قتلُ الكِتاب صبراً!

تُصاغُ قياساً على رؤية الناقد مقالاتٌ كثيرة، تتخذُ أحياناً أشكالَ قراءات مستفيضة بين الدراسة والتأويل، وتتناول إصداراتٍ جديدة في أحوال الأدب والثقافة المنوعة. وهو أمرٌ جدُّ جيّد، تنويراً ونشراً للثقافة العامة والآراء الجديدة لمجتمعٍ قارئ، قائمٍ بمشروع الفعل والتفاعل بين المنظومات الثقافية، أفراداً وجماعات، والقارئ النّهِم إلى الاطلاع والنّهل من معين تلك الإصدارات.
لكنّ الأمر نسبيّ دائماً، ذلك أنّ بعض تلك المقالات يستغرق بين ثلاثة وحتى أربعة آلاف كلمة، خاصة الرقمية منها، نقداً لكتابٍ جديد، وهذا يعني بحسبة بسيطة، أنّ تلك المقالة قد استحوذت على 8 إلى 10 صفحات، أي أنها في الواقع دراسة شاملة أو بحث مُوسّع، يُقدّمُ نصّاً فيه من الدرس والتأويل، مدحاً أو ذمَاً، بما يُشبِعُ رغبة القارئ من جهة، ويغنيه عن شراء الكتاب المنقود والزُّهد في اقتنائه من جهة ثانية، وهو ما يضرُّ بالكاتب، إذ يُكسِدُ حتماً من انتشار الكتاب وفعاليّة بيعه على رفوف المكتبات والمعارض ورقيّاً، أو على منصات الشاشات الرقمية المختصة ببيعه إلكترونياً، فضلاً عن ذلك، فإنّ القراءة المستفيضة لأيّ كتاب فور صدوره، قد لا تكون متناسبةً ومضمونه، فقد يتأوّلُ الناقد أفكار هذا الكتاب وفقَ رؤيته الخاصة حيناً، أو يتقصّدُ التركيز في فكرةٍ محدّدة، يراها موضوعية، تهمّهُ هو – لا غيره – مهملاً أفكاراً غيرها ذات أهمية وفاعلية حيناً آخر، وقد يرى أحياناً أن يعرض للكتاب بطريقة انتقائية مبالَغٍ فيها، لأجْل خدمةِ فكرةٍ أيديولوجية يعتنقها بعيداً عن الغوص في ممكناته الحقيقية وأهدافه الواقعية، التي يريدها له كاتبه، وهذا كله يؤثّر في القارئ، على غير ما يراه ويفسره هذا الأخير في ما لو اقتنى الكتاب أو قرأه بنفسه.

لا يُعدّ إطلاق القلم النقدي في كتابٍ ما توسيعاً واستفاضة فور إصداره، ما ينفع كاتِبَهُ بالضرورة، بل هو كمن يقتلُ الكتاب صبراً!

لا يعني ذلك أنّ بعض المقالات الموسّعة ليست وافية وفي محلها النقدي الصحيح، لكنها بالتأكيد لا تخفّفُ في أيّ حال من الأحوال مشكلة كساد الكتاب، وعدم الإقبال على ابتياعه. بهذا المعنى لا يُعدّ إطلاق القلم النقدي في كتابٍ ما توسيعاً واستفاضة فور إصداره، ما ينفع كاتِبَهُ بالضرورة، بل هو كمن يقتلُ الكتاب صبراً! في حين أنه يُمكن الاستعاضة عن ذلك بالقراءة المقتضبة، التي تأتي على هيئة إضاءة وافية وكافية على الكتاب الجديد، وتقدم العناوين الرئيسية والفرعية التي تتصدر صفحاته، كمصدر جديد للموضوعات التي تعني القارئ، أو الباحث فيها وعنها. الإضاءة قراءةٌ بالطبع، ومقالةٌ مكثفة، ولكنها لا تتعمق أفقياً ولا عمودياً ولا يسرةً ولا يمنةً، حتى أقصى تفاصيل أفكار الكِتاب والكاتب، كحالِ المقالات الموسّعة، بل تتركُ الباب واسعاً لرغبة القارئ الرائع وشوقه الكبير إلى الكتاب يطلبه ويبتاعه أينما يجده. من هنا فإن العبد لله، كاتب هذه السطور، يحرص دوماً على ترك مهلة زمنية لعامٍ كامل على الأقل، بين تاريخ إصدار الكتاب والكتابة عنه والغوص في إشكالياته، إفساحاً في المجال للانتشار المعنوي والمادي الذي هو حقّ الكاتب، دون أن يعني ذلك الابتعاد عن مواكبة الإصدارات الحديثة على وقتها، بالاضاءة عليها واستعراضها أمام القراء، بما لا يُفسدُ عناصر جِدّتها ودهشتها وجماليتها الفنية.

كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية