القاهرة ـ «القدس العربي»: ركزت الصحف المصرية الصادرة أمس الأربعاء 23 يناير/ كانون الثاني على افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، حيث قضى فيه فترة طويلة وزار الكثير من الأقسام، واطلع على إصدارات الهيئات ودور النشر المشاركة. كما أولى اهتماما بأجنحة ذوي القدرات الخاصة، وهي المرة الأولى منذ ثورة يناير/كانون الثاني 2011 التي يحضر فيها رئيس المعرض.
ثورة يناير بين الإشادة والهجوم الكاسح والصوت الواحد ينذر بالهيمنة والسيطرة على الإعلام المصري
وكان لافتا أيضا البيان الذي أصدره الجيش عن عملياته العسكرية في شمال ووسط سيناء ضد الإرهابيين، التي أدت إلى مقتل أربعة وأربعين وضابط وستة جنود، وتدمير عشرات السيارات والدراجات البخارية، ومشاركة الطيران في الغارات في شمال سيناء وجنوب البلاد. كما قام جهاز الأمن الوطني في وزارة الداخلية بشن هجمات مفاجئة قتل خلالها خمسة عشر عنصرا من العناصر التكفيرية، بدون أي خسائر، بعد أن نجح في جمع معلومات دقيقة عن تواجدهم ومهاجمتهم. ومن المعلوم أن القوات التي تستخدمها وزارة الداخلية منذ مدة في مهاجمة الارهابيين تم تدريبها على مستوى تدريب قوات الصاعقة في الجيش، وتزويدها بأسلحة متقدمة جدا.
واستمرت الصحف في الاهتمام بحملات جمع المشردين من الشوارع وإزالة التعديات على أملاك الدولة في جميع المحافظات، وفي الخلافات التي بدأت بين ملاك المنازل والسكان بسبب قرار الرئيس طلاءها بدلا من استمرارها على الطوب الأحمر، والخلاف على من سيدفع التكاليف، هل هم الملاك أم المستأجرون. وعضو مكتب سياسي في التجمع يحذر من موجة ثورية جديدة ضد النظام، وشكاوى من امتداد سيطرة شركة إعلام المصريين المملوكة للدولة على وسائل الإعلام وبرامج التلفزيون الحكومي. وتحذير من تحديد الشخصيات المسوح لها بالظهور والممنوعة. واتهام للأزهر بالتعدي على اختصاصات مجلس النواب لإعداده مشروع قانون للأحوال الشخصية، وشيخه ينفي. ومعظم المقالات والتحقيقات اتجهت إلى ذكرى ثورة يناير/كانون الثاني. أما الاهتمام الأكبر فلا يزال لامتحانات منتصف العام. وإلى ما عندنا…
ثورة يناير ما لها وما عليها
ونبدأ بردود الأفعال على ذكرى الثورة وإرسال رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي رسالة تهنئة حارة إلى الرئيس أورد نصها كاملا في «الدستور» محمد إبراهيم: «يسعدني أن أبعث إلى سيادتكم بالأصالة عن نفسي وبالإنابة عن أعضاء هيئة الوزارة بأسمى آيات التهاني وأصدق التمنيات بمناسبة الذكرى الثامنة لثورة 25 يناير/كانون الثاني هذه المناسبة التاريخية المهمة، التي أكدت وعي وإرادة الشعب المصري العظيم في رسم خريطة مستقبل وطنه من أجل أن ينعم أبناؤه بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وإننا إذ ننتهز هذه المناسبة نذكر بكل التقدير جهودكم في تحقيق آمال وطموحات شعب مصر العظيم، داعين المولى عز وجل أن يعيدها على سيادتكم بموفور الصحة ودوام التوفيق وعلى مصرنا الغالية بالخير والأمن والاستقرار والازدهار».
هل هي ثورة أم فوضى؟
واللافت أنه تم تجاهل البرقية من معظم الصحف، والوحيد الذي اهتم بالبرقية كان محمد أمين الذي قال عنها في «المصري اليوم»: «لم تقف البرقية الرسمية عند حدود التهنئة فقط، ولم تقف عند حدود أنها مناسبة تاريخية، ولكنها قالت «إن الثورة أكدت وعي وإرادة الشعب المصري العظيم في رسم خريطة مستقبل وطنه، من أجل أن ينعم أبناؤه بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية»، وكأنها جاءت لتصحح وضعا خطأ، حيث تقول كل الفضائيات إنها مؤامرة ويذكر كتاب السلطة أنها «فوضى»، تخيلوا كيف تحول البعض من الكلام عن الثورة إلى الكلام عن الفوضى، وتخيلوا أن البعض كان يقول «ثورتنا» ثم مرت الأيام فأصبح يتحدث عن كونها مؤامرة إخوانية، وكأن الإخوان هم الذين قاموا بالثورة، ثم يرى هؤلاء أن الثورة هي 30 يونيو/حزيران ولا توجد ثورة غيرها، وأن 25 يناير/كانون الثاني هي25 خساير، وأنها خربت مصر وأعادتنا للوراء أكثر من 100 عام، فماذا يقول هؤلاء عندما تذكر الدولة أنها «ثورة» في الدستور ومناسبة تاريخية في البرقيات؟ وماذا يقول هؤلاء «المتلونون» بينما يذكر رئيس الوزراء أنها أكدت وعي وإرادة الشعب العظيم في رسم خريطة مستقبل وطنه؟ هل يغلقون أفواههم؟ وإذا كانت هذه هي الخطابات الرسمية المتبادلة بين الحكومة والرئيس، فلابد أن يتم علاج «المطبلاتية» في مستشفيات الأمراض العقلية، أو إيداعهم مستشفى العباسية، وللأسف فإن الدولة أكثر انفتاحا من إعلامييها، ومن عجبٍ أن يقول الرئيس شيئا ويقول الإعلاميون شيئا آخر».
الموجة الثالثة
وفي الأهالي تساءل أستاذ الاقتصاد وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع اليساري الدكتور جودة عبد الخالق الذي شارك في الثورة، إن كان يمكن أن يحتفل بذكراها في ميدان التحرير الآن وحذر النظام من إمكانية حدوث موجة ثورية جديدة ومما قاله: «قلت لنفسي: بعد غد الجمعة تحل الذكرى الثامنة لثورتنا الكبرى في 25 يناير/كانون الثاني 2011 فكيف سنحتفل بها؟ أطلت التفكير في هذا السؤال لقد اشتقت إلى ميدان التحرير فهل أتعشم في زيارة الميدان يوم الجمعة، رافعا علما لا شاهرا سلاحا؟ بالقطع لا لأن القانون المسمى «قانون تنظيم حق التظاهر» يحول دون ذلك، إذن هل يمكن لحزبنا أو لأي حزب آخر أن يفعل ذلك؟ بالقطع لا إذن كيف أحتفل بأغلى وأعز أيام حياتي؟ أليس أمامي إلا اجترار الذكريات؟ أين أرفع رايتي وأهتف بأعلى صوتي «يسقط يسقط حكم التجار والاحتكار»؟ وأين شعار «عيش حرية عدالة اجتماعية» الذي رفعناه في ميدان التحرير وميدان الأربعين وميدان القائد إبراهيم وميدان الممر وميدان الشون؟ هل كان الأمر مجرد أضغاث أحلام؟ إن ثورتنا بموجتيها في 25 يناير و30 يونيو/حزيران لم تشب عن الطوق بعد، فهي تعيش الآن ذكراها الثامنة، وهي الآن تستعد لموجتها الثالثة، وأنا من هذا المنبر أبشر بهذه الموجة الثالثة المقبلة لا محالة، التي أراها عند الأفق، فهناك تفاعلات اجتماعية تجري في العمق في ما يشبه حالة الجنين في رحم الأم قبل المخاض العظيم، فقط علينا أن ننتظر ذلك المخاض العظيم، وكما يحدث في كل الثورات عبر التاريخ عاشت ثورتنا مراحل من المد والجزر، وتعرضت للسرقة مرتين خلال السنوات السبع الماضية: السرقة الأولى قام بها الإخوان، والسرقة الثانية قام بها نظام مبارك الذي أسقطنا رأسه فقط، ورغم ذلك هناك إنجازات مهمة لا بد من تثمينها، وتحديات كبيرة تنتظرنا، ولكن تبقى أمامنا تحديات وجودية علينا أن نتعامل معها، هناك الوضع الاقتصادي الهش، والواقع الاجتماعي السائد، وهناك تحقيق الأمن المائي وضمان الأمن الغذائي، ولكن ربما كان أخطر التحديات هو إعادة هندسة النظام السياسي بما يكفل إدماج الشباب وإحياء الأحزاب، تهنئة للشعب المصري في ذكرى ثورته وللشرطة المصرية في عيدها».
«خليهم يتسلوا»
محمود خليل في «الوطن» يقول: «تجيبنا ثورة 25 يناير/كانون الثاني التي نعيش ذكراها الثامنة هذه الأيام عن سؤال: متى يفقد نظام الحكم صلاحيته، ويصبح عرضة لثورة الشعب عليه؟ يحدث ذلك عندما يصاب الأفق السياسي بالانسداد. أواخر عصر مبارك شعر الكثير من المصريين بأنهم يقفون أمام أفق سياسي مسدود، فانتخابات مجلس الشعب (نهايات 2010) أفضت إلى سيطرة كاملة من جانب الحزب الوطني على مقاعده، وعندما عبر البعض عن تبرمه مما يحدث، وجاء ذكرهم في سياق أحد خطابات مبارك الأخيرة قبل الثورة علق على حالهم ضاحكا: «خليهم يتسلوا». الرسالة كانت واضحة للجميع وتقول إن النظام سيفعل ما يريد بدون أن يكترث بأحد. عبارة «خليهم يتسلوا» يكمن في داخلها مؤشر آخر من مؤشرات انتهاء صلاحية النظام وثورة المصريين في يناير، فقد شعر الكثيرون بالإهانة والرئيس يردد على أسماعهم مثل هذه العبارة، لمجرد أنهم عابوا على نظامه احتكار السلطة وغلق المجلس التشريعي في البلاد على حزبه «الوطني» بكل الوسائل المقبولة وغير المقبولة سياسيا. هذه العبارة كانت تؤشر إلى أن النظام فقد حساسيته السياسية، وأصبح يدير قواعد العلاقة بينه وبين الشعب كما يحلو له. والشعوب قد تصبر لبعض الوقت، لكنها لا تصبر طول الوقت. عبارة «خليهم يتسلوا» كانت تلخص النظرة إلى شعب يراه نظام الحكم «منزوع الكرامة»، لذا كان هتاف «كرامة إنسانية» أحد الشعارات الأثيرة لدى أغلب من شاركوا في الثورة. يأسُ الشعب كان مؤشرا آخر على انتهاء صلاحية نظام مبارك. سيطرت على المصريين منذ عام 2005 حالة من اليأس من إمكانية تغيير الأوضاع القائمة عبر طريق السياسة، ففي هذا العام رشح مبارك نفسه للمرة الخامسة، وطيلة السنوات التي أعقبته كانت الأحاديث عن التوريث لا تنتهي. رسالة النظام للشعب كانت تقول «لا سبيل إلى التغيير». لا خلاف على أن قطاعا من المصريين اقتنع بالرسالة، وأخذ يتحدث عن أن «اللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفوش»، وغير ذلك من عبارات كانت تتردد على ألسنة البعض، لكن قطاعا آخر من الناس رفض هذا الطرح، وعلم أن ثمة طريقا واحدا للتغيير – ما دام النظام لا يرضى بسبيل السياسة- هو طريق الثورة. مؤشر رابع يمكن الاستدلال به على انتهاء صلاحية النظام، يتعلق بسيطرة إحساس على الشعب تلخصه عبارة «هناك خطر مقبل». فما كان يتردد من معلومات داخل وسائل الإعلام عن حجم الفساد والثروات المتراكمة لدى بطانة الحكم، أثار ذعر الناس. وتعمّق هذا الإحساس بسبب ما كانوا يسمعونه من أحاديث حول مشروعات ينوي رجال الحرس الجديد في الحكم بقيادة نجل الرئيس تنفيذها، وكانت في أغلبها تحمل خبرا بالمزيد من المعاناة للمواطنين، والمزيد من الثروات للمنتفعين. لم تكن ثورة يناير/كانون الثاني مدبرة، كما يذهب البعض، ولا فورة حماس أو هوجة، كما يهون آخرون من شأنها، بل كانت نتيجة طبيعية لعدد من المقدمات التي أفضت إلى حقيقة رسخت في ذهن أغلب من شارك فيها. حقيقة تقول إن «نظام مبارك فقد صلاحيته.. ولا سبيل لتغييره إلا بالثورة عليه».
تاريخ انهيار القيم والأخلاق!
وفي «الأهرام» قال هاني عسل ساخرا: «قولوا عن يناير ما شئتم وتغزلوا في نبله وسلميته وديمقراطيته كما تريدون، وصفقوا وطبلوا وهللوا لأيامه الجميلة الخالدة، كما لو كانت أيام التشريق ولكن التاريخ لا يكذب والحاضر أيضا، فما أصابنا منها ومنكم ليس بقليل والمواطن البسيط نفسه يشهد بأن معظم أزماتنا الآنية هي من تداعيات ذلك اليوم الذي فاقت نتائجه الكارثية كل تصور، بدليل أننا لم نتعاف منها حتى الآن رغم مرور ثماني سنوات، في حين تعافينا من هزيمة 1967 في ست سنوات فقط، قولوا ثورة «ماشي» ولكن تذكروا أنكم أنفسكم لم تكونوا تعرفون في بدايتها أنها ثورة، وإنما مجرد وقفة ضد الشرطة، قولوا عظيمة ومجيدة «جميل» ولكن كيف تفسرون هذا المجد وأنتم أنفسكم أول من ولول على فشلها أو إفشالها أو اختطافها أو سرقتها؟ قولوا عنها ثورة أشاد بها العالم ولكن يجب أن تعرفوا أن الإعلام الأجنبي الذي احتفى بكم ومنح قادة ثورتكم لقب أيقونات، ما زال حتى يومنا هذا يسمى ما حدث في 25 يناير/كانون الثاني انتفاضة، قولوا عنها ثورة الشباب و«الورد اللي فتح في جناين مصر» ممن كانوا يكنسون الميدان وراءهم، ولكن فسروا لنا لماذا كان 25 يناير هو التاريخ الرسمي لانهيار الأدب والأخلاق والاحترام في مصر وكل ما تبقى من قيم ومثل وذوق».
أسرار الثورة
وفي «الشروق» شن الدكتور أكرم السيسي هجوما عنيفا وساخرا ضد نظام مبارك وكان عنوان مقاله «شاهد ما شافش حاجة» قال: «ما زال يغيب عن ثورة 25 يناير/كانون الثاني كثير من الأسرار والأحداث، لأن معظم أطرافها الأساسيين يُصرون على أن تظل أسرارها طي الكتمان، وهذا له أسبابه ودواعيه، فهل أقطابها لا يريدون البوح بما لديهم لأن ما يعرفونه ــ كما يدعون ــ من الأسرار العليا للدولة، التي يجب عدم التصريح بها؟ أم لأنهم متورطون بما يدينهم ولهذا فهم يخشون العواقب والعقوبات؟ منطقيا التحليل الأخير هو الأصح، لأن الثورة قام بها الشعب الذي رأى النظام المسؤول عنه قد غمره الفساد والاحتيال، والأدهى أنه قام بعمل انقلاب على النظام الجمهوري بمحاولة توريث الحكم، وهذا مخالف للدساتير منذ ثورة يوليو/تموز 52. ستظل ثورة 25 يناير/كانون الاني راسخة فى أذهان الأجيال القادمة، وملهمة للإصلاح في بنية المجتمع المصري، إنها حقا لم تحقق أهدافها بالضربة القاضية ــ كما كان يأمل الجميع ــ ولكن أهدافها تتحقق بالنقاط، أنتجت لنا رئيسا مخلوعا وآخر معزولا وكلاهما صدرت ضده أحكام بالسجن، وأفرزت نظاما جديدا نرى فيه رئيسا يسلم السلطة سلميا إلى رئيس آخر تم انتخابه انتخابا حرا ونزيها، ونقلت مقر رئاسة الجمهورية من منتجع شرم الشيخ إلى مقره الحقيقي فى العاصمة القاهرة، وبدأت تحقق العدالة الاجتماعية في مبادرة الرئيس «حياة كريمة» ومشروع «مئة مليون صحة» لعلاج المواطنين، ومحاولات جادة لإصلاح التعليم. كما أعادت للشرطة المصرية شعارها الحقيقي: «الشرطة في خدمة الشعب»
تعافي الاقتصاد المصري
اهتمت الصحف بالحديث عن بدء الاقتصاد المصري في التعافي وتحقيق نسبة نمو تتجاوز 5٪ وفق شهادات دولية. قالت عنها في «الشروق» صفية منير ورانيا ربيع: «توقع تقرير «آفاق الوضع الاقتصادي العالمي» الصادر عن الأمم المتحدة يوم الثلاثاء الماضي، أن يحافظ الاقتصاد المصري على نمو نسبته 52٪ في ظل تعافي الطلب الداخلي، خاصة الاستهلاك الخاص. وأكدت المديرة الإدارية للبنك الدولي كريستالينا جورجيفا على ثقة البنك في إجراءات الإصلاح الاقتصادي التي تنفذها مصر بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي، وحرص البنك على استمرار تقديم الدعم والمساعدة لمصر لتنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، ومساعدة جهود الحكومة المصرية في جذب الاستثمارات الأجنبية إلى مصر».
أزمة الإعلام والصحافة
لا تزال الشكوى مستمرة من وقت لآخر من مشكلة الإعلام والصحافة، وانصراف الناس عنه بسبب سيطرة الدولة عليه من خلال شركة إعلام المصريين التي كونتها، وآخر محاولاتها السيطرة على برامج وقنوات ماسبيرو، والتحذير من أن يؤدي ذلك إلى فرض شخصيات معينة على البرامج واستبعاد أخرى وهو ما حذر منه في «المصري اليوم» الناقد الفني طارق الشناوي بقوله تحت عنوان «القبضة الواحدة ليست هي الحل»: «امتدت سيطرة شركة إعلام المصريين إلى مبنى «ماسبيرو» بما يشكله في الضمير الجمعي المصري من تاريخ مشرف عبر زمن يقترب من ستة عقود، كان فيها هو العنوان الأثير بل الوحيد، القبضة الواحدة استراتيجيا ضد قوة مصر الناعمة فهي تلغي تماما التنافس، ناهيك من أن إحساس القوة المفرطة لأي منظومة هو بداية النهاية. ظاهريا لن تجد بديلا متاحا أكرر ظاهريا فقط، لأن دائما هناك بدائل ستولد وستزداد قوة مع الزمن، خاصة أنها متحررة من السيطرة الرسمية، منح كل الخيوط لقبضة واحدة سيؤدي لا محالة لرغبة في فرض الذوق الواحد، وأيضا لزيادة قوائم المبعدين، ستكتشف أن الأسباب ليس لها علاقة بتعليمات من جهات سيادية بقدر ما هي تعبير طبيعي عن القوة التي تدفع لاشعوريا من يتمتع بها إلى استعراضها بالسماح لهذا ومنع ذاك. القنوات الخاصة ذهبت تباعا وبرضاها ولم يفرض عليها أحد أن تبيع أسهمها لإعلام المصريين، فليس أمام القائمين عليها حل آخر بعد أن تراكمت الديون وبات السجن هو الكابوس الدائم. ظل «ماسبيرو» بعيدا عن تلك المنظومة بتكوينه الاقتصادي التابع مباشرة للدولة. إعلام المصريين لن يهدر طاقته الاقتصادية في الدخول بعمق لمواجهة مشكلات ماسبيرو المستعصية، التي تفاقمت أكثر منذ ثورة 25 يناير/كانون الثاني فقد المبنى المترامي الطوابق والأطراف تأثيره في الشارع، كما أن غياب منصب وزير الإعلام المدرك لطبيعة المهنة دفع ماسبيرو مجبرا لبحر الظلمات، وعندما فكروا قبل عام في التطوير كانت النتائج هزيلة. يتردد أن الهدف هو فقط إنقاذ القناتين الأولى والثانية والفضائية. أما عشرات القنوات الأخرى فتظل عبئا زائدا لا تدري الدولة كيف تتخلص منه. كانت خطة صفوت الشريف التوسع الأفقي وملء الدنيا قنوات هنا وهناك، متخصصة وغير متخصصة، على أمل السيطرة الفضائية العربية، فأصبحت هي نقطة الضعف الرئيسية في المنظومة برمتها التي تلتهم أي طاقة مادية، فلا مفر سوى أن تتبدد في دفع المرتبات، ولا يستطيع أي مسؤول أن يتحدث عن منح معاش مبكر للعمالة الزائدة التي صارت معرقلة، وإلا ستتم الإطاحة بالمسؤول في لحظات «عض قلبي ولا تعض رغيفي». ماسبيرو عبر التاريخ هو مصنع الموهوبين هذه حقيقة، وأغلب اللامعين في الفضائيات مصريا وعربيا هم أبناؤه، إلا أن القيادات في السنوات الأخيرة تمارس المهنة على طريقة النجار في علاقته مع المسمار، كل من يلمع ويبرز رأسه ينهالون على رأسه بالشاكوش، لا أتصور أن إعلام المصريين سيمنح المبنى شيئا من رحيق الحياة إلا ربما بعض مسلسلات رمضان على طريقة «حسنة قليلة تمنع بلاوي كتيرة» خضوع «ماسبيرو» لسيطرة القبضة الواحدة ليس هو أبدا الحل».
تسطيح العقل
وعن المشكلة نفسها كتبت عنها في «الوفد» الدكتورة عزة هيكل وقالت تحت عنوان «الإعلام يتساقط»: «بعد يونيو/حزيران استبشرنا خيرا بتغيير الخريطة الإعلامية في مصر، وإن كانت مادة الدستور التي تلغي تواجد وزير للإعلام هي السم في العسل، طبّق ما يسمى حرية الإعلام والتعبير، وجاءت مرحلة تحويل جميع القنوات الخاصة إلى شركة إعلامية تشرف عليها أجهزة مختلفة في الدولة، ولكن من وراء ستار، وإن كانت الجماهير جميعها تعلم علم اليقين من يدير تلك الشركة الإعلامية، التي أصبحت مهيمنة على القنوات الخاصة، وها هي في طريقها لإدارة مبنى ماسبيرو أو الإعلام الرسمي الوطني للمصريين جميعا، وهنا تكمن المشكلة الكبرى والخطيرة التي على المهتمين بالإعلام والخبراء والأساتذة والوطنيين الذين يذوبون عشقا في تراب هذا الوطن، أن يطلبوا وقف هذه الهيمنة والسيطرة على الإعلام المصري للأسباب الآتية: إعلام الصوت الواحد ينذر بالعزوف عن متابعة الإعلام المصري، بعد أن يفقد مصداقيته بالمباشرة الشديدة وبالنبرة التعليمية الإرشادية تجاه قبلة سياسية واحدة، ومنع أي أصوات سياسية مختلفة أو غير مؤيدة لقرار أو توجه أو سياسة، ما يدفع المشاهد أو المتلقي لأن يتجه إلى إعلام آخر قد يكون محرضا أو مدمرا للأمن والاستقرار. الإعلام الحالي تحول إلى إعلام تسطيح للعقل المصري، بعد أن سيطرت قوة المال والاستثمار على البرامج التي يتم إنتاجها خصيصا من أجل الربح السريع، بعد أن تمولها أو تشتريها شركات الإعلانات وهو الذي حوّل القنوات الخاصة التابعة للشركة الجديدة للإعلام إلى إعلام فني تافه عن حكايات مطربات وصالونات مطربين وراقصات وشوارع وحواري لصغار الفنانين الذي يقدمون للمجتمع وللمتلقي تفاهة وسخافة وإسفافا غير مقبول، ناهيك عن المسلسلات التي تنتج عن البلطجة أو حروب عصابات مخدرات وآثار وأراضٍ، تعلم الصغار العنف والدم وتميت القلب وتصور مصر كما لو كانت مافيا في حارات نابولي أو شيكاغو».
أزمة ماسبيرو
وحتى حزب التجمع اليساري أحس بالانزعاج فكتبت فريدة النقاش في «الأهالي»: «إن تصفية «ماسبيرو» لن تكون ذا فائدة للقنوات التي ينشئونها، بل أن المتلمظين بمبنى «ماسبيرو» وثروته الهائلة من البشر والبرامج القديمة والأسماء اللامعة، التي طالما استندت القنوات الخاصة إلى بعضها، هؤلاء المتلمظون لا يستهدفون سوى المزيد من النهب لهذه الثروات، وهم الذين يروجون الآن كما روجوا من قبل، أنه لا أمل على الإطلاق في إصلاح ماسبيرو وتطويره وهي الدعاية نفسها المحفوظة ضد القطاع العام الصناعي، الذي جرت تصفية بعض أهم منشآته وبيعها للقطاع الخاص التي قدمتها قوى سياسية ونقابية، ولكن أحدا لم يسمع، إذ أن هذه بعض شروط الصندوق والبنك الدوليين لإقراض مصر وعلى ما يبدو فإن جهاز إعلام الدولة وتصفيته هو شرط من جهة ما».
دموع صاحبة الجلالة
وعن دموع صاحبة الجلالة كتب شريف عابدين في «الأهرام يقول: «كتبنا من قبل عن حالة من الخوف والهلع من المستقبل تنتاب العاملين في المؤسسات الصحافية الحكومية إزاء ما تحمله الأيام المقبلة من تحولات يخشون أن تعصف بوظائفهم ومورد رزقهم، وبدأت ملامح قسوة هذا الواقع منذ أعوام قليلة، مع استفحال حالة التعثر المالي للمؤسسات، سواء بسبب التعثر الإداري أو التقلبات الاقتصادية في البلاد أو التضييق على قدرة هذه المؤسسات على تعويض خسائرها من طباعة الصحف وتراجع التوزيع، عبر التوسع في مدخلات الإعلان والرعاية. البعض يطرح تساؤلا يهدف به استجلاء النهاية الحتمية لتلك المؤسسات، هل مطلوب استمرار تلك المؤسسات التي لطالما حملت طوال عقود طويلة مشاعل التنوير وحظت برعاية الدولة، أم التضحية بها والتخلص من أعبائها؟ لن أدخل في مناقشات متعمقة ربما سبقنا إليها البعض عن تفاصيل الإصلاحات الإدارية التي تحتاجها تلك المؤسسات أو تطوير المحتوى الذي تقدمه الصحافة الورقية كي تنافس الصحافة الإلكترونية، وإعادة جذب من انصرفوا عنها بحكم طغيان أجهزة المحمول الذكية، التي تقدم كل ثانية خبرا جديدا تعجز عن ملاحقته الصحافة الورقية، لكن كوني أحد المنتمين للوسط الصحافي عايشت بين جدرانه طوال 26 عاما تحولات دراماتيكية عاشتها صاحبة الجلالة، بين أيام الفخر والمجد حتى زمن الانكسار والدموع، أرى أن إنقاذ تلك المؤسسات يجب أن لا يخرج عن المسارين التاليين: أولاـ إسقاط كافة ديون المؤسسات الصحافية لأنه لا طاقة لها بدفعها ولا حتى جدولتها، لأن في الأمر ظلما كبيرا مرجعه قيادات سابقة تسببت في تراكم تلك الديون، والإصرار على غير ذلك يعنى إغلاق تلك المؤسسات. ثانيا ـ أن تحظى القيادات الصحافية بدعم حكومي واسع يطلق قبضتها مع مجالس الإدارات والجمعيات العمومية في إرساء قواعد العدل بين العاملين، والضرب بيد من حديد على المتقاعسين أيا من كانوا، من يكتفون بتسجيل الحضور ثم الانصراف للنضال على مواقع التواصل، لابتزاز المسؤولين ثم المزاحمة في طوابير الحوافز، بلا أي وازع من ضمير وهم يتساوون مع من يفنون عمرهم في العمل لإنقاذ مؤسساتهم، لا توقفهم متأخرات حقوق من شهور طويلة حرمهم منها من يمتصون أخر دماء متبقية بكل تبجح».
«حياة كريمة»
«سؤال بسيط لا يجد عماد الدين حسين له إجابة مقنعة، وهو أين كان المحافظون والوزراء وكل المسؤولين قبل أن يطلق رئيس الجمهورية مبادرة «حياة كريمة»، خصوصا في شقها المتعلق بالمشردين في الشوارع والميادين، الذين لا يملكون مأوى؟ لا أتحدث عن كل الفئات الأكثر احتياجا، في المطلق، لأن عددهم كبير جدا، ويحتاجون ميزانيات غير متوافرة في الوقت الحالي، لكن أتحدث فقط عن المشردين. استجابة رئيس الجمهورية لبعض المناشدات الخاصة بحالات محددة، تم نشرها في وسائل الإعلام، أمر محمود ومقدر، لكن نحن نتحدث عن الموضوع من زاوية أكثر اتساعا وشمولا، لنعالج المرض، وليس فقط العرض. السؤال بصيغة أخرى: أليس هؤلاء المشردون موجودين منذ فترة طويلة في الشوارع والميادين، وكل المسؤولين يمرون عليهم، ويرونهم ذهابا وإيابا، فلماذا لم يرق قلبهم ويبادروا من تلقاء أنفسهم إلى إنقاذهم من هذا المصير اللإنساني؟ للأسف الشديد غالبية المسؤولين، لا يتحركون إلا بأوامر فوقية، يندر أن يبادر أحدهم إلى معالجة المشكلات، التي لا تحتاج إلى أوامر وتعليمات وتوجيهات. مثلا ما الذي يمنع محافظا أو وزيرا أو أي مسؤول من حل مشكلة العديد من المشردين الذين يفترشون العديد من الشوارع والميادين، في مختلف أنحاء الجمهورية، خصوصا القاهرة الكبرى؟ هل كان يحتاج الأمر تحركا أو مبادرة من الرئيس، حتى يتحركون؟ وهل بمثل هذا النوع من التفكير وهذا النوع من المسؤولين، يمكننا أن نحرز أي تقدم في أي ملف؟ النقطة الثانية، لماذا لا تبادر الجهات المختصة، بحصر جميع المشردين أو من هم بلا مأوى أو المفقودين، حتى نعرف عددهم وأماكن وجودهم، وميزانية استيعابهم في دور الرعاية الاجتماعية أو علاجهم أو تسكينهم في شقق الإسكان الاجتماعي، وإذا كان هذه الحصر قد تم، فلماذا لم يتحرك أحد في الماضي؟ أليس أفضل وأجدى وأكرم، أن يكون الحل والعلاج شاملا، بدلا فقط من علاج بضع حالات يطنطن بها الإعلام، ثم نكتشف أن جوهر المشكلة لم يتم حله؟ قبل أيام قليلة كنت عائدا مشيا من الدقي إلى شارع قصر العيني، وكان ذلك في التاسعة ليلا، وفوجئت أن شخصين افترشا رصيف كوبري الجلاء في الدقي، وكورنيش العجوزة الذي يمتلئ بالعديد من المحال المماثلة يمينا ويسارا، والأمر يتكرر في مخارج غالبية محطات المترو في القاهرة. هل كل هؤلاء مشردون، أم متسولون محترفون؟ وسوف نفترض أنهم فعلا بلا مأوى ولا حول لهم ولا قوة، فهل الحل أن نتركهم بهذه الطريقة وسط الشوارع والميادين؟ أم أن نبحث لهم عن حل كريم يحفظ إنسانيتهم أولا، ويحافظ على سمعة البلد؟ خصوصا أن قطاعا كبيرا من المتسولين يستهدفون العرب والأجانب، قرب الفنادق والمناطق السياحية. سمعت وأتمنى أن يكون هذا الأمر خاطئا تماما، أن هؤلاء المتسولين يحتمون ببعض المسؤولين في المحليات وجهات أخرى، وأنهم يستأجرون الشوارع والميادين والإشارات المرورية المتميزة بآلاف الجنيهات، مثلما تفعل عناصر إمبراطورية «السياس» التي استفحلت وصارت مثل إمبراطورية التوك توك. أتمنى أن يُلزم الرئيس عبدالفتاح السيسي المحافظين والوزارات المختصة بسرعة إنهاء أزمة المشردين والمتسولين في مدى زمني محدد، مثلما يفعل مع المسؤولين عن المشروعات الكبرى. معالجة مشكلة المشردين، قد تفتح الباب لمعالجة إمبراطوريات أخرى خصوصا التكاتك والتسول والسياس، وهي إمبراطوريات ما كان يمكن أن تنشأ وتستمر وتترسخ، لولا الزواج الحرام مع قلة من معدومي الضمير في هيئات ومؤسسات نظامية، كان يفترض أن تحاربها لا أن تشاركها وتنصص معها».
الشريعة الإسلامية
وإلى الأزمة التي أثارها بعض أعضاء مجلس النواب بسبب إعداد الأزهر مشروع قانون للأحوال الشخصية لتقديمه إلى مجلس النواب، وهو يناقش هذه القضية، واتهام الأزهر بانه يتجاوز صلاحياته، لأن مهمته ليست التشريع وإعداد القوانين وإنما هي مسؤولية مجلس النواب، ومن الذين شاركوا في الهجوم كان الكاتب خالد منتصر بقوله في «الوطن»: «ما زلنا نؤكد كل يوم أننا لا بد أن نحسم الإجابة عن سؤال مهم وهو: «هل نحن دولة مدنية أم دينية؟» لأننا من خلال بعض الممارسات على الأرض نلاحظ أننا قد صرنا دولة مدنية بالاسم ودينية بالممارسة آخر تلك الممارسات ما حدث من الأزهر وهيئة كبار العلماء في قانون الأحوال الشخصية وصياغتهم لمواده بعيدا عن البرلمان، أو سبقا وتجاوزا لمهامه، وقد أكد شيخ الأزهر في حواره الأسبوعى للفضائية المصرية، الفلسفة التي تقف خلف هذا التصرف عندما قال: «الأزهر يؤدي واجبه حين يتصدى لإعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية ولن يفرط في رسالته قيد أنملة في ما يتعلق بالشريعة الإسلامية والقرآن الكريم وسُنة النبي».