الخرطوم ـ «القدس العربي»: تكشفت، أمس الأحد، حصيلة اشتباكات قبلية وقعت السبت في الجنينة في ولاية غرب دارفور السودانية، إذ أعلن عن مقتل 83 شخصاً، ما استدعى إعلان حظر للتجوال في المدينة، وفيما أرسل مجلس الوزراء، وفداً، برئاسة النائب العام للوقوف على القضية على الأرض، ناشد رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، أبناء المنطقة لـ«تحكيم صوت العقل».
وأعلنت لجنة أطباء السودان، أن حصيلة ضحايا أحداث مدينة الجنينة في ولاية غرب دارفور وصلت إلى 83 قتيلا و160 جريحا، بمن ذلك جرحى الجيش.
جاء ذلك في بيان نشرته اللجنة (غير حكومية) أحد أبرز مكونات «تجمع المهنيين» على صفحتها عبر «فيسبوك».
وأضافت اللجنة: «ارتفعت حصيلة ضحايا الأحداث الدموية في الجنينة، حيث أحصت اللجنة 83 قتيلا و160 جريحا بما في ذلك جرحى القوات المسلحة».
وأردفت: «تقوم الأطقم الطبية بمجهودات متواصلة لتقديم الرعاية الطبية للجرحى والمصابين، حيث تجري العمليات الجراحية لمن يحتاجون لإجرائها بشكل عاجل».
وناشدت حكومة الولاية لـ«تعزيز تأمين المرافق الصحية، والتنسيق مع السلطات الاتحادية لإرسال طائرة بصورة عاجلة لإجلاء الجرحى المحتاجين لإجراء عمليات دقيقة» في حين شددت لجنة أطباء ولاية غرب دارفور، على أن «الكوادر الطبية تبذل جهود كبيرة من أجل تقديم الرعاية الطبية في ظل ظروف بالغة التعقيد ونقص في كوادر التخدير والتحضير والتمريض».
وأجمعت كل الروايات في الجنينة على أن العنف تجدد في المدينة إثر شجار اندلع بين فردين من قبيلتي المساليت والعرب، طعن على إثرها القتيل المنتمي إلى العرب وجرى القبض على الجاني، لكن ميليشيات مسلحة تنتمي للقبائل العربية تداعت من مختلف أنحاء الولاية، وما جاورها من مناطق وعمدوا إلى مهاجمة الجنينة من كافة الاتجاهات، الأمر الذي أدى الى تعقيدات أمنية بالغة مع سقوط جرحى وقتلى وحرق أجزاء واسعة من معسكر كرندينق للنازحين الذي تسكن غالبه قبيلة المساليت، بعد هجوم عنيف استخدمت فيه أسلحة متطورة للغاية
شاهد عيان قال لـ«القدس العربي»: «سمعنا أصوات أسلحة ثقيلة للغاية مثل الهاون والأر بي جي من قبل الجماعات المهاجمة على المعسكر الذي شهد سقوط عدد كبير جدا من الجرحى والقتلى، أكبر بكثير من رقم لجنة الأطباء حيث تخفي الجهتان المتقاتلتان أرقام الضحايا والجرحى، وما زال الوضع ينذر بالخطر».
لجنة حكومية
وقرر مجلس الوزراء إرسال لجنة برئاسة النائب العام تاج السر الحبر إلى الجنينة للوقوف على الأحداث على الأرض.
وحسب بيان صدو عن المجلس فقد «عقد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك اجتماعاً عاجلاً لمناقشة تطورات الأحداث المؤسفة في مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور، كما تلقى الاجتماع تنويراً من الوالي محمد عبد الله الدومة عن جهود سلطات الولاية لمواجهة الأحداث وتأمين المواطنين».
وتابع البيان أن الاجتماع «اتخذ عدداً من القرارات لدعم جهود الولاية لتحقيق الأمن والاستقرار وفرض سيادة حُكم القانون».
وتقرر في هذا الإطار «إرسال وفد عال وبشكل عاجل لمدينة الجنينة برئاسة النائب العام الأستاذ تاج السر الحبر يضم ممثلين لكافة الأجهزة الأمنية والعسكرية والعدلية إلى مدينة الجنينة لمتابعة الأوضاع واتخاذ القرارات اللازمة لمعالجة الوضع واستعادة الهدوء والاستقرار في الولاية».
«عدم استفحال العنف»
وقالت مصادر مطلعة في القصر الرئاسي لـ«القدس العربي» إنه «منذ ليل السبت تابع رئيس مجلس السيادة والقائد العام، تطورات الأحداث في مدينة الجنينة لحظة بلحظة ومعالجة الجهاز التنفيذي لها وعقد اجتماعا مهما في قصر الضيافة شارك فيه أعضاء المكون العسكري في مجلس السيادة وقادة كبار في الجيش السوداني والأمن، وجرت مناقشة الوضع في الجنينة والتدابير المتخذة لعدم استفحال العنف».
تجمع المهنيين يعتبر الأحداث مؤشرا لفشل سلام جوبا… واتهامات للدولة بالتراخي
وكان البرهان أعرب عن أسفه الشديد لأحداث الجنينة، مناشداً المواطنين «للاحتكام إلى صوت العقل ونبذ العنف» مبيناً أن «الشعب السوداني ظل يعاني من حمل السلاح خارج المؤسسات النظامية، مما ساهم في ظهور القتل العشوائي والاحتراب والصراعات القبلية».
وقال «بعد إنجاز ثورة ديسمبر المجيدة وتحقيق مطلوبات السلام يجب علينا الالتفات لبناء السودان والتأسيس لوطن معافى وسليم للأجيال المقبلة» موضحاً أن «الجيش وفي إطار عمليات إعادة التنظيم سيعمل على حماية الحدود، وأن هنالك اتجاها لنقل المعسكرات والوجود المسلح إلى خارج المدن».
«بسط هيبة الدولة»
وكان والي غرب دارفور عبد الله الدومة أعلن السبت حظراً شاملاً للتجوال في الجنينة، كما «فوض القوات النظامية باستعمال القوة في مواجهة متفلتين أشاعوا حالة من الذعر في المدينة بعد شنهم هجمات مسلحة وحصارهم العاصمة».
وحسب وكالة الأنباء السودانية الرسمية «الوالي شكل غرفة طوارئ واستدعى قادة الأجهزة الأمنية لاجتماع عاجل، وفوضهم باستخدام القوة لفرض الأمن، لكن قائد الفرقة 15 مشاة لم يحضر الاجتماع ولم يصدر تعليمات لقواته بالتدخل».
وأكد الدومة أن القرار بتفويض القوات يأتي «لمحاربة كافة أشكال الظواهر السالبة لفرض الأمن والاستقرار وبسط هيبة الدولة وعودة الطمأنينة للمدينة وأن الأجهزة ستباشر مهامها القانونية والقبض على الجناة والمجرمين وتقديمهم للعدالة».
نشر الزعر
في الأثناء، قالت هيئة محامي دارفور، وهي جهة مستقلة في بيان رسمي «نتيجة لجريمة جنائية عادية ارتكبت، حيث قام أحد الأفراد من منسوبي قبيلة المساليت بطعن أحد الأفراد من منسوبي العرب في موضوع لا يتعدى شخصيهما وقد تم القبض على الجاني، استغلت الميليشيات المسلحة المتربصة الحادث وهاجمت مدينة الجنينة من جميع الاتجاهات مسنودة بمجموعات أتت من مناطق متفرقة من الولاية مثل منطقة سرف عمرة ومن ولاية وسط دارفور المجاورة وحدود دولة تشاد المتاخمة».
وتابع البيان: «حيث قامت الميليشيات المسلحة بنشر الذعر في المدينة وما حولها وحاصرت معسكر ومنطقة كرنديق وما حولها، كما مارست كافة أنواع وأصناف انتهاكات حقوق الإنسان، ولا تزال تمارس أعمال النهب والسلب وتحاصر المعسكر».
واتهمت الهيئة الحكومة المركزية في الخرطوم بـ«التراخي عن وضع خطة استراتيجية لنزع السلاح من كافة المليشيات المسلحة».
وطالبت بـ«إخضاع قائد المنطقة العسكرية للتحقيق بسبب غيابه عن مباشرة مهامه ومخالفته لتوجيهات الوالي في وقت انتظمت كافة القوات النظامية بما فيها الدعم السريع في فرض الأمن والسيطرة على الأوضاع».
وأوضحت «المؤسف حقا أنه لم يستجب قائد المنطقة العسكرية لتوجيهات والي الولاية، وكان لغيابه الأثر السالب في تمدد رقعة الانفلات مما اضطر الوالي لإعلان حظر التجول الشامل».
وأضافت «الهجوم على مدينة الجنينة من كل الجهات ومباشرة كل القوات النظامية الموجودة لمسؤولياتها بما فيها قوات الدعم السريع تحت توجيهات وأمرة الوالي رئيس لجنة الأمن في الولاية، وتخلف قائد المنطقة العسكرية عن الحضور، يرتب ضرورة التحقيق في الأسباب، ومساءلة قائد المنطقة العسكرية بواسطة رؤسائه وفقا لقانون القوات المسلحة».
«قصور» اتفاق جوبا
كذلك، اعتبر تجمع المهنيين السودانيين، في بيان أن «هذه الجرائم تمثل دليلا واضحا على قصور اتفاق جوبا تماماً عن تحقيق سلام عادل ومستدام، وابتعاده عن مخاطبة جذور الأزمة في دارفور وقضايا المتأثرين بويلات الحرب وانتشار السلاح».
وثمن «الإجراءات المؤقتة بإعلان حظر التجول للسيطرة على الأوضاع في المدينة».
ودعا لـ«دعم القطاع الصحي والمستشفيات بالكادر والأدوات والأدوية وتوفير المواد التموينية وغيرها من الاحتياجات الأساسية للمواطنين المتأثرين بالهجوم الغادر».
وقال: «يجب أن لا يمر هذا الهجوم الغادر البشع دون تقديم المجرمين المشاركين فيه للمحاسبة والمحاكمات العاجلة، كما يجب اتخاذ إجراءات جذرية تمنع من تكرار هذه الجرائم وتحفظ أمن المواطنين، وذلك بنشر قوات الشرطة وإنفاذها للقانون، والعمل على نزع السلاح من كل القبائل وتفكيك وتصفية كل الميليشيات بقوة القانون، ومن ثم ابتدار مؤتمرات الصلح الأهلي بين مكونات المنطقة».
«أيادي النظام البائد»
إلى ذلك، طالبت حركة «تحرير السودان» بقيادة مني مناوي بـ «الإسراع في تشكيل الحكومة وتكوين القوات المناط بها حفظ الأمن».
وقالت في بيان ممهور باسم الناطق الرسمي الصادق إسماعيل «في ظل تردي الأوضاع الأمنية تدعو الحركة أطراف السلام إلى الإسراع في تشكيل الحكومة والبدء في تكوين القوات المشتركة المنوط بها حفظ الأمن في ولايات دارفور المختلفة، كذلك تناشد الحركة جميع المكونات الاجتماعية في الولاية نبذ العنف والاقتتال والاحتكام إلى القانون». وتابعت «علماً بأن ولاية غرب دارفور من أكثر ولايات السودان التي تميزت بالتعايش السلمي بين جميع مكوناتها الثقافية، وهذه الظواهر السلبية تعتبر من مخلفات النظام البائد الذي ما زالت لديه أياد خفية تعبث بإرادة بعض مكونات الولاية، فيجب على الجميع تفويت الفرصة على المتربصين بمستقبل السودان».
وفي 31 كانون الأول/ ديسمبر الأول أنهت البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لحفظ السلام في دارفور(يوناميد) رسميا مهتمها التي بدأتها في 2007. وهي تخطط لسحب ثمانية آلاف فرد من عسكريين ومدنيين خلال ستة أشهر، على أن تتولى حكومة السودان مسؤولية حماية المدنيين خلال الستة أشهر.
ونظم سكان المخيمات الذين هجرهم النزاع من قراهم تظاهرات، مطالبين ببقاء قوات (يوناميد).ويشهد إقليم دارفور تجددا للمواجهات القبلية التي أوقعت 15 قتيلا وعشرات الجرحى في أواخر كانون الأول/ديسمبر، أي قبل أيام قليلة من انتهاء مهمة بعثة السلام المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي التي استمرت 13 عاما.
ومنذ عام 2003 أسفرت الحرب في دارفور بين القوات الموالية للحكومة وأقليات متمردة عن مقتل حوالى 300 ألف شخص وتشريد أكثر من 2.5 مليون، حسب الأمم المتحدة.
لكن حركة «تحرير السودان» جناح عبد الواحد نور، أكبر الحركات المتمردة في الإقليم لم تدخل مع الحكومة الانتقالية في مفاوضات سلام
وفي تشرين الأول/أكتوبر وقّعت الحكومة الانتقالية التي تولّت السلطة بعد إطاحة الرئيس المستبد عمر البشير في نيسان/أبريل على وقع احتجاجات شعبية استمرت أشهرا، اتفاق سلام مع عدد من الفصائل المتمردة لا سيما في دارفور. ويندلع القتال من وقت لآخر نتيجة للتنافس على الأرض وموارد المياه.