قراءة في معارض مختلفة لتشكيليات مصريات: عن الواقع وتجاوزاته

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: يحاول العديد من الفنانين في أعمالهم إيجاد معادل فني يخرج قدر الإمكان عن المألوف، مع الحفاظ على رؤية جمالية تخلق تواصلاً مع ما هو كائن، أو ما يمكن تسميته تجاوزاً بـ «الواقع» وبين ما يصل إليه الخيال الفني. هذا الشطح بالخيال أصبح مؤخراً أشبه بعودة هادئة بعد صخب أعمال ما بعد الحداثة هذه الموجة أو المرحلة التي أنهكت الفن، وأصبحت تكراراً يصل حد السخف ــ خاصة في مصر ــ هذه المرحلة التي خفتت في الغرب، وصارت ثقلاً على الفنان، إلا مَن يحاول التمسك بخيوط الدعاية، والتي لولاها لسقط بدوره في جب النسيان.
ومن خلال عدة معارض مقامه الآن في القاهرة يمكن اكتشاف فكرة التجاوز هذه، سواء تجاوز ما بعد الحداثة أو الواقع. وجه الشبه الآخر في هذه المعارض هو أن أصحابها فنانات مصريات من مدارس وتجارب جمالية مختلفة، وهن، أسماء جنيدي، ثريا فهمي، إيمان حكيم، وأمينة الدمرداش.

مَن أتى بهؤلاء؟

تحت هذا العنوان جاء معرض الفنانة أسماء جنيدي في غاليري أوبنتو. وهنا تلعب الفنانة على تبادل الأدوار بين الإنسان والحيوان الأليف، بل والطيور التي تعتلي الأشجار. وفي شكل رصين من انتهاج الأسلوب السوريالي تجسد جنيدي حالة تبادل الأدوار هذه، فالحيوان الأليف أصبح صاحب نظرة وسلوك أكثر صدقاً من الإنسان نفسه، حتى أنه يتساءل، مَن أتى بهؤلاء؟! ففي عدة لقطات تظهر مجموعة من الرجال في حُلل رسمية واذانهم أشبه باذان الماعز ــ الحيوان الذي يتكرر في عدة لوحات ــ كذلك يرى هذا الحيوان أجزاء من الجسد الإنساني، كذراع مُدلى، أو مجموعة من الأقدام، وهو ما يُشبه التشيؤ، ولكن الأكثر كمالاً وحضوراً هو الحيوان، وكأن عالم الإنسان هذا هو الدخيل على عالمه وحياته.
من ناحية أخرى تحاول الفنانة إظهار مدى التناقض في حِس ساخر بين الطبيعة والحياة الإسمنتية للمدن وما تحتويه من مظاهر الحضارة، التي تبدو أشبه بألعاب الصغار، ضئيلة ومتراصة ولا حياة بها، أما الكائن الإنساني الذي يعتلي شجرة جافة متساقطة الأوراق، فهو بدوره أشبه بدمية، حتى لو ظهر اللون الأخضر في شيء من الاصطناع يحمله فوق ظهره. ثم البحث عن ختام لهذا العبث المحيط بالحيوان الأليف، وحلمه بالهرب حتى لا يتلوث عالمه، بأن يصبح مربوطاً إلى لعبة مطاطية تشبه عربة الإسعاف المعهودة، ولكنها تطير في الهواء ولا تستطيع إنقاذه. يمكن تأويل اللوحات من خلال المقابلة بين الطبيعة ومخلوقاتها وبين عالم الإنسان الزائف، وحضارته المتهافتة.

عيش الغراب

ويأتي معرض الفنانة ثريا فهمي بقاعة الزمالك للفن، ليصبح عيش الغراب هو الثيمة المسيطرة على جميع اللوحات، سواء من خلال الحضور الفعلي، أو التكوين وفق الشكل نفسه. يأخذ عيش الغراب كجزء من الطبيعة مساحة كبيرة وعددا أكبر من الأشكال، كجسد إنسان أو طفل بجناحين (كيوبيد) وصولاً إلى صاحب الاسم نفسه الغراب. هذا الكائن الذي علّم الإنسان الكثير وفق الأساطير الدينية، والذي للأسف وقع فريسة الوصم بالشؤم، من دون أن يعرف هو ماذا فعل!
هناك مخلوقات أخرى تتشارك الشخوص اللوحات، كالنحل وشمع النحل الذي ينطبع على تفاصيل الشخوص، وبعض العلاقات التي تحكمها الفانتازيا، كغراب يعتلي إشارة مرور، وفتاة تصعد بما يُشبه المنطاد المصنوع هنا من الخوص، بينما غراب آخر يلتقط ويلفظ أعقاب السجائر، وصولاً لتجسيد قناديل البحر نفسها وقد اتخذت شكل عيش الغراب. ومن الشكل الذي يُشبه المظلة تبدو فكرة الحماية، وهي من خلال عنصر من عناصر الطبيعة، ليبدو الإنسان بينها .. السماء والأرض والبحر مجرد طفل يلهو ولا يعرف الكثير من الأسرار، حتى لو كانت عروس بحر، إلا أنها لم تزل تحمل ملامحها الطفولية. وما بين البراءة والأشياء والعلاقات، بل والمفاهيم المبهمة يتشكل عالم اللوحات. ناهيك عن الألوان المُبهجة، وكأنها ألعاب طفولية أشبه بملاهي الأطفال، حيث لا سُلطة لعقل، فقط الاستمتاع بالتجربة.

أجواء

وبهذا العنوان يأتي معرض الفنانة إيمان حكيم، التي أقامته في غاليري دروب، محاولة من خلاله مزج لقطات ومشاهد عادية وفق تكوين وحِس أسطوري، وهو ما يتمثل حالة أخرى من حالات الشطح الخيالي، فالعلاقات بين عناصر اللوحة لا تحتكم إلا للخيال ومنطقه. فحياة الحقول والفلاحات والحيوانات الأليفة تمتزج معاً لتشكل عالماً أكثر تآلفاً. حالة التناغم هذه قد لا تفرق بين مجموعة من النساء وأخرى من الأشجار، فالأجساد تبدو واحدة، وكأنها من الطبيعة، تمثلها وتعبّر عنها، بدون نسيان الحيوانات، وحتى البنايات المعهودة في القرى تتمايل وتصبح ذات خطوط منحنية أكثر من المعتاد، وكأن كل الكون وما يصنعه الإنسان يبدو مؤنثاً بالأساس، أو انعكاسا لفكرة المؤنث.
من ناحية أخرى لا يبدو التجسيد خالصاً، بل يصبح تعبيرياً وإن اختلفت درجاته من لوحة إلى أخرى، فالفرشاة التي تحدد بعض الشيء التكوين الجسدي للشخوص، تلاحقها ضربات سريعة لتتماهى الشخوص وما يحيطها مع المكان ومخلوقاته.

قصيدة للنفس

آخر هذه المعارض كان للفنانة أمينة الدمرداش، والمقام في قاعة الزمالك للفن، وقد أطلقت عليه «قصيدة للنفس». وهو بالفعل عبارة عن لوحات تحمل نغمات لونية ــ إن جاز التعبير ــ فكرة اللون وتوزيعه على سطح اللوحة، ثم حالة التجريد التي تجعل من هذا اللون لغة أو مفردة، ومن خلال مجموعة الألوان هذه تتشكل العبارات والمقاطع. الأمر أشبه إلى حدٍ كبير بالشعر، فالأمر يعتمد على ما تولده هذه الألوان من إحساس داخل نفس المتلقي، ليجد الكثير من الحالات وسط هذا الصخب والزخم اللوني، كالغضب والهدوء والتفكير، وإعادة التفكير في الأمر نفسه.
اعتمدت الدمرداش على الألوان الحارة للتعبير عن حالات مختلفة أو شخوص مختلفة، لنا أن نلحظ بعض من التكوينات التي تخفي بين تفاصيلها طبيعة علاقة بين رجل وامرأة، علاقة متفاوتة الدرجات، بداية من التوجس والتفكير وحتى التماهي بين هذه الإجساد التي تتخذ من الطبيعة تكوينها، فما بين امرأة تتشكل من إحدى الأشجار يبدو الرجل جالساً يستظل بشجرة مقابلة، رغم كونه جزءا منها. التجسيد هنا يأتي على استحياء، ولك أن تكتشف هذه العلاقات وسط هذا الكم من الصخب اللوني. الأمر بالفعل أشبه بالقصائد، حيث لا يمكن أن تتواصل مع بيت شعري أو عدة أبيات، بل من خلال القصيدة/اللوحة بالكامل، وما تولده هذه الوحة من إحساسات متباينة نتيجة الألوان وطريقة توزيعها وعلاقاتها وسطح اللوحة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية