بعد أكثر من عامين على انطلاق أولى شرارات ‘الربيع العربي’ ما تزال رياح هذا الربيع متحركة حاملة معها المزيد من المفاجآت والمتغيرات، وقدرا مهما من الفوضى أيضا، جاعلة مصير المنطقة على كف عفريت لا ندري على أي بر سيرسو، فبعدما أزهر الربيع ‘إخوانا’ في كل أقطاره، ها هوينقلب عليهم مرة أخرى، حيث أصبح إخوة الأمس في ميادين ثورة 25 يناير المصرية أعداء ألداء، وصارت الثورة تأكل أبناءها. فنتيجة سلسلة من الأخطاء القاتلة لحزب ‘الإخوان المسلمين’ الحاكم في مصر التي دفعت شريحة عريضة من الشعب للتمرد ضده في الساحات والميادين، تدخل الجيش ليعجل برحيل ‘الإخوان’ عن السلطة مبكرا بعد طول انتظار دام أكثر من 85 سنة، الأمر الذي سيكون له تداعيات إستراتيجية عميقة على طول خارطة دول ‘الربيع العربي’، وستفرض منطقا سياسيا آخر على صناع القرار الدولي، خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها تجاه قضايا حادة بالمنطقة تستدعي انقلابا جذريا في المواقف والتصورات والخيارات، بالشكل الذي سيسهم في إعادة النظر بمجموع المرتكزات والتحالفات المستعملة لرسم معالم الخريطة السياسية في الشرق الأوسط وكافة دول ‘الربيع العربي’ . لا شك أن قيام الجيش المصري بدعم من فئات عريضة من الشعب بعزل أول رئيس منتخب بعد الثورة التي أطاحت بالرئيس المخلوع حسني مبارك، يعد انقلابا ناعما على السلطة التي أتت بها صناديق الاقتراع، بمعزل عن قناعاتنا ومواقفنا الشخصية مع أوضد هذا الفريق أوذاك، ومما لا شك فيه أيضا أن هذا الانقلاب الناعم قد ساهم في تجنيب مصر الدخول في مرحة خطيرة من الإرباك السياسي والعنف بالبلاد، حيث كان الخطاب الطائفي وحالة الفرز والانقسام السياسي قد وصل إلى مستويات جد مخيفة وبالشكل الذي لا يمكن معه لأي مؤسسة عسكرية وطنية أن تبقى متفرجة على الأوضاع، بدعوى احترام المشروعية وعدم التدخل في الحياة السياسية، إلا أنه وعلى الرغم من كل ذلك فإن مصر باتت مهددة بشكل قوي بشبح حرب أهلية، يمكن أن تكون كارثية على جميع المصريين بكل اتجاهاتهم السياســـية وميولاتهم الفكرية وانتماءاتهم الطائفية، فعلى الرغم من كل الكلام الذي يؤكد أن السيناريو الجزائري غير وارد في الحالة المصــرية على أسـاس أن الجيــش المصري متماسك وقوي ومسنود من قبل فئة كبيرة من الشعب، إلا أن يوميات الشارع المصري بعد عزل مرسي، الحافلة بحالات الصدام العنيف بين مؤيدي هذا الأخير ومعارضيه، والخطاب التحريضي الصادم لقيادات ‘حزب الإخوان المسلمين’، والهجمات المتكررة على مواقـــع وثكنات الجيش والشرطة، خاصة في سيناء وقتل واختطاف الجنود واستعمال السلاح، إضافة إلى بروز ‘أنصار الشريعة’ التي اعتبرت ما جرى في مصر إعلانا للحرب على معتقداتها وتأكيدها على نيتها حمل السلاح، إضافة إلى أحداث الحرس الجمهوري الذي أودى بحياة أكثر من 50 شخصا وغير ذلك كثير، لا يمكن قراءته إلا في إطار إرهاصات واضحة لحرب أهلية شبيهة لما وقع في الجزائر سنة 1991 إبان إلغاء الانتخابات البلدية والتشريعية، التي كانت قد فازت بها ‘الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية’، الأمر الذي يستدعي معه من القيادة الجديدة في مصر العمل وبصورة استعجالية على أربع نقاط أساسية: ـ إطلاق عملية مصالحة حقيقية وصادقة من دون إقصاء أو تضييق على أي من مكونات الشعب المصري. ـ الإعلان عن برنامج واضح ومحدد لانتقال السلطة وفق الآليات الديمقراطية. ـ اتخاذ قرارات ومواقف ذات نفس ثوري، سواء تجاه الجماهير الشعبية التي تعاني من حدة المشاكل الاقتصادية والمعاشية اليومية، أو في ما يتعلق بالقضايا المصيرية والوطنية للأمة المصرية، التي من شأنها أن تؤسس لحاضنة شعبية واسعة وتسهم في تحقيق الأمن والاستقرار الداخلي . ـ العمل على إيقاف الخطاب التحريضي من قبل كل الأطراف، خصوصا على المستوى الإعلامي والتأسيس لخطاب وطني جامع ومتسامح. بطبيعة الحال فإن ما وقع في مصر من عزل للرئيس محمد مرسي، وما يعنيه ذلك من توجيه ضربة قاصمة للمشروع ‘الإخواني’ في معقله، لا بد أن تكون له تداعيات مهمة على مجموع التجارب ذات المرجعية الإخوانية، خاصة في كل من تركيا وتونس وليبيا وقطاع غزة، حيث اتسم المشهد السياسي في هذه الدول بما يلي: ـ استمرار الحراك الشعبي التركي المناهض لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، رغم القمع والتضييق الممارس على الاحتجاجات بساحة ‘تقسيم’. ـ تأسيس حركة ‘تمرد التونسية’ التي تسعى لإسقاط المجلس التأسيسي وتصحيح مسار الثورة التونسية. ـ ظهور دعوات إلى التمرد في ليبيا وتأسيس حركتي ‘الرفض’ و’تمرد ليبيا الجديدة لإسقاط الأحزاب’. في نفس السياق فإن سقوط الإخوان في مصر لا بد أن ينعكس سلبا على حركة ‘حماس’ بقطاع غزة، التي استمرت في مسلسل أخطائها الإستراتيجية والتي كان آخرها إعلانها العلني بالانتماء إلى تنظيم الإخوان المسلمين، والشعور بحالة من الاستقواء بهذا التنظيم العالمي، على حساب كل الدعم المادي والمعنوي الذي حظيت به من جهات أخرى على مدار تاريخها المناضل، والواقع كان عليها باعتبارها حركة مقاومة أن تبتعد بنفسها، في الحدود الدنيا، عن الصراعات والتجاذبات التي تعرفها المنطقة وأن لا تفرط بأي من شركائها وداعميها الأساسيين. فغياب ‘الإخوان المسلمين’ من على سدة حكم مصر سيصيب حماس بحالة من العزلة، وسيطلق لا محالة نقاشا نقديا محتدما تجاه كافة مواقف واتجاهات وخيارات سياسة حماس، بالخصوص خلال فترة ‘الربيع العربي’، نفس هذا النقاش من المفروض أن يفرض نفسه على ساحة ‘الإخوان المسلمين’ الذي سيلامس أسباب ونتائج هذا الفشل الذي مني به حكمهم، خاصة أن فترة الانتظار كانت طويلة ومكلفة جدا، إلا أن موسم القطاف كان قصيرا ومخيبا، على الرغم من أن حركة’ الإخوان المسلمين’ في مصر حاولت على المستوى التنظيري التأصيل في مراجعاتها لما سمته ‘الدولة المدنية بمرجعية دينية’ شأنها شأن إخوان تونس الذين بذلوا مجهودا في تأصيل مفاهيم الديمقراطية والعلمانية في أدبياتهم، إلا أن المستوى التطبيقي لكل هذه الأفكار مني بفشل ذريع، حيث كانت النتيجة لا دولة مدنية ولا حتى دينية. هناك من التيارات الإسلامية من سيتخذ من عزل مرسي، وما جرى سابقا في الجزائر من إلغاء الانتخابات التي فازت بها ‘جبهة الإنقاذ الجزائرية’ ذريعة للتدليل على عدم جدوى الانخراط في العملية الديمقــــراطية، على اعتبار أن هناك مؤامرة لا تريد للإسلاميين الوصول إلى السلطة، ولو حملتهم صــــناديق الاقتراع إليها، هذه القناعة ستترسخ أيضا لدى الأجيال القادمة من الإسلاميين، وستكون معها أي دعوة للعنـــف المسلح (الجهاد) لتطهير المعارضين (الكفار) من أجل السيطرة على الحكم وتطبيق الشريعة، جد جذابة ومسنودة إلى وقائع فعلية وليست افتراضية. من زاوية أخرى فإن سقوط الإخوان في مصر وبهذا الشكل الدراماتيكي السريع، سيفرض على العديد من صانعي القرار الدولي، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها إعادة النظر في كثير من المواقف والاستراتيجيات التي كانت ترتكز على الأحزاب ذات التوجهات ‘الإخوانية’، التي تم إعدادها لتولي الحكم بعد سقوط الأنظمة في دول ‘الربيع العربي’ وخلق نوع من التماهي بينها وبين النموذج التركي، لضمان المصالح الغربية في هذه الدول وحماية أمن ‘إسرائيل’ أولا وأخيرا، مما سيكون له انعكاساته على تطور الأحداث في سورية، خاصة مع ما أبداه الجيش السوري النظامي من قوة وصمود، والواقع أن إرهاصات إدراك الغرب لعدم جدوى الاتكال على ‘الإخوان’ لتحقيق هذه الغاية بدت واضحة قبيل عزل مرسي، رغم كل التنازلات والاستعداد الذي أبداه ‘الإخوان المسلمون’ لتنفيذ الأوامر الأمريكية، وقد ظهرت هذه الإرهاصات في شكل تغييرات ذات دلالات إستراتيجية، لعل أبرزها كان تولي الشيخ تميم للحكم عوضا عن والده الشيخ حمد في قطر، مما يعد مؤشرا على تغيير جذري ومتدرج للدور القطري اتجاه أحداث وقضايا المنطقة، وهذا ما بدا جليا من خلال التهنئة والإشادة القطرية بدور القوات المسلحة المصرية. خلاصة القول بأن واقع تجربة حكم ‘الإخوان المسلمين’ في مصر وعلى الرغم من مدتها القصيرة جدا، أبانت مدى هشاشة البنية الفكرية لهذا التنظيم الواسع، التي عجزت عن تقديم تصور ومشروع مجتمعي للحكم في كل مستوياته التفصيلية، والتعويض عن ذلك بشعارات فضفاضة لا تغني ولا تسمن من جوع، اللهم الا دغدغة مشاعر وأحاسيس المسلمين البسطاء، وعدم تمكنها من فرز قيادة كاريزمية وأطر متمرسة قادرة على قيادة تحديات ومتطلبات الثورة، كما أن التجربة قد أبانت عن هوة شاسعة جدا بين الوعود والتنفيذ، وأن حجم الأخطاء كان كارثيا وبشكل أفرغ ثورة 25 يناير من أي نفس ثوري، مما يمكن معه القول بأن ‘الإخوان المسلمين’ شأنهم شأن الكثير من الحركات والتيارات الشمولية يمكن أن تجيد المعارضة أكثر بكثير من إجادتها للحكم، خاصة مع افتقارهم لأي تصور علمي وموضوعي للحكم ولو استنادا الى مرجعيتهم الإسلامية، الأمر الذي أدى إلى إقصائهم من الحكم مما سيكون له تداعيات عميقة على مستوى النظرة الغربية لأحداث المنطقة، وكذلك على كل الدول التي تحكم فيها أنظمة ذات خلفية ‘إخوانية’ والتي نتمنى ألا تنزلق الأمور فيها إلى حالة من الفوضى والعنف الدموي، الذي لن يستفيد منه أحد سوى ‘إسرائيل’ التي تنظر بعين الرضا لكل ما يقع للجيوش العربية المحيطة بها من تفكيك واستنزاف، فجيش العراق تم تدميره، وجيش سورية تم شغله في مواجهات داخلية، فحذار أن يأتي الدور على جيش مصر أحد أقدم جيوش العالم وأقوى الجيوش العربية.