سموه جيل (التيك توك) – كناية عن التفاهة – واطمأنوا إلى انشغاله بحروب الهويّات الجندرية والصراعات الثقافية، وتيقنوا من غرقه في بحر المعلومات المسمومة، التي راكمتها أجيال مذعورة خضعت لرغبات الإمبريالية وسردياتها المتصهينة. ثم كانت العملية الفدائية الفلسطينية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول وما تلاها من حرب الإبادة، التي يشنها الجيش الإسرائيلي على سكان قطاع غزة، والمستمرة بعد أكثر من 200 يوم من القتل والتجويع والتهجير، ليفاجئهم هذا الجيل ويقض مضاجعهم.
فهو انحاز رغم كل التضليل الممنهج إلى الضحية ضد القاتل، وأسقط كل الهويات الجندرية والعرقية والثقافية، التي خلعوها عليه وانخرط في حراك واسع جمع الأبيض والأسمر، الإناث قبل الذكور، واليهود قبل المسلمين والمسيحيين، والغربيين مع المهاجرين، ومن في حكمهم تحت هوية جامعة لفلسطين الحرة من البحر إلى النهر، ورمزها العلم الفلسطيني بألوانه الأربعة الدامغة، ليمسح في أيّام قليلة أكوام البروبوغندا المتراكمة، فيظهر الحق أبلج جليلاً، كما يليق بشمس تشرق من جديد.
من كولومبيا إلى «ووريك» على عهد واحد:
فلسطين ستكون حرّة.
لم يبدأ حراك طلاب جامعات الغرب من الولايات المتحدة، بل لعله وصل إليها متأخراً بعد أسابيع من نشاطات طلابية غاضبة ضد الاحتلال في إيرلندا وإيطاليا. لكن الجامعات الأمريكية لها ثقلها الهائل في المجتمع الأمريكي ذاته ومكانة قيادية – لا سيما مجموعة جامعات النخبة – في أكاديميا العالم الغربي برمته، ولذلك عندما أطلق طلاب جامعة كولومبيا (في نيويورك) حراكهم وقررت رئيسة الجامعة (ذات الأصول العربيّة) استدعاء الشرطة لتفريقهم، التفت كل العالم لما يجري هناك، وانتشرت شرارة الاحتجاجات – رغم عنف الأجهزة الأمنية والعداء المتزايد من السلطات – إلى أكثر من مئة وعشرين جامعة عبر الولايات المتحدة – ضمنها ثلاثون تعد جامعات نخبوية على مستوى العالم – وبحكم الترابط الثقافي والمعرفي إلى الجامعات في غير ما بلد غربيّ، من كندا إلى أستراليا، ومن ألمانيا إلى هولندا، ومن إسبانيا إلى البرتغال لتحط رحالها أيضاً في بريطانيا، قلعة التصهين العريقة والأم المؤسسة للدولة العبريّة.
فمنذ أسبوع تقريباً، ومجموعات طلابيّة في جامعات النخبة البريطانية تهتف باسم فلسطين وتقيم المخيمات الرمزية الاحتجاجية للتضامن مع سكان قطاع غزة، وتتظاهر مطالبة بإنهاء تواطؤ جامعاتهم مع الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل على الهواء مباشرة. وانضم الطلاب في جامعات ليدز ونيوكاسل ومانشستر وشيفيلد وبريستول إلى أقرانهم في جامعة ووريك المرموقة في نصب الخيام أمام مباني الجامعات احتجاجاً على الحرب في غزة، وأضرب طلاب من جامعة أدنبره عن الطعام لأربعة أيّام، فيما أقدم طلاب جامعة «غولد سميث» في شرقي لندن على احتلال مبنى المكتبة قبل أن يؤسس طلاب في جامعتي أوكسفورد وكامبريدج العريقتين تجمعات لهم أطلقوا عليها أسماء مثل الجامعة الشعبية لأجل فلسطين – خارج كلية كينغز في كامبريدج، وأمام متحف جامعة أوكسفورد للتاريخ الطبيعي -. وشارك في بعض التحركات خريجون سابقون وموظفون مع الطلاب الحاليين، وكان بعض طلاب كلية لندن الجامعية جزءاً من مسيرة احتشدت خارج مقر الحكومة البريطانية في «داونينغ ستريت» احتجاجاً على الهجوم الإسرائيلي الأحدث على رفح. ومع أن حجم الاحتجاجات في جامعات بريطانيا ليس ضخماً لناحية أعداد الطلاب المنخرطين فيها – أقله مقارنة بضخامة الاحتجاجات في الجامعات الأمريكيّة – إلا أن عدم تدخل الشرطة إلى الآن يبدو عاملاً مهماً في عدم استفزاز كتل أوسع ودفعها إلى تصعيد مظاهر الغضب.
لكن التصعيد حتماً آت
تستثمر الجامعات البريطانية ما يقارب نصف مليار جنيه إسترليني في مؤسسات وشركات إسرائيلية أو تزود الدولة العبرية بمعدات القتل والتدمير، ويمتلك معظمها علاقات تعاون أكاديمي وبحثي عميق مع جامعات ومراكز أبحاث إسرائيلية لا سيّما في مجالات التقنيات المتقدمة ذات التطبيقات العسكرية.
ويطالب المحتجون من جامعاتهم أن تعيد النظر في استراتيجية الاستثمار الخاصة بها، وتوقف الشراكات المالية مع جهات ثبت تواطؤها في جرائم الحرب التي ارتكبها ويرتكبها الجيش الإسرائيلي، فيما يريد آخرون توسيع نطاق المهمة إلى قطع العلاقات الأكاديمية للجامعات البريطانية بنظيرتها الإسرائيلية.
على أن تلك لن تكون بالمهمة السهلة، إذ أن السلطات البريطانية المعروفة بإخلاصها للمشروع الصهيوني في بلادنا حرضت الجامعات على رفض هذه المطالب، وأعلن متحدث باسم رئيس الوزراء، ريشي سوناك، بأن قوات «الشرطة ستحصل على دعمنا الكامل في حال عمد طلاب الجامعات في المملكة المتحدة إلى تكرار الاحتجاجات التي رأيناها في الولايات المتحدة الأمريكيّة»، مؤكداً للإعلام البريطاني أن الحكومة التي يهيمن عليها حزب المحافظين اليميني «كانت واضحة دائماً أن المواطنين لديهم الحق في الاحتجاج السلمي والقانوني، ولكن من الضروري ألا يساء استخدام هذا الحق لتخويف الآخرين والتسبب في اضطرابات غير ضرورية».
وقد استدعت رئاسة الوزراء عدداً من قادة الجامعات للتشاور حول طرق قمع الاحتجاجات ومنع توسعها. وقال رئيس الوزراء، ريشي سوناك، إن هنالك «ارتفاعاً غير مقبول في معاداة السامية داخل الجامعات».
وفي الواقع، فإن الاحتجاجات كافة، التي نظمها الطلاب البريطانيون كانت سلميّة وليس هنالك ما يشير إلى غير ذلك بأي شكل. لكن منظمة صهيونية شرسة تعرف باسم اتحاد الطلاب اليهود في بريطانيا تبذل جهوداً مكثفة للإساءة إلى الحراك الطلابي عبر اتهام المحتجين بخلق أجواء عدائية وسامّة داخل الجامعات، وتضغط على إدارات الجامعات لأن تأخذ على محمل الجد واجبها في حماية الطلاب اليهود من موجة ادعت أنها متصاعدة من العداء للسامية – ذات البضاعة الفاسدة القديمة التي يلوح بها الصهاينة كلما وجه أحدهم انتقاداً لإجرام الدّولة العبرية. لكن جيل «التوك توك» الغاضب وكأنّه قتل الخوف. إذ رفض متحدثون عنه محاولات تشويه الاحتجاجات بتلك الاتهامات الملفقة، وقالوا للإعلام وعبر وسائل التواصل الاجتماعيّ إن طلاباً يهودا يشاركون رفاقهم في تنظيم النشاطات الاحتجاجية ويشكلون نسبة وازنة من المتظاهرين لأجل وقف الإبادة الجارية في فلسطين، أكثر من نسبتهم من مجمل طلاب الجامعات عموماً. وشارك العديد منهم صوراً ومقاطع فيديو أظهرت وحدة طلابية نادرة جمعت طلاباً يهودا بغيرهم في تنفيذ احتلالات مباني الجامعات وإنشاء مخيمات التّضامن الرمزي مع غزة.
إدارات الجامعات: صوت للعقل إلى الآن
رغم العداء المبيت من قبل السلطات الرسمية البريطانية تجاه كل حراك يهتف باسم فلسطين، فقد دعمت إدارات الجامعات بشكل عام حق الطلاب في حرية التعبير والاحتجاج، وهذا أمر جديد في هذا البلد. إذ أن السائد أن تلك الإدارات لا تتساهل مع أي تجاوز عن السردية الصهيونية، وهي فصلت لأدنى إدانة للإجرام الإسرائيلي أستاذاً مرموقاً متخصصاً في تحليل الظواهر الثقافية (البروفيسور ميللر من جامعة بريستول)، كما فرضت على اتحاد الطلاب البريطانيين التخلي عن رئيسته المنتخبة (شيماء الدلالي) بسبب تغريدة مؤيدة لفلسطين على صفحتها الشخصية في إحدى وسائل التواصل الاجتماعي. لكن هذا الجيل كان أعند من الاستسلام، وخاض ميللر والدلالي كليهما معارك قانونية ضد ممارسات إدارات الجامعات فرضت في النهاية أن المعتقدات المعادية للصهيونية محمية قانونًا في مكان العمل، وأن فصلهما كان تعسفيّاً، مما يتيح لهما الحصول على تعويضات مادية وأدبيّة. ويبدو أن هذه القضايا منحت بعض الإدارات على الأقل الجرأة للتمسك بحق طلابهم بالتعبير عن أنفسهم بحريّة، بل وانخرط بعضها في حوار إيجابي معهم للبحث في مطالبهم، كما في البحث عن مسارات لدعم الطلاب الفلسطينيين عبر توفير منح دراسية لهم.
وجال مسؤولون جامعيون على مخيمات الاحتجاج الطلابية وقالوا إن الطلاب كانوا «منظمين للغاية، وودودين، وعلى دراية بما يفعلون»، وغالبت سيدة تجاوزت الخمسين دموعها بينما كانت تراقب احتجاجات الطلاب وقالت: «من الملهم جداً رؤية الجيل القادم يقف من أجل العدالة وضد الإبادة دون وجل. إن لديهم الوضوح الفكري والمبادئ الأخلاقية التي يفتقر إليها قادتنا السياسيون». وهذا تحديداً ما يقلق النخب الحاكمة في الغرب من هذه الاحتجاجات النبيلة، فلم يعد الماضي بالضرورة دلالة على الآتي، وما كان قدراً صهيونياً، سيكون غداً عاراً وشناراً. إليكم يا قادة المستقبل، تفضلوا بأخذ عالمنا إلى غد أفضل.
كاتبة وإعلامية لبنانية مقيمة في لندن