… أعترف أني حين كتبت هذه القراءة ما كانت بدافع الحرفنة التي اتسمت بها هذه الرواية وحسب، وإنما لميلي الذي لا أجد له تفسير تجاه الأمة الكردية ،وهو ميل توالد لدي في قراءاتي الأولى ؛ لعل ذلك يعود لما تعرضت له الأمة الكردية من الضيم والحيف على الأيدي الظالمة التي تلوثت بدماء شعوبها قبل دماء الأكراد .. (أمة ستعود ويعود مجدها بكل ما سطره شهداؤها بحبر دمائهم)..
‘الحبر’ الذي بدأت به قراءتي لهذه الرواية ينطلق من خيال مؤلف مبدع اسمه جان دوست الذي سطر بحرفنة الروائي مشاهدات ميرنامه (أمير الشعراء الكرد أحمد الخاني ) ليطلع القارئ العربي على صفحة رائعة من حياة الأمة الكردية .
تدور أحداث الرواية في مدينة بايزيد التي تعتبر الخط الفاصل بين الامبراطوريتين العثمانية والصفوية عبر عشرين شخصية تعكس حياة الأكراد في تلك المدينة وبالأحرى ذلك العصر بلغة سردية أخاذة امتدت لـ279 صفحة كان محورها حبر شاعر يعد الأجمل من بين شعراء الأكراد إنه العارف الملا الشيخ أحمد الخاني خلال بضعة أيام.
أحمد الخاني الشاعر الذي اختلفت في محبته القلوب فمن محب يرفعه إلى عنان السماء مع الصديقين الأصفياء إلى عدوّ يتربص به الليل والنهار حتى اطمأنوا أن الأرض ابتلعته ‘الحمد لله لقد انتهينا من الدفن’ ص22 في الجانب الأخر كان الرثاء يخأذنا إلى حزن أبدي:
السماء تبكي اليوم عليه
احترق قلب الجبال
من حزنها ذابت ثلوج جبل آكري
الخاني الذي عانقه الحبر منذ أن كان في الأزل فكانت الحياة معاناة وألما بل أصبح الألم مادته الحبر فما هو الحبر يا ترى عند الشيخ؟. أهو الذي يُكتب به؟. أم هو الحسن والبهاء؟. أم هو أثر الشيء وما تركه؟. أم هو في المنام كرامة في مدد ورفعة، والمداد سؤدد، والكتابة قوة؟ …. المهم أن الشيخ يحب الحبر كثيرا ..
لو أردنا تحديد مدارات الحبر بمجموع ما سبق فإن واقع ميرنامه ينساب في ثلاثة مدارات أهمها مدار العشق/ ثم مدار الذات ومعرفة الواقع الكردي في ذلك الزمن/ ثم مدار التسامح الذي اتسم به المجتمع الكردي الراقي في مدينة بايزيد.
يظهر للقارئ في الوهلة الأولى أن أي شيء في بايزيد تكوّن في مراحله الأولى من الحبر ،،،حتى العشق ؛ لذا تقول شَنكي محبوبة الخاني: ‘كنت قد أعددت لتوي قليلا من الحبر لمحبوبي أحمد … وضعت خيوطا من القز وخصلة من شعري أسفل القارورة … هذا ما علمتنيه بنات بايزيد اللواتي كن يقعن في حب طلبة الفقه ويهيئن لهم الحبر ‘ص54
إلا أن الحبر لم يوقف جشع الحاج زهدي التاجر ‘من ذا الذي يزوج ابنته رجلا معدوما؟’ ص67 فكانت (شَنكي) حلالا للتاجر عبدالله الماكوي بأحمال من الجلود وقليل من الذهب ، هنا أصبح قلب الخاني كهشيم إذا اشتعلت فيه النار ، وشيئا فشيئا يظهر الخاني العاشق الحقيقي ‘ أن تكون في ضرام الحب دون أن تتأوه أو يصدر منك صوت … العاشق الحقيقي فراشة أما المجازي فيمثل البلبل .. منذ ثلاثين سنة وفراشة قلبي تحترق في تنور العشق وتتطهر من صدأ الدنيا وأنا صامت’ 158ص
كان ثمرة هذا الحرمان أن وضع الخاني ملحمة العشق الكردية ‘مم وزين’ ( ) استل حبرها من قارورة زينّتها شعرات لمحبوبته ‘شَنكي’ ومزجه بدموعه وتنهداته إلى أخر حرف من معلقته لا بل إنه مزجها بقليل من الخمر ‘أريد كتابة ما يجيش به صدري بخيال صاحٍ وحبر سكران’
وتمضي السنون و’ ما تزال رائحة مسك تلك السنوات تفوح من هذه الشعرات. لقد وضعتها في الدواة بدل خيوط الحرير التي يضعها الخطاطون في قوارير حبرهم كي تَفْسُدْ. لقد أبقيتها في الحبر كي أستطيع سرد حب ‘مم وزين’ بسلاسة أكثر وألم أمضى ‘ ص30
كان هذا العشق الأبدي مثار تعجب في أوله ‘عجبا !! إنني عاشق’ وكأني بقول ابن حزم: ‘الحب أعزك الله أوله هزل وأخره جد ، دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف ، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة’ ( ) لم يكن في حسبان الخاني أن العشق يصل به هذا المقام ؛ خاصة وأنه على باب من أبواب العلم وطريق إلى ارتقاء مقام العرفان ،ولكن هكذا أتى عشق (شَنكي) دون استئذان وبالرغم من المعاناة التي لقيها جراء هذا الحب إلا أنه عَلِقَ في ذاكرة هذا العارف فلم ينمحي أو يزول ‘شنكي ديني كله. لن أبدل عشقي السامي بزواج وضيع’ ظل هذا الوفاء حتى آخر اللحظات والذي ظنه الحاضرون هذيانا حين صرخ صرخة مدوية:
‘أين شَنكي؟’
‘أحضروا شَنْكي. فلتأتي شَنْكي سريعا. سأسر لها بشيْء'(192)
مدار الواقع الكردي:
‘ لقد مزجت هذا الحبر بآلامي وحسرتي ألم تميز فيه رائحة الحريق ؟ ‘لقد كانت آلام الخاني تتوالد منذ حداثة سنه كان ينقب في تاريخ أمراء الأكراد حين يقرأ على شيخه الضرير كتاب شرفنامه ‘( ) كان أكثر ما يشدّ انتباهه في الكتاب فرقة الأكراد وصراع قادتهم وارتماؤهم في أحضان الترك والعجم كونهم بلا دولة’ص46
ظلت تلك الجمرة تتقد يوما بعد يوم حتى تيقن أن الامر ليس بفعل الحديث الموضوع عن الرسول صلى الله عليه وسلم: ‘لا وحدّ الله هذه الأمة’ وعلم كذلك أن سؤاله بالرغم من حقيقته إلا أنه خيال بل إنه من العبث، ذلك السؤال الذي يردده دائما: ‘ألم يكن في الأكراد رجلا مثل سلاطين الترك وشاهات العجم ليوحد هذه العشائر والطوائف تحت رايته ويبني دولة كبيرة؟’ ص44 ، وتيقن أن كل مصائب الأكراد آتية من أمرائهم الذين سدوا أبواب أذهانهم. هؤلاء الأمراء الذين أصبحوا ثعابين ينفثون السم في أرواح الناس. هؤلاء الأمراء الذين دأبهم حب الدنيا وجمع الذهب والمال، ولا يعيرون العلم أي اهتمام. هؤلاء الأمراء هم عبيد شهواتهم. هؤلاء الأمراء حطموا ظهور الناس بعصا جورهم. هؤلاء الأمراء مكتوفو الايدي أمام الترك. أمراء كهؤلاء يمكن صنعهم من الطين أيضا’ص242
يقول مولانا جلال الدين الرومي:
يسهل على الليث تمزيق صفوف الأعداء
لكن الليث الحق يظهر في قتال الأهواء
وليت الأمر يصل إلى درجة الإنكار هذه بل استحالت هذه المصائب إلى سم قاتل تمكن من عقله وبدنه:
‘مصائب الأكراد واستعبادهم سم بحد ذاته أفاعيل أمرائهم سم سليماني، يتسرب إلى دمي منذ أربعين عاما ‘ ص243 كان أول سم ذاقه الخاني من الأكراد حين قال:
‘لقد سرقوا دواتي’
لم تكن سرقة الدواة أمرا عابر بالنسبة للخاني إذ أنه ربط مصيره بوجود الحبر وبنفاده تكون بداية النهاية وإيذانا بجفاف أوراق الحياة ‘إن الأمير ينوي قتلي’ حين عمد إلى كتابة الرسالة التي أراد أن يختم بها علمه تجاه الأمير ، أدرك الخاني أن كل المؤشرات لم تكن في صالحه ولذا عبثا كتابة الرسالة حينها سأل تيمور الفاسق ماذا تسمون الموت؟ فأجاب:
-‘اليقظة الكبرى’
– فرد عليه: ‘إني اقترب من اليقظة هذه الأيام’
كان عدو الخاني على معرفة بكل دقائق الخاني وتفاصيل افكاره ولذا قال: ‘إن أسلوب قتله موجود في كتابه ‘ أليس هو القائل (الخاني) :
الخصم الذي لا تقدر على النصر عليه
ما هو دواؤه ؟ إنه السم الزعاف
لكن القاتل المأجور حين وضعه في لحده همس في أذنه قائلا: ‘ليتني عرفت أيها الشيخ من سلبك روحك الطاهرة والله كنت جعلته الآن في مكانك!!!!’فمن إذا قتل الخاني ؟ لم تكن صرخة صديق عمره الملا إسماعيل بايزيدي حين صرخ : لا ليس ممكنا لا اااااااااااااااا بالأمر العابر ؛خاصة حين حلف الخاني ‘إن الأمير ينوي قتلي ولكنني وقسما بذات الله عزوجل لن أمنحه هذه الفرصة ‘ص242؟؟؟؟؟
مدار التسامح:
الحبر الذي ارتقى بالخاني إلى مقام العارفين جعله ينظر إلى الإنسان نظرة سامية بغض النظر على دينه ومذهبه وشكله وذلك ‘أن الله ينادي عباده بطرق كثيرة’ص178
وبقدر ما هنالك من طرق ودروب فإن كلها تؤدي إلى الله تعالى’ (232) بهذه الثيمة الجميلة ظهرت تلك التوليفة التي قلما نجدها عند فقيه يدرس ،ويخطب في الجوامع تلك التوليفة تبدأً بالعارفين ومرورا بالمغني دوستو الأرموي وتيمور الفاسق الذي كان يحضر الجلسة على غير وعي ونهاية بشمسو القوّال اليزيدي .
ما كان لتكون هذه الفسيفساء لولا أن الخاني يمتلك روح العارف التي تلم القلوب والأرواح قبل الأجساد الأمر الذي جعل المثلم الذي توحد بالجرائم قبائح الأمور يقول عنه ‘ كان رجلا ترك في قلبي أثرا عميقا … بفضله وبركة نور وجهه سئمت القتل وعافته نفسي ‘( 260) .
لقد أتاح مجتمع بايزيد ممثلا بالخاني أن اليزيدي يشيع جنازة مسلم يخالفه في المعتقد
– ألم تسمع الرجل يدعو فقط أمة الإسلام؟
– يا حرمة هذا أحمد الخاني … ما لي ولنداء ذلك المؤذن !! وفي باب المسجد يلتقي بصلاح الدين الوراق فقال له الوراق:
– والله إنك وفي يا كريف ( ).
– هذا هو الخاني. الخاني وليس رجلا آخر.
تلاقت الأرواح عند جنازة الخاني ومن قبل في حجرته الجميلة التي تفوح منها رائحة الحبر الذي شكل ولاء روحيا بين أطياف المجتمع الكردي عامة، وبلدته بايزيد خاصة ‘لم أرافقه لكن قلبي نفسه صلى ذاته’.
‘ أكاديمي من سلطنة عمان