انتهى السباق الرمضاني مبكرا في العراق هذا العام، إذ انتهت أهم المسلسلات الدرامية قبل نهاية رمضان بأسبوع، مؤشرة بشكل مبدئي إلى ضعف الموارد الإنتاجية من ناحية، وضعف كتّاب السيناريو في خلق مسلسلات مقنعة ومرضية تمتد إلى نهاية رمضان.
وقد ركّزتُ اهتمامي، مثل ملايين العراقيين، على المسلسلات التي أنتجتها مجموعة قنوات “الشرقية”: “هوى بغداد” و”الفندق” و”شلع قلع” و”بغداد باكو” و”لخّة”.
ومن البداية أسقط معظم الناس مسلسلي “لخّة” و”بغداد باكو” من السباق، بسبب رداءتهما، كنصوص وأداء وحتى كمواضيع فنية، وتوسلهما الضحك بطرق هزيلة غير محترمة، وأداء كاريكاتيري لا يليق بفنانين مثل جواد الشكرجي ومحسن العلي.
وهكذا أصبحت ثلاثة مسلسلات فقط جديرة بالمتابعة، وبالفعل فقد أثارت ردود أفعال كثيرة ومتباينة داخل وسائل التواصل الاجتماعي، بل حتى حظيت بمتابعة عربية لا بأس بها ربما بسبب وسائل التواصل الاجتماعي.
“شلع قلع” مسلسل كوميدي ساخر وناقد من حلقات منفصلة، يتبنى أسلوب المسلسل السوري الشهير “مرايا” للفنان المعروف ياسر العظمة. معظم الحلقات من كتابة حسين النجار وإخراج سامر بهجت وبطولة مطلقة للنجم الكوميدي المحبوب أياد راضي. تناول المسلسل العديد من الظواهر السلبية في المجتمع العراقي، مثل سيادة الروح العشائرية، وتأثير السوشيال ميديا على سلوكيات الناس، وانتشار الشحاذة، والفساد السياسي، وتناقضات المثقفين تجاه المرأة وغيرها من المواضيع. وبالفعل فإن معظم الحلقات كانت ممتعة ونالت رضا المشاهدين، خصوصا من ناحية الأداء الكوميدي واهتمامها بطرح موضوع جديد يعاني منه الناس.
لكن الطامة الكبرى كانت عندما اكتشف المشاهدون ان إحدى الحلقات المتميزة من المسلسل، كانت منقولة حرفيا ومستنسخة نصا وإخراجا وتمثيلا من مسلسل “مرايا” كما لو أن الممثلين شاهدوا الحلقة وتدربوا على تقليدها بالكامل. طبعا أول من اكتشف الاستنساخ هم السوريون، الذين كانوا يشاهدون المسلسل العراقي، وفوجئوا بما يحدث أمامهم على الشاشة. وتعالت صيحاتهم على فيسبوك وفي تعليقات على يوتيوب. وكان الأمر بمثابة فضيحة لمسلسل، مصمم للجمهور العراقي الذي يحب النجم أياد راضي. وبالطبع فقد غاب اسم المؤلف حسين النجار عن الحلقة، واستبدل باسم لمؤلف مجهول، غير معروف لا في العراق ولا في سوريا، كانت الحلقة طعنة غادرة للمشاهدين في العراق.
أما “هوى بغداد” فهو مسلسل استعراضي غنائي من 15 حلقة، يعتمد الإبهار البصري من خلال الأزياء والتصوير والمواضيع الفنتازية والخيالية المختلفة. مسلسل حلقاته قصيرة، مختلفة الحكايات لكن مع البطلين نفسهما زهراء حبيب التونسية العراقية بدور شمس، وأسر ويست العراقي التركي الأمريكي بدور أمير. وقد تم اختيارهما أو استيرادهما، بسبب مواصفاتهما الجمالية الواضحة، وإجادتهما اللهجة العراقية. وقد أثار هذا غضبا وامتعاضا في الشارع العراقي وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، بحجة أن البلد يعجّ بالحسان والوسيمين من الشباب، رغم أن الجميع يعرف ان هذه الصفات الجمالية لا تتوفر كثيرا في الوسط التمثيلي العراقي. لكن بمرور الوقت اقتنع المشاهدون ان اختيارات الكاتب والمخرج مهند أبو خمرة، كانت صائبة.
حاول المسلسل ان يبرز بغداد في أجمل صورة ممكنة بصريا، في لوحات غنائية جميلة تشيد بها وثقافتها وتاريخها. مع التعرض لبعض المشاكل الاجتماعية، خصوصا في حلقتين متميزتين جدا، إحداهما عن التقاليد العشائرية التي تخص الأخذ بالثأر وتقديم الفتيات كبديل رخيص عن الثأر، لمع فيها الممثل الدرامي المعروف سامي قفطان، والأخرى عن تفجيرات الكرامة الإرهابية في رمضان 2016 لمع فيها الممثل كاظم القريشي والممثلة انعام الربيعي. باقي الحلقات تكاد تكون سطحية أو فانتازيا أو رومانتيك كوميدي. لكن تظل تجربة أبو خمرة غير مسبوقة، وتسد فراغا فنيا وإنتاجيا في الدراما العراقية رغم انها مكلفة إنتاجيا.
“الفندق” هو المسلسل الأخير في مقالنا، من تأليف الكاتب التلفزيوني حامد المالكي، وإخراج الفنان المسرحي والتلفزيوني حسن حسني. وهو المسلسل الأكثر إشكالية في تاريخ الدراما العراقية، بسبب جرأة حواراته ومشاهده التي تخللتها درجات من العري أحيانا ومشاهد الحب والملاهي الرخيصة في العراق. وبالطبع هذه المواضيع أثارت غضب الطبقات الشعبية والمتدينين وأنصارهم على وسائل التواصل الاجتماعي، بحجة أن هذه الشحنات المختلفة من الجرأة غير جائزة في شهر رمضان الفضيل، بل وصل الأمر إلى أن نائبا في البرلمان دعا إلى وقفه. ورغم كل هذا، فإن المسلسل استمر عرضه وكسب مدافعين عنه في الشارع وعلى المنصات الالكترونية، باعتباره عملا نقديا جريئا للواقع العراقي.
لكن “الفندق” يستوقفنا من البداية، إذ جرت ترجمة عنوانه إلى hostel أو نزل. كما أن اختيار بناية قديمة ضخمة تحوي فناء كبيرا في وسطها، يفارق جدا معنى الفندق بمفهومه السياحي الحديث. وأخيرا فإن نوعية الساكنين فيه في الطابق العلوي، عبارة عن مجموعة من المشبوهين والمشبوهات، المنخرطين في أعمال إجرامية أو غير محترمة، ويخضعون لرؤساء عصابات يمارسون العنف والتسلّط. إذن “الفندق” ليس فندقا على الإطلاق، بل نزلا يأوي هؤلاء التعساء موضوع العمل. ويجسد الأدوار في المسلسل نخبة رائعة وممتازة من الفنانين الكبار، منهم سامي قفطان، ومحمود أبو العباس، وعزيز خيون، وسناء عبد الرحمن، وهناء محمد، وايناس طالب، والشابة الموهوبة دزدمونة التي جلبت الأنظار والاهتمام بأدائها الصادق، إضافة إلى مجموعة أخرى من الفنانين والفنانات. نقطة القوة الأساسية في هذا العمل هي طاقم التمثيل الذي يندر ان نراه مجتمعا في عمل كبير.
لكن مشكلة “الفندق” ان النص أو السيناريو يفتقد إلى الحبكة المركزية، وينشغل بقضايا عديدة وخطيرة مثل ترويج المخدرات والتجارة بالأعضاء البشرية والدعارة والتسوّل والرشوة والدخول في تصفيات جسدية داخلية وخارجية. كل هذا من خلال عصابة أصغر تدير هذه النشاطات، عصابة تدبّ فيها خلافات تناحرية غير منطقية. وفي المقابل هناك معسكر الأخيار، الصحافي السابق الفاشل الذي يدير الفندق، وامرأة مسيحية غير منطقية، كل أبنائها في أمريكا وهي تصرّ على البقاء في العراق. إن كل هذه الثغرات انعكست على الأداء الدرامي، الذي غلب عليه الترهل والصياح والأداء المسرحي واللقطات الطويلة في هذا النزل الكبير ذي الطراز الشرقي في عمارته.
ويبدو أن المخرج حاول باجتهاد إنجاح العمل إلى أبعد حد، بإبراز عناصر الجذب الجريئة متحديا المجتمع، وفي رأيي هذا كان أمرا رائعا يكسر المحظور على شاشاتنا الصغيرة. شاهدنا في المسلسل رجلا يحضن حبيبته بعد غيبة، شابة جميلة تطبع قبلة على خد حبيبها، فتاة ليل في سرير مع زبون عاري ملتحف بشرشف. المشكلة كانت في الحلقة الأخيرة المخيبة للآمال، إذ تحولت إلى مجرد سرد لمصائر أشرار الفندق، وضحاياهم من النساء، لتتحول الحلقة إلى مباراة درامية بين بطل العمل أبو العباس وصديقه عزيز خيون، مما أبعدنا عن أجواء الأحداث كليا. لقد كانت الحلقة الأخيرة هروبا إنتاجيا ونصيا ودراميا ربما لقلة الموارد وغياب النص.