القاهرة ـ «القدس العربي»: بمناسبة فصل الصيف تقيم العديد من غاليريهات الفن التشكيلي في القاهرة ما يأتي تحت عنوان «مجموعات الصيف» وهي أعمال مختارة يعرضها هذا الغاليري أو ذاك لأهم الأعمال التي تم عرضها على مدار العام أو الموسم بمعنى أدق، والذي يبدأ من الشتاء وحتى فصل الربيع من كل عام، أو الأعمال التي يمتلكها الغاليري، ويعيد عرضها في بعض المناسبات. بجانب ذلك توجد بعض المعارض الخاصة للفنانين، ولكنها أقل انتشاراً في مثل هذا التوقيت. وسنستعرض هنا بعض المعارض الخاصة، وكذلك بعض الأعمال المختارة من المجموعات.
فاتنات الشاطئ
تحت هذا العنوان جاء معرض الفنانة مريم حتحوت، والذي أقيم في غاليري «ديمي» والتي تحتفي من خلاله بمجموعة من السيدات على شاطئ البحر، مُجسدة العديد من اللحظات التي تحاول المرأة من خلالها استعادة شيء من طفولتها، من لعب واسترخاء واستمتاع بالطبيعة. من ناحية أخرى تحتفي الفنانة بنساء بدينات، محاولة إظهار أرواحهن الطفولية المرحة. ما يؤكد ذلك طبيعة الألوان المُبهجة ــ ألوان نقية في معظمها ــ إضافة إلى الأوضاع الجسدية التي تثير الدهشة والضحك. حالة البهجة هذه تطاول جميع اللوحات، حتى بمشاركة الرجال، وهم يأكلون ويلهون، كما بعض اللقطات التي تصور المجموعات وكأنها تصطف أمام مصوّر فوتوغرافي لتخليد هذه اللحظات ــ تصاوير المصيف المعهودة في البوم العائلات ــ السمة الأخرى في هذه اللوحات تتضح في المبالغة من حيث تكوين وتفاصيل اللوحة، ما يقترب أكثر من فن الكاريكاتير، مع ملاحظة تقنية تجسيد أغلب اللوحات من خلال استخدام السكين ولمساته الخشنة، ما يجسد الشخوص وحالاتها أكثر، ويجعلها قريبة من المتلقي.
الطبيعة وكائناتها
وعن الطبيعة وكائناتها وعالمها، تأتي أعمال الفنان الفرنسي باتريك جودو من خلال مجموعة من اللقطات الفوتوغرافية، جاءت بعنوان «رحلة في أفق مفتوح» والذي أقيم في غاليري «مشربية». من خلال رحلات جودو المتعددة ما بين دول الشرق الأوسط والبحر الأبيض وغرب أفريقيا، كان التوثيق لبعض من ظواهر طبيعة هذه البلاد وعوالمها، وبما أن الرجل كاتب بالأساس، فإنه حاول خلق حالة من التوثيق الفني في شكل سرد بصري يُظهر ما تتميز به هذه البلد أو تلك. وهنا يعتمد جودو اللقطات البانورامية، لأنها الأنسب من وجهة نظره، فتقنية ونسق هذه اللقطات يرتبط بالعمارة والمناظر الطبيعية، هذا من جانب، ومن جانب آخر أن هذه اللقطات تتشابه وطبيعة الرؤية البشرية. وبذلك يبتعد الفنان ــ قدر الإمكان ــ عن الحد من مجال اللقطة وحدودها، سواء في لقطات قريبة أو متوسطة، ولكن لقطات متسعة توحي بحالة المكان.
وتتنوع اللقطات لتشمل العديد من معالم طبيعة هذه الأماكن المتباينة أشد التباين، كبناء أثري في سوريا، أو نهر النيل في السنغال، ثم لقطات للصحراء المصرية، أو ضفة النهر الخالد وهو يقترب من المصب. والعديد من اللقطات لمعالم دول مختلفة، كاليونان وإيطاليا. والملاحظ على هذه اللقطات أنها تأتي تعظيماً للطبيعة، والمتلقي من خلال حجم اللقطة، والتي تمتلك مقدمة ووسط وخلفية، بمعنى عمق الكادر من خلال اللقطة الطويلة، سيبدو دائماً يُشاهد من بعيد لهذه الحالة من الإدهاش، وحتى لو وجد شخص ما في لقطة أو أخرى، فأنه جزء من هذه الطبيعة المسيطرة عليه، جزء لا يتجزأ من تكوينها. أما الدرجات اللونية المعتمدة في اللقطات فتأتي وفق أماكنها، حيث الأماكن المشمسة/الحارة ذات الظلال، كما في الصحراء تختلف عن الأماكن ذات الإضاءة الباردة، حيث اللون الأخضر والماء والنخيل على ضفاف النيل.
أما فكرة السرد البصري، وهي المسيطرة على الفنان واختياراته، فتأتي وكأنك تقلب في كتاب سياحي لهذا المكان أو المدينة أو تلك، ولكن في حِس فني يبتعد عن الصور السياحية الاستهلاكية. فتمجيد الطبيعة من ناحية، والاحتفاء بالفعل الإنساني المتمثل في العمارة والتشييد من ناحية أخرى هما أهم ما يمكن الإحساس به من خلال هذه اللقطات/اللوحات.
مجموعات الصيف
ونأتي إلى «مجموعات الصيف» كما في معرض غاليري «بيكاسو» الذي عرض لوحات لكل من عبد الرحمن محمود، ونرمين الحكيم، ونبيل علي، وطارق كمال، وسوزان سعد. أو غاليري «ليوان» والذي عرض لوحات لصبري راغب، وحسن الشرق، ولوسيا راينر، وجون رالف، ومحمد الدمراوي.
وتتنوع هذه الأعمال من حيث موضوعاتها ومدارسها الفنية وتقنياتها. فهناك من كان اهتمامه بالناس والطقس اليومي، وبالتالي الفئة التي يُعبّر عنها، كما في لوحة كل من الفنانين عبد الرحمن محمود ومحمد الدمراوي، فالأول تجسد لوحته مشهداً لمجموعة من الرجال مختلفي الأعمار يجلسون في ما يُشبه المقهى، فهو ليس المقهى المعتاد، ولكن هناك مبالغة في نِسب الأجساد والمقاعد، حيث تتداخل أجساد الرجال، وكأنهم كتلة واحدة، ويبدو الوجوم على وجوههم. بينما تأتي لوحة الدمراوي لتجسد فرحاً شعبياً، ولكن بأسلوب يقترب من التكعيبية، سواء في الجسد أو الوجه، وحتى آلات العازفين.
أما التجريدية فنراها في لوحات صبري راغب، كما في لوحة «القطار» وطارق كمال، الذي يصوّر الحي الشعبي وتفاصيله. وبينما ينتهج راغب التفاصيل الحادة، واستخدام السكين دون الفرشاة في أغلب التفاصيل، وكأنه تجسيداً حياً للقطار وعالمه، هناك المنتظرون، وهناك الرّكاب الراسون فوق سطح القطار، كل ذلك من خلال تكوين الألوان وطريقة تشكيلها فوق سطح اللوحة، ويخالف ذلك لوحة طارق كمال، الذي تصبح اللمسات اللونية المتداخلة، هي التي تشكل تفاصيل عالم الحي الشعبي، ولك أن تتأمل الشخوص والمقاعد التي تشبه مقاعد المقهى الشعبي، والبيوت المتلاصقة، حتى أن منظور اللقطة نفسه يمتد لتصبح لقطة عامة للمكان ورواده.
ونأتي للوحتي لوسيا راينر وجون رالف، وكل منهما لا تبتعد عن لوحات الاستشراق، فكان الاهتمام الأكبر بالمكان، سواء أحياء مصر القديمة أو الصحراء والنيل، وتجسيد مظاهر وتفاصيل هذه الأماكن، وما تمثله من تأثير في الفنان، من حيث جماليات مختلفة عما يراه في موطنه، فنجد النساء الشعبيات وملابسهن المعهودة في العهد الملكي، الملاءة اللف والبرقع، ثم الأسواق وحركة البيع والشراء، وكذلك المقهى الشعبي. أو ملمح آخر يجسد المركب النيلي والرجل البدوي والنخيل. وإن كانت اللوحة الأخيرة أكثر تجريداً من الأولى، نظراً لاختلاف البيئتين.
بجانب ذلك نرى لوحات لكل من حسن الشرق وطريقته في رسم الملاحم الشعبية المتأصلة في الوعي المصري، وذلك من خلال الشكل الدائري، وبعض التفاصيل كالسيف والمزمار، وبعض العبارات المعهودة، كـ «أدركت شهرزاد الصباح وسكتت عن الكلام المُباح». وكذا لوحات لسوزان سعد، نبيل علي، ونرمين الحكيم.