القاهرة ــ «القدس العربي»: يعد «المعرض العام» من أهم مظاهر التشكيل المصري الذي ترعاه الدولة، هذه الأهمية ترجع إلى كونه ظاهرة فنية من خلال وزارة الثقافة المصرية، التي تحاول أن تتصدر المشهد الثقافي، رغم المستوى المتدني للثقافة والوزارة التي تمثلها. و«المعرض العام» بشكل خاص تتجسد فيه كل مثالب الإدارة المصرية، بداية من مستوى الأعمال، وحتى المحســــوبية بالنســـبة للأعمال المُشاركة وصولاً إلى منح الجوائز المشكوك دوماً في مصداقيتها. من ناحية أخرى تشهد القاهــــرة الآن فعــــاليات الدورة الـ 40 لـ«المعرض العام»، التي تقـــام في متحف الفن الحديث، في دار الأوبرا المصرية. وكمحــــاولة للإنقاذ أقــيم ما أطلق عليه «البرنامج الثقافي الموازي»، كتقييم للمعرض من ناحية، وإقامة الندوات وإصدار النشرات المصاحبة لأيام المعرض من ناحية أخرى.
ومن ضمن هذه الندوات تأتي ندوة «تحولات الفن والواقع التشكيلي المعاصر» للفنان والناقد عز الدين نجيب، الذي حاول من خلالها استقراء حال الحركة التشكيلية المصرية. شارك في الندوة كل من الفنان طه القرني قوميسير المعرض العام، الذي أشار إلى أهمية النقد لمتابعة الأعمال الفنية في المعرض، سواء للفنانين أو الحركة التشكيلية بوجه عام. بينما قدّم الناقد محمد كمال الفنان عز الدين نجيب من خلال تجربته الإبداعية والفكرية، التي تنطلق من مدى الانتماء للتيار القومي، بدون الاقتصار على الانتماء لحركة اليسار. كما أشار كمال إلى مؤلفات عز الدين نجيب المتنوعة، ومنها.. «الصامتون»، «مواسم السجن والأزهار»، «الإبداع والثورة»، «النار والرماد» و«تحولات الفن عند مفصل القرنين».
الأزمة تتمثل في حالة الانفصال ما بين السياسة والإبداع، فالسياسة ليست انتخابات وسلطة وأحزاب وجماهير، ولكنها في كل ظاهرة اجتماعية، وفي كل عمل إبداعي جذور سياسية، وما عمل الفنان سوى التعبير عن اللحظة التاريخية.
جيل الروّاد
في البداية أشار نجيب إلى أن «المعرض العام» في دورته الحالية يبدو أنه يسير في الطريق الصحيح، بعد فترة من التخبّط، ذلك لأنه عاد للارتباط بالوطن وقضاياه. أما الدورات السابقة فالفنان فقد صلته بالجمهور، وبالتالي المجتمع، فلا تأثُر ولا تأثير، وهو ما ينقص حركة التشكيل المصري بشكل عام. من ناحية أخرى يرى أن الجيل الأول من فناني التشكيلي المصري بداية من محمود مختار ورفاقه عام 1911، كانوا يعرفون الطريق والهدف، لارتباطهم بالمشروع الوطني، فالبداية كانت من الجذور واستلهام الحداثة، وحل هذا التناقض، فحامد ندا وعبد الهادي الجزار وجدا السيريالية في الموروث الشعبي، والتجريدية وجدت ضالتها في الفن الإسلامي، وكذلك التعبيرية التي تواصلت مع المعابد الفرعونية، فأصبح قدرهم أنهم فنانون لهم تاريخ.
العزلة
أما مسألة عزلة الفن التشكيلي، فيُرجعها نجيب إلى العزلة التاريخية، التي حاول البعض الخروج منها، سواء عن طريق قصور الثقافة وفترة الستينيات، وتعزيز فكرة التفاعل التي كانت في أوجها خلال 1963 وحتى هزيمة يونيو/حزيران 1967، وقتها كان هناك حراك مستمر، سببه الأول هو الجمهور دون الفنان، حيث لم تكن تنفصل السياسة عن طبيعة وشكل هذا الحراك. أما الجدل حول فترة الستينيات ودور الفنان، كبوق للسلطة مثلاً، فهذه الفترة تمثل حالة خاصة في الفن التشكيلي العربي، فقد ارتضى الفنان بكامل اختياره أن يلتحق بالسلطة ــ بغض النظر عن ديكتاتورية عبد الناصر ــ حيث كان مشروعهم الذي طالما تمنوه ونادى به أغلبهم تبناه نظام يوليو/تموز، فالفنان كان صاحب مشروع، أما الآن فهو فاقد للمشروع والدور والرسالة، إلا مَن رحم ربي.
السبعينيات وما بعدها
ويستكمل نجيب، فيرى أنه بعد السبعينيات خرجنا من التاريخ والحضارة والقاعدة الشعبية المُلهِمة، حتى على مستوى الإبداعات الشعبية والحِرَف التقليدية، فأصبح الفنان المصري تابعاً للنموذج الأوروبي من خلال رموزه وأساليبه، فسار في طريق الغرب الطويل، هذه المسيرة التي تآكلت معها أجيال من الفنانين. هذه الذروة التي بلغت أوجها آواخر الثمانينيات وحتى بداية الألفية الثالثة، والتي للأسف ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بـ(صالون الشباب) الذي كان الهدف منه هو نقض التاريخ القديم، هذه الرؤية هي التي تحكّمت في مسألة الجوائز، بالاتجاه إلى قِبلة الغرب، وآخر صيحات الفن حداثة وما بعدها. فالحداثة وما بعدها حركات لها سياق وانعكاس لظروف اجتماعية وسياسية، بداية من الدادائية عام 1915، كاحتقار للنظم الاستبدادية والاستعمارية، أما عندنا فلا يعدو الأمر مُسايرة للعصر أو المدنية والحضارة التي أصبحت تقاس بمدى ما يعرفه الفنان عن الفن في إيطاليا أو ألمانيا على سبيل المثال. أما الفن ورعاته، وتفسير سيطرة أسلوب أو اتجاه فني معيّن، يبدو في احتضان هذا الأسلوب أو الاتجاه، ولا يخلو الأمر من هدف سياسي، كتحويل الفن إلى سلعة، أو توجه المشاعر إلى وجهة أخرى. ولا ننسى دور المخابرات الأمريكية في تحويل مسار الذوق العام للجماهير من أجل الفنون العبثية، فاستقطبوا رموز الفن العالمي من كل البلاد.
الأزمة
فالأزمة تتمثل في حالة الانفصال ما بين السياسة والإبداع، فالسياسة ليست انتخابات وسلطة وأحزاب وجماهير، ولكنها في كل ظاهرة اجتماعية، وفي كل عمل إبداعي جذور سياسية، وما عمل الفنان سوى التعبير عن اللحظة التاريخية. أما حالة الانفصال فتؤدي إلى الفن الذي يولّد الفن، أي أيقونات ومنظومات يستلهمها الفنان من فنان آخر. هذه العزلة تجلت منذ أواسط السبعينيات وحتى وقت قريب جداً، حيث سيطر مفهوم (الفن للفن) كتبا، مراجع، ومتاحف، أما المُلهِم الأكبر (الشعب) فكان يتم إبعاده يوماً بعد يوم، فأصبح الفن (صنعة)، وهذا أحد أهم أسباب العزلة الطويلة. فالفنان الحقيقي مرتبط رغماً عنه بالسياسة والواقع الاجتماعي.