أن يُعلن مخرج كبير مثل داود عبد السيد اعتزاله السينما وهو لا يزال قادراً على العطاء مُتعللاً بأن الزمن لم يعد زمنه، فهذا هو الأمر المُحير والمؤلم في الوقت نفسه، فالرجل أفنى حياته في الإبداع السينمائي، واختار لنفسه الطريق الصعب، حيث لم يتبع الرجل هوى جمهور الترسو، ولم يُقايض على قناعاته وتاريخه الفائت بمزيد من الفرص والمكاسب المادية، ليظل موجوداً على الساحة الفنية، لكنه أعطى ظهره مُبكراً لزخرف الحياة السينمائية وبريقها الزائف، وعكف على تقديم ما يؤمن به كمبدع يشعر بالمسؤولية حيال موهبته وقضاياه التي تحملها منذ أن قدم أول أفلامه الروائية الطويلة «الصعاليك» مع الفنان نور الشريف، الذي منحه الثقة وشجعه على المُضي قُدماً في مسار الفيلم الروائي، وهو الضالع في إبداع السينما التسجيلية وأحد فرسانها المهمين.
لم يخلف المخرج الواعد ظن صديقه النجم الكبير، فقد نجح فيلم «الصعاليك» نجاحاً يؤكد الموهبة، ويُنبئ بقدوم طاقة سينمائية جديدة ومُتجددة، لديها القدرة على الإضافة والاختلاف، ورغم أن الرصيد الكمي لداود عبد السيد لا يُضاهي موهبته، إلا أن ما أنجزه فعلياً وخرج على الشاشة كان جديراً بأن يضعه في مصاف المخرجين الكبار، بل يُمكنه من أن يصبح في زمن قياسي رائداً في مجاله وصاحب مدرسة مغايره في لغة التعبير والتوظيف الدقيق لمفردات العمل السينمائي، وقدرات الممثل الخاصة في استخراج ما لديه، ليُصبح جزءا من الشخصية التي يجسدها فلا يُفارقها إلا حين ينتهي دوره ويتحرر من أغلالها فيعود ثانية إلى طبيعته يُمارس حياته بشكل اعتيادي.
هكذا تمكن داود عبد السيد من قيادة الممثل، فسخره لخدمة دورة وتطويع موهبته ليكون دخوله في «مود» الشخصية التي يؤديها، رهاناً محسوباً ومضموناً لتحقيق التميز وبلوغ أقصى درجات الإتقان والإجادة، ولهذا اعتبر داود مُخرجاً استثنائياً لا يلتفت بحال إلى السينما التجارية، وإنما ينزع بالفطرة إلى السهل الممتنع، أي أنه يجمع بين ما يُعجب الجمهور الناضج المهتم، وما يُحقق طموحه في صناعة سينما خارجة عن إطار الاستهلاك المحلي.
في فيلم «الكيت كات» المأخوذ عن رواية «مالك الحزين» للكاتب إبراهيم أصلان، كان التحدي واضحاً من اللحظة الأولى لدوران الكاميرا ووقوف بطل الفيلم «الشيخ حسني» محمود عبد العزيز ليؤدي دوره المُعجز وهو الكفيف الذي يرى بعين البصيرة، ما لم يره المُبصرون، فالشخصية مُركبة ولها مستويات عديدة في التلقي والتعامل والفهم والوعي والتنكيت والتبكيت، فلا مجال للتعامل مع «الشيخ حسني» بوصفه رجلا مكفوفا من ذوي الإعاقة، وإنما هو محض عبقري مشاغب له صولات وجولات وخبرات عديدة كمغامر وصاحب مزاج ومُدخن شره لا يهاب أي صنف من صنوف الكيف، فهو مُتمرس وضالع في السلطنة.
وشخصية بهذه الخصال، لا بد لها من محرك خبير كداود عبد السيد يوجهها ويستفيد من قدراتها، وقد حدث بالفعل، حيث تولى المخرج الواعي إدارة محمود عبد العزيز كممثل، فأهله أفضل تأهيل لتخرج منه السخرية تلقائية كأنها وليدة اللحظة، فيندمج اندماج العليم بكل التفاصيل المحيطة بشخصية المكفوف، فتأتي النتيجة على ما يرام، ووفق المكتوب في الرواية بالضبط.
ولا يتوقف إبداع المخرج المثقف عند شخصية الشيخ حسني فقط، لكنه يعطف على مدار آخر ليصادف شخصيات أخرى بالحيوية ذاتها في فيلم «سارق الفرح» فنطلع على ذلك العالم المجهول الكائن في جمهورية الفقراء ونرى صوراً لشخصيات مختلفة في الطباع والسلوك والأنماط، ما بين لصوص ونبلاء وأناس يعيشون على حد الكفاف، يفترشون الأرض ويتدثرون بالسماء، فيتأكد بيان الحقيقة التي أراد أن يُطلعنا عليها عبد السيد وهي أن الفقر له موطنه وضحاياه وثقافته ومناخه وبيئته، ومن يتكيفون معه قسراً!
وفي «رسائل البحر» يخرج داود عن طوره قليلاً فيقدم رؤية أكثر حداثة لمفهوم الاغتراب في العالم المادي، ويقدم من خلال شخصية الدكتور المثالي آسر ياسين أزمة المثقف، حين يُحاط بأسوار النفعية والوصولية والانتهازية، فلا يجد له مأوى غير الوحدة يحتمي فيها من همجية العالم الخارجي، الذي يأبى التوحد معه ومخالطة من فيه كي لا يخسر نفسه ويصير عضواً في منظومة التواطؤ والبيع والتفريط، غير أنه يجد ملاذه في علاقته بفتاة الليل، باعتبارها ضحية واقع فرض عليها أن تبيع نفسها لمن يدفع أكثر.
وبقدر من فلسفة التعامل مع الواقع بآلياته القاسية، يحاول المخرج الكبير تفسير المشكلة الإنسانية وفق ما يراه ويحسه، فالطبيب المُتعسر في النطق والمنفصل عن الواقع يقترب من الفتاة التي ساقها القدر في طريقة فيعرف معها طعم الحياة ومعنى الدفء، وهي الشخصية المُدانة أخلاقياً واجتماعياً، لكنها في ميزان الإنسانية ربما تكون أفضل من غيرها بكثير، حسب رؤيته الشخصية.
أما فيلم «أرض الأحلام» فهو ارتقاء المعنى الإنساني في توصيفاته كافة، إذ يحصر المخرج الأحداث كلها في ليلة واحدة فتأتي العلاقة بين يحيى الفخراني، ذلك البهلوان السكير والسيدة الأرستقراطية فاتن حمامه، غير مشروطة إلا ببعض المعطيات البسيطة المشتركة بين الطرفين، وهي العامل الإنساني الذي يُجبر امرأة تعتزم الهجرة إلى بلاد الخواجات، على البقاء في بلدها بعد أن لقنها البهلوان درساً خصوصياً في المعنى الأعمق للحياة، وهو أن البقاء في مجتمع آمن ينعم فيه الإنسان بالسكينة والطمأنينة وسط بني وطنه وذويه، أفضل من السفر والترحال والمغامرة، ذلك أن ما تعيش البطلة من أجله وتسعى لتحقيقه في غربة قاسية، يُمكن أن تُحققه وهي على أرضها بلا ضير أو خوف أو مكابدة.
بهذه البساطة يحل داود عبد السيد في فيلم «أرض الأحلام» مُعادلة الفراغ الداخلي الذي يدفع الإنسان للهروب، ويكون حُجة لمنفاه الاختياري أو الإجباري، ورغم كل ما أورده المخرج من دروس وعظات، إلا أنه لم ينج هو نفسه من الإحساس بالإحباط، فقرار اعتزاله السينما والإخراج ليس إلا نتيجة للاكتئاب الذي أصابه جراء اغترابه في واقع قاس لم يحترم ماضيه وتاريخه وإبداعه الفارق والمهم.
كاتب مصري