قراءة في رواية «حيوات متجاورة» لمحمد برادة بنية الأصوات السردية ودينامية التعدد اللغوي

حجم الخط
1

يعتبر الكاتب المغربي محمد برادة من بين أهم الروائيين العرب الذين ركزوا في دراساتهم النقدية على ضرورة التزام الروائي بخلق عوالمه السردية اعتمادا على تعددية الأصوات السردية وعلى اختلافية الملفوظ اللغوي لكل صوت سردي منها. ذلك أن الرواية لا يمكن أن تتحقق على مستوى الإنجاز الفعلي الفني المتكامل في غياب هذا التعدد الأصواتي واللغوي على حد سواء.
وقد اعتمد في عملية تنظيره لهذا الأساس الروائي على نظرية ميخائيل باختين في مجال الرواية وشعريتها. وذلك لما تزخر به هذه النظرية من غنى فكري وجمالي هائل، جعل كل من جوليا كريستيفا وتزفيتان تودوروف يركزان على الاستفادة منها في أبحاثهما المتعلق بفن السرد عموما وبالفن الروائي على وجه التحدد.
من هنا فقد سعى الكاتب محمد برادة في كل رواياته إلى الالتزام بهذا المبدأ الحواري الأساس وجعله صلب اهتمامه الفني والجمالي ومحور توجهه الروائي. وهو بهذا يكون ضمن مجموعة من الروائيين العرب الذي أخرجوا الرواية العربية من هيمنة الصوت الأحادي الذي غالبا ما يكون معبرا عن فكر الكاتب الروائي ذاته وناطقا بالإيديولوجية التي يتبناها في أطروحاته. ولقد كانت رواية «لعبة النسيان» بداية هذا التوجه الرؤيوي، في مسار الكاتب محمد برادة الروائي، الذي ينطلق من أجل كتابة رواية عالمة تمتلك حمولة ثقافية متعددة ومتنوعة، وليس مجرد رواية هدفها الحكي الخطي والتعبير عن القضايا الكبرى أو الصغرى من خلال وجهة نظر واحدة ووحيدة.
إن الكاتب محمد برادة وهو يشيد عوالم رواياته هاته يقوم بعملية التشييد الروائي وفق كتابة روائية متعددة الرؤى.فهي لا تثق بسارد واحد ولا تجعل السرد يسير متناغما مع ذاته. إنها، أي الكتابة الروائية، تبني عوالمها انطلاقا من اللايقين، من كتابة الشك بشكل واع وإعادة كتابته. وهو ما يمنح لها سعة الرؤية ورحابة الدلالة.
وبغية توضيح ذلك سنقف عند رواية «حيوات متجاورة»، وهي من بين أهم روايات الكاتب، متناولين الأصوات السردية فيها والتعدد اللغوي المشيد لعوالمها الروائية.
في هذه الرواية نجد ،و ذلك منذ العنوان الذي هو «حيوات متجاورة»، أن هناك تصريحا بتعددية العوالم الروائية المتناولة في هذه الرواية، فكلمة «حيوات» تشير بكامل الوضوح إلى أن هذا النص الروائي لن يقتصر على الحديث عن حياة واحدة، وبالتالي يتم طرح التساؤل من لدن المتلقي عن نوعية هذه الحيوات التي ستقدم إليه، ومباشرة ومنذ الوهلة الأولى كذلك يعرف بأن هناك خيوطا حياتية تربط بينها، يتجلى ذلك أيضا في العنوان، عن طريق وصف هذه الحيوات بصفة معينة هي « متجاورة». وهو ما يدفع بهذا المتلقي إلى الرغبة في معرفة نوع هذه المجاورة وخصوصيتها، وهو مالا يمكن له معرفته إلا من خلال قراءة الرواية ككل.
تتحدث الرواية عن ثلاث شخصيات كبرى فيها. شخصية «نعيمة آيت لهنا» التي يحيل اسمها دلاليا إلى النعمة والهناء، وشخصية «ولد هنية»، وهي شخصية تلتقي على مستوى دلالة الاسم مع الشخصية السابقة في حقل «الهناء»، ثم شخصية «عبد الموجود الوارثي» التي يوحي اسمها على مستوى الدلالة بالتواجد القوي وبوراثة هذا التواجد القوي في ذات الآن. وهي أمور سنجد أن عالم الرواية يكاد يؤكدها بالنسبة لهاته الشخصيات الثلاث كلها. مما يدفعنا إلى القول بأن الكاتب محمد برادة قد اختار هذه الأسماء أو قام بنحتها من أجل التعبير بها هي الأخرى عما يريد الوصول إليه أو لنقل ما يريد بناءه انطلاقا منها من دلالات واقعية ورمزية على حد سواء.
تؤطر شخصية «نعيمة آيت لهنا» من خلال مسرودين، أحدهما براني، بمعنى أن الذي يقدم صورتها في هذا المسرود هو سارد آخر يختلف عنها، وهو يقدمها طبعا بضمير الغائب، وثانيهما جواني، بمعنى أن الشخصية ذاتها، نعيمة آيت لهنا» هي التي تتحدث فيه عن نفسها، مستعملة ضمير المتكلم .و المسرودان معا يتكاملان ليمنحا لشخصية «نعيمة آيت لهنا» حضورا روائيا قويا داخل النص الروائي باعتبارها شخصية فاعلة في مجرياته بشكل أساس. فالمسرود الأول يمنح للمتلقي إمكانية الاقتراب من عالم هذه الشخصية، لكن المسرود الثاني الخاص بها هو الذي يقوم بتقديم هذه الشخصية بكثير من التفصيل والعمق. وهو الذي يجعل المتلقي يتعرف على هذه الشخصية في كل تناقضاتها وفي كل غناها الواقعي والرمزي معا .
تقول»نعيمة آيت لهنا» وهي تحكي عن ذاتها ما يلي: «أنت تريدني أن أحكي تفاصيل حياتي منذ الطفولة، لكنني غير مقتنعة، مثلك، بوجود خيط رابط بين مراحل عمرنا، بالأحرى، هناك منعرجات ولحظات لا ندرك كنهها كأنما تسقط من فوق وتتحكم في دفة المسار. لذلك لا أريد منك أن تستخلص الدوافع التي توجّه مسلكي، إذ كثيرا ما فعلت أشياء متناقضة، متضادة». إن شخصية «نعيمة آيت لهنا» حين يتم منحها سلطة الحكي عن حياتها، فهي تقوم بحكيها اعتمادا على صوتها السردي الخاص، بحيث نلاحظ أنها تمتلك لغة خاصة بها تسير وتشيّد وفق تجربتها داخل النص الروائي ووفق ثقافتها أيضا، وهو ما يجعل من صوتها السردي صوتا مقنعا بصدقه الفني وبتعبيريته عن شخصيتها، بحيث يغيب صوت السارد المفترض المتحكم في دفة السرد الروائي الكلي، إن على مستوى الرؤية أو على مستوى التعبير اللغويعن هذه الرؤية، مما يمنح للنص الروائي قوته.
يتجلى لنا هذا الأمر أيضا حين يمنح هذا السارد ذاته سلطة السرد لشخصية روائية أخرى هي شخصية «ولد هنية». هذه الشخصية التي تعبر عن ذاتها انطلاقا من مستواها الثقافي الخاص.فهي لا تتورع عن الحديث بلغتها العامية، والسارد يسمح لها بذلك، مما يمنح للتعدد اللغوي داخل الرواية قوة الحضور بشكل لافت. وهي تجربة سبق للكاتب محمد برادة القيام بها في روايته الأولى «لعبة النسيان» أيضا. يقول «ولد هنية» ما يلي: «أنا عمري ما حكيت حياتي لشي حد أو حتى لراسي .مناين غادي نبدا وشلاّ ما نتفكر؟ تيتخص شي واحد يكون عارف حياتي ويبدا يفكّرني وأنا نكمل. أما الآن غادي نبدا نقّز من حكاية لاخرى .أنا غير حشمت منّك على ود انتا عزيز عليّ ….»
أما بخصوص شخصية «عبد الموجود الوارثي» فإن السارد يقدمها عن طريق إجراء للسارد المشارك في الأحداث حوارا معها، وعن طريق هذا الحوار يمنح السارد لهذه الشخصية فرصة التعبير عن ذاتها وحكاية حياتها. يقول «عبد الموجود الوارثي» في ثنايا هذا الحوار، بعد أن طلب من السارد إيقاف آلة التسجيل، ما يلي: «عندي يرتبط معنى الحياة بالطفولة: تدليل أمي لي، تقليد نطق الكلمات، تعلّم المشي، أيام النزاهة في جنانات فاس، ومداعبة بنات العائلة التي أيقظت غريزة الجنس عندي مبكرا …أقول لك حتى لا أطيل بأن الطفولة وبداية الشباب زرعا فيّ الإحساس بالحياة في شموليتها والتي كانت تبدأ عندي بالتعلم واكتشاف المتعة والإحاطة ببعض ما كان متاحا لنا من الحضارة الغربية …»
إن هذه الشخصيات الثلاث التي تؤثت عالم النص الروائي وتشكل أحداثه ضمن بوتقة روائية متكاملة صحبة شخصيات روائية أخرى مساعدة أو معاندة لمسارها السردي قد استطاعت أن تعبر عن كيانها الواقعي / التخييلي اعتمادا على تعدد لغوي مميز، يمنح لكل منها صوته الشخصي ورؤيته الوجودية الخاصة. كما أن عملية تأطير هذه الأصوات السردية الثلاثة بتعدد لغوي يراعي خصوصيتها قد منح للرواية قوة تعبيرية وجمالية. بالإضافة إلى أن السارد وهو يقوم بذلك سعى أيضا إلى تشكيل رؤية سردية كبرى تقوم بوظيفة الحكي والتعليق سواء على سرد هذه الشخصيات من جهة أو على الأحداث التي تقدمها في سرودها من جهة أخرى. يقول السارد، ولك أيها القارئ أن تحدد من يكون، ما يلي «أمضيتُ زمنا غير قليل في صحبة ثلاث حيوات متجاورة لا تكاد تلتقي عند شيء مشترك، وأنا عاجز عن أن أميّز بين «الحقيقي» و»المتخيل»، لأن ذاكرتي امتلأت بقصص تلك الشخوص التي باتت أشبه بكُوى أطل عبرها على عالم أكثر رحابة يبدو كل شيء داخله متحركا لا يستقر عند حال .تماهيت معها عبر حنين تولّدت سياقاته في أجواء أوحت لي أنني عايشتها مثلما عايشتها تلك الشخصيات».
هكذا تكون هذه الرواية وهي تقدم لنا هذه الشخصيات الروائية وحيواتها المتشابكة قد نجحت في تقديم عالم روائي غني بالتعدد والاختلاف ومليء بالحياة .تلك الحياة التي تعبر عن الصراع وعن الرغبة في تجاوزه بعد صهره في طياتها .كما أنها قد نجحت في صياغة سرد روائي حداثي ينبني على اللايقين، ويتشيد وفق مسارات سردية متبانية وبعيدة عن الرؤية الأحادية والسرد الخطي.

٭ كاتب مغربي
ـ محمد برادة : «حيوات متجاورة». نشر الفنك – الدار البيضاء ـ 2009

نور الدين محقق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية