، ثم ألغت الأحزاب، ودخلنا في ظاهرة نظام الحزب الواحد المسيطر والمهيمن. وعندما أراد السادات اتباع التعددية الحزبية، بدأ بنظام المنابر، ثم جاء نظام التعددية الحزبية الشكلية، حيث تكونت مجموعة من الأحزاب السياسية الكارتونية، كي تلعب دور المعارضة الشكلية للحزب الحاكم، الذي كان يوزع على الأحزاب عدداً من المقاعد البرلمانية في مجلس الشعب، ويعين رؤساء هذه الأحزاب في مجلس الشورى، ويمنح كل حزب نصف مليون جنيه سنويا من ميزانية الدولة، لقاء لعب هذا الدور. هكذا قضت ثورة يوليو 1952 على التعددية الحزبية في البلاد، وعندما أرادت إعادة التجربة كانت نسخة مشوهة لأحزاب كارتونية رسم لها دور المعارضة الشكلية، لقاء مكاسب محددة من الحزب الحاكم. استمر الحال كذلك حتى ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011، عندما سقطت بقايا نظام يوليو، وظهرت عشرات الأحزاب السياسية التي تجاوزت الثمانين حزبا، وما استجد منها، بعضها من زمن الحزب الوطني اتسم بالضعف الشديد، فيما عدا أحزاب الإسلام السياسي، وتحديدا حزب «الحرية والعدالة» التابع لجماعة الإخوان المسلمين وحزب «النور» السلفي، وانتهت التجربة بسقوط مدوٍ لأحزاب الإسلام السياسي، وتم حل حزب «الحرية والعدالة»، وتبقى حزب «النور» وعدد من الأحزاب الهامشية التي تمثل نسخًا مختلفة للإسلام السياسي. تتسم الأحزاب المدنية الحالية جديدها وقديمها بالضعف الشديد، بحيث يمكننا القول بانتهاء زمن حزب الأغلبية في البلاد، وأن ما لدينا من أحزاب سياسية لن يحصل أي منها على الأغلبية، وأن الحزب الأول من بينها لم يتجاوز 10٪ من مقاعد البرلمان. نعم، الأحزاب المدنية ضعيفة، ولكنها أحزاب حشدت لثورة الثلاثين من يونيو/حزيران ولعبت دورا مُهمًا في هذه الثورة، كما دعمت غالبيتها الرئيس عبدالفتاح السيسي في السباق الانتخابي، ومن ثم كان لها دور في انتخاب الرئيس. أيضاً ورغم عشرات الملاحظات على غالبية هذه الأحزاب، فإننا نراهن عليها في تطوير نظام سياسي ديمقراطي يقوم على التعددية والعمل مع الرئيس السيسي ومساعدته في تنفيذ برنامجه، ومن ثم فهذه الأحزاب مهمة أيضاً للمرحلة المقبلة ومهمة لنجاح الرئيس في أداء مهامه. غاية ما نود التأكيد عليه هنا هو أنه لا حياة سياسية بدون أحزاب، ولا ديمقراطية بدون تعددية حزبية، وما يبدو واضحا أن النظام في مصر في حاجة ملحة لإعادة النظر في موقفه من الأحزاب المدنية، فمهما كانت تحفظاته وملاحظاته على هذه الأحزاب، ونحن معه، فلا تطور سياسي وديمقراطي بدونها، وتجاهل دور هذه الأحزاب والعمل على تقزيمها والسيطرة عليها أمور تكبل تجربة التحول الديمقراطي في البلاد، وتجعل التجربة هشة للغاية، وتدور ما بين القلب الصلب للدولة المصرية والإسلام السياسي، ولا بديل لهما، وهو أمر يمثل عبئا شديدا على مصر وشعبها، فلابد من الإقرار بأهمية وجود وأدوار الأحزاب السياسية المدنية لتطوير تجربة بلادنا في التحول الديمقراطي التدريجي الذي ينهض على أساس من التطور الاقتصادي أولا، فلا ديمقراطية حقيقية في بيئة فقيرة يسودها الجهل، ومن ثم لا بد من تحقيق معدلات مرتفعة من التنمية وتحسين مستويات معيشة الشرائح الدنيا، بل الوسطى في المجتمع، وأيضا القضاء على الجهل والأمية أولا، حتى يترسخ أساس الديمقراطية في الثقافة المصرية كقيمة وأيضا القيم المصاحبة كالعدل والحرية والمساواة، وحرية العقيدة، وحرية ممارسة الشعائر الدينية، ووضع أساس قوي للفصل ما بين الدين والسياسة. إذا تحقق ذلك، فسوف يكون بناء نظام سياسي ديمقراطي مسألة وقت لا أكثر».
الصحافة والنواب وفيسبوك
وإلى معارك خاصة بالصحافة ومجلس النواب وفيسبوك حيث هاجم محمد عمر في «أخبار اليوم» مجلس النواب بسبب هجوم تعرضت له «أخبار اليوم» وقال عنه: «من شهرين تقريبا افتتح مجلس النواب جلساته وأعماله بهجوم من زعيم الأغلبية على جريدة «أخبار اليوم» والسبب أنها «تجاوزت» وضعها كجريدة قومية، وتخطت الحدود وسمحت لنفسها أن تقول إن ائتلاف دعم مصر بدأ يتفكك، وحينما سمعت ما قيل في الجلسة، لم أتبين حقيقة ما إذا كان «الزعيم» بيهزر ولا بيتكلم جد، فنحن لم نقل وإنما الواقع الذي قال، ومع ذلك فقد التمست له العذر، وقدرت موقفه والظروف التي يمر بها، فقد كان من الصعب عليه أن يتفاجأ، بأن كل من كانوا معه «وعاملين رجالته» باعوه وتركوه إلى حزب جديد، بما يعنيه ذلك من تهديد لمستقبل وكيان الائتلاف، وما يتبعه من سحب الأغلبية وزعامتها من تحت قدميه «فمن المؤكد أن حركة زي دي بتضايق» خاصة إذا كان الواحد قد وضع نفسه في مكانة سياسية معينة، وفجأة وجدها سرابا لكن كان «عتبي» على الزعيم أنه لم يواجه الحقيقة «وعمل مش شايفها» وما قدرش على من تركوه من الأعضاء لكنه، قدر على الجريدة باعتبارها من أملاك البرلمان، وتمر الأيام وما قلناه يصبح الواقع بحذافيره وتذهب الأغلبية ورئاستها إلى الحزب الجديد، لكن حفاظا على البرلمان من البطلان يتم الإبقاء على يافطة ائتلاف دعم مصر فهل يقف زعيم الأغلبية «السابق» مع أول جلسة ليعلن أننا كنا على حق، وأنه أخطأ حينما هاجمنا؟ ألا يطالب البرلمان الكل بالالتزام بنشر الحقائق ولا هي «خيار وفقّوس».
مراقبة المشهد بدون تقديم حلول
أما محمد السيد صالح في «المصري اليوم» فقد طالب الدولة بالتدخل لحماية الصحف الورقية القومية والحزبية والخاصة من الغلق وتشريد الصحافيين والعاملين فيها بفرض رسوم على مستخدمي الإنترنت والمشاركين فيها وقال: «كلما قرأت خبر إغلاق صحيفة أو مجلة أو تعثر دار نشر زاد اكتئابي، ثم أعيد السؤال لنفسي وعلى زملائي من الصحافيين المكتئبين أمثالي، وغالباً يكون ذلك على المقاهي التي باتت تجمعنا: لماذا معظم دور النشر المتعثرة عربية ولبنانية في الأساس؟ ولماذا تلجأ الدور الكبرى في العالم إلى هيكلة نفسها ذاتياً بالتوجه إلى منتجات وأشكال إعلامية جديدة مع هيكلة أوضاعها الحالية؟ لماذا تزدهر الصحافة الورقية في الهند ولماذا زاد توزيع عدد من الصحف في الولايات المتحدة وأوروبا بعد تعثر جزئي لسنوات؟ الحلول والوسائل عديدة ومتنوعة وقد استفاض كثير من الزملاء في استعراض تجارب نجاحها، ولكنني أتوجه بسؤالي إلى المسؤولين عن الصحافة في مصر: لماذا تراقبون المشهد بدون تقديم حلول عملية؟ لماذا لا تساعدون الصحافة القومية والمستقلة في محنتها؟ هل تريدون إغلاق هذه الصحف؟ وماذا عن العمالة فيها وماذا عن الدور القومي الذي تقوم به؟ لقد اطّلعت على مقترحات زميلي وصديقي سامي جعفر بشأن فرض رسوم على كل مشترك في شبكات «الإنترنت» بقيمة جنيه واحد يُخصص للمؤسسات الصحافية والإعلامية، المقترح تفاعل معه بذكاء نقيب الصحافيين رئيس مجلس إدارة الأهرام عبدالمحسن سلامة وعدد من المؤسسات الصحافية. إن مهنتنا مقدسة ومحترمة وينبغي أن تراعي التغييرات التقنية الحادثة في العالم، لكن ينبغي ألا يتلقى الملايين جميع خدماتنا بالمجان، ينبغي أيضاً ألا نجلس مكتوفي الأيدى وننتظر خطة إنقاذ رسمية هذه الخطة لن تأتي أبداً بدون تحركنا صدقوني».
الوجه القديم واللغة القديمة
لكن النظام تعرض لأعنف هجومين بسبب سياساته نحو الصحافة، الأول جاء من الدكتور عمرو عبد السميع في «الأهرام» وقوله وقد ضاق صدره من النظام الذي أيده: «رأيت ثلاثة أساليب غريبة تتبعها الدولة مع الإعلام والصحافة أولها «التعايش» مع هذه الرموز الصحافية والإعلامية وبعض «التضاغط» الموسمي المتقطع معها، وثانيها تحقير الصحافة والإعلام بعامة، نحو خلق موجة عداء شاملة لهاتين الوسيلتين ولرهط العاملين فيهما. أما الأسلوب الثالث الذي سارت فيه الدولة الجديدة فهو خلق نخبة صحافية وإعلامية جديدة، تمثل كيانا موازيا للصحافة والإعلام التقليديين، ولكن الاستعانة بمجموعة من مجهولي التاريخ والنسب المهني والمعرفي لم يبن إعلاما أو صحافة قوية للدولة، بل عمق انقساما واضحا بين مجموعتين صحافيتين وإعلاميتين، وهندس بوابة لتبادل الاتهامات، وروّج فرصا لنشر ثقافة الإقصاء والإبعاد، تحت ادعاء أن هذا «وجه قديم» وذاك يتحدث «لغة قديمة» فيما لا يحمل أي من أفراد النخبة الجديدة أي مشروع جديد ويفشلون لدى إسناد أي مهمة لهم على نحو ساطع».
ريح صرصر عاتية
أما أعنف هجوم مباشر ضد سياسات النظام نحو الصحافة والصحافيين فكان في «الشروق» من عضو مجلس نقابة الصحافيين محمد سعد عبد الحفيظ الذي استعاد ما كتبته في «الأهرام» من عامين الكاتبة سناء البيسي عن مشكلة قامت بين أمير الصحافة وفؤاد سراج الدين عندما كان وزيرا للداخلية في حكومة الوفد، بسبب شطب الرقيب ثلاث فقرات للمحرر الناشئ إبراهيم الورداني واعتذار سراج الدين، قال سعد: «ما أصاب الصحافة في مقتل هو السلطة وليس أرباب القلم، فصاحبة الجلالة نزع عنها سلطانها خلال السنوات القليلة الماضية، ليس بسبب تفرق أبنائها شيعا، ولا لأن أقلامهم أصيبت بالحول فلا ترى إنجازات السلطة، بل لأن عمليات الحصار التي امتدت لتطال تغطيات خبرية لقضايا تمس حياة المواطن، ووصل الأمر إلى منع أهل المهنة من الاشتباك أو نقد القوانين المنظمة للصحافة والإعلام، أو توضيح خطورة فتح ملف قانون نقابة الصحافيين في تلك اللحظة لأبناء الجمعية العمومية، يا سيدتي لقد هبت علينا في السنوات العجاف الماضية ريح صرصر عاتية، فاقتلعت جذور المهنة واستأصلت قلوعها، ففرضت علينا قائمة محظورات جعلت من صحف مصر ومواقعها نشرات تقدم للقارئ المحتوى نفسه والعناوين ذاتها، ومن رفض الحصار والإخضاع عوقب بالحجب والمصادرة، فما كان من الجمهور المتلقى إلا أن يهجرنا ويبحث عن منصات تدغدغ مشاعره، وتشتبك مع همومه وتنقل ما لا ننقله إليه، لم تكتف السلطة بممارسة عمليات الحصار والرقابة والحجب والسيطرة بشكل يومي على المحتوى الصحافي، بل عملت على شرعنة تلك الحالة ومررت قوانين تقنن بها الإجراءات الاستثنائية اليومية، وأعطت لمجلس شبه حكومي صلاحيات يمارس بها دور الرقيب في النور، وبدون أي حرج أو لوم قضائي، وأعطته سلطة تقديرية يصدر من خلالها قرارات بالحجب ومنع التداول وسحب التراخيص، وحتى تكتمل عملية الحصار والتأميم خرج علينا بعض الزملاء بمشروع غريب لتعديل قانون نقابة الصحافيين أعد بليل لتدخل النقابة الحظيرة نفسها التي سبقتها إليها المؤسسات».
«نوبل» لن تضمّد الجرح
خالد منتصر في «الوطن» يقول: «حصلت نادية مراد الإيزيدية على جائزة نوبل، لكن السؤال: هل حصلت نادية على الأمان؟ نادية مراد حين حضرت إلى مصر واستقبلها الرئيس السيسي أبكتنا جميعاً، لكن دموعنا، ومعها دموع العالم، لم تطهّرنا من عار تلك العصابة التي تتاجر براية الدين الإسلامي وتتخذ من أفكار متشددة إجرامية عفا عليها الزمن، وما زال البعض من دعاتنا يتبناها حتى اليوم وعلى شاشات التلفزيونات للأسف الشديد، تتخذها دستور حكم ونظام حياة، فما زلنا نشاهد رجل دين يدعو إلى تجارة الجواري لحل مشاكلنا الاقتصادية، وما زلنا نستمع إلى داعية يحلل السبي. مفاهيم تجاوزها الزمن، لكننا ما زلنا نتداولها ونزرعها في أذهان الشباب وبعدها نندهش ونتساءل: من أي تربة نبت كل هؤلاء الإرهابيين الانتحاريين. نادية مراد، بنت الخامسة والعشرين، كشفت لنا كم نعيش في بركة راكدة من الأفكار المتخلفة، فضحت كل صامت ومتواطئ يدّعي أن أفكار الفاشية الدينية قد اندثرت ولا أثر لها في الواقع. قالت لنا بلسان جرحها النازف إن كل ما تمارسه «داعش» موجود في بطون كتب صفراء يتداولها شباب قرر الهجرة إلى الداخل، بل وللأسف موجود في بطون كتب يتم تدريسها وبيعها بالملايين وفي معارض كتب ترعاها حكومات ودول تحارب الإرهابيين بالسلاح، وتترك الإرهاب ينمو بالكتب والأفكار.
ما حدث مع نادية وقومها من الإيزيديين هو عملية إبادة جماعية صريحة تشير بأصابع الاتهام إلى المجتمع الدولي كله، ومنح جائزة نوبل لها هو اعتراف بتلك الجريمة ومحاولة غسيل ضمير وتكفير ذنب، فقد دعمت دول كبيرة «داعش» من أجل طموحات عسكرية ومالية تافهة، دعمتها وهي تظن أن القط الداعشي لن ينقلب نمراً ينشب أنيابه فيها، لعبوا بالنار فاحترقت أصابعهم وشرايينهم، من استمع إلى حكاية نادية مراد كان كمن يشاهد فيلماً خيالياً عن عصابة من الزومبي أتباع دراكولا، جماعة من البربر الهمج يتناوبون اغتصاب فتاة ثم بيعها وتأجيرها، تعاملوا معها ومع الفتيات الإيزيديات كسلعة رخيصة في سوق النخاسة، يأتي رجل ضخم ويطلب منها وضع الماكياج وارتداء الملابس الكاشفة ليمارس معها الجنس، لا يمنعه مرضها أو ضعفها أو دموعها، الحيوانات نفسها تشمئز من هؤلاء الهمجيين السيكوباثيين. في مذبحة سنجار ذبحوا خمسة آلاف إيزيدي، قيّدوا نادية بعد أن ذبحوا أمها وإخوتها، ستة أشقاء تم قتلهم أمام عينيها، وبدأت رحلتها إلى الموصل حيث سوق الجواري الملاصق للمحكمة الإسلامية، هربت بعد أن تناوب على اغتصابها عشرات المجرمين القتلة، شاهدتها في أحاديث كثيرة بعد ذلك، لم تُشفَ نادية من ندبات جروح الروح ولن تُشفى، مليون «نوبل» لن تضمّد الجرح أو توقف النزيف، عيناها ما زالتا حائرتين، يسكنهما الشجن المزمن. أحياناً تتلعثم وتكرر الكلمة مرات ومرات، وكأنها ما زالت تشك في أن صراخها ما زال مكتوماً لن يصغي إليه أحد، مثلما كانت تستجير أثناء اقتحام جسدها وعفتها واستباحة كرامتها ولا من مجير أو منقذ. البشرة شاحبة بتجاعيد خوف مقيم، الوجه منحوت بإزميل الحيرة والسؤال الذي بلا إجابة: ماذا فعلت لكي يحدث لي كل ذلك؟ لقد وُلدت على دين مختلف ومتمسكة به ولم أتسبب في أي ضرر لأحد، ما هي الجريمة؟ ما هو الذنب الذي اقترفته؟ ستتسلم نادية جائزة السلام لكن هل تحصل نادية نفسها على السلام؟».