قرية لفتا المهجرة.. بين انتظار التهويد وبقايا آثار تنتظر عودة الفلسطينيين

حجم الخط
0

تقع القرية العربية لفتا على المداخل الغربية للقدس، وهي تتماثل مع البلدة العتيقة “مي نفتوح” التي تذكر بسفر يهوشع كمن تقع على الحدود بين مُلك يهودا وبنيامين. في أواخر البيت الثاني، كانت في هذا المكان قرية تدعى “بيت لفتافي”. والصليبيون أيضاً أقاموا هناك، وفي العهد العثماني أقيم حول النبعة الوفيرة القرية المعروفة اليوم.

في بداية حرب الاستقلال، أمرت اللجنة العربية العليا النساء والأطفال بإخلاء القرية، وتمترس في بيوتها مقاتلو “النجادة”. ومن هناك راقبوا وقنصوا القوافل في الطريق إلى القدس. هاجم القرية مقاتلو الهاغناة والإتسل والليحي، وانسحبت العصابات. بعد قيام الدولة، أنزل في تلك البيوت الفارغة مهاجرون جدد من كردستان واليمن. كما أن غزاة دخلوا دون إذن سيطروا على بعض من بيوت القرية. في جهود قضائية طويلة وباهظة الثمن أخلي هؤلاء السكان، وأعلن عن المكان محمية طبيعية، ولكن لا يوجد فضاء طبيعي، خصوصاً في بلاد إسرائيل. فالقرية الفارغة وقفت كرمز في عيون أنسال اللاجئين العرب الذين هربوا منها. بعضهم سيطر على بيوت حارة اليهود في البلدة القديمة – وبعد حرب الأيام الستة أخلوا وانتقلوا إلى بلدة أبوديس. وهم يرون في القرية الفارغة من السكان علماً وإمكانية تعبير عن “حق العودة” الخاص بهم. جمعيات من اليسار المتطرف تدعم مطلب العرب للعودة إلى القرية. وتحاول، بنجاح كبير، تخريب خطط الترميم والبناء في القرية.

دولة إسرائيل، وكل مواطنيها اليهود الأسوياء يعارضون بالطبع عودة أنسال اللاجئين. فالعرب هم الذين رفضوا مشروع التقسيم وشرعوا بهجوم إجرامي ضد الحاضرة اليهودية غداة قرار الأمم المتحدة. واستجابت الدول العربية لدعوة عرب البلاد وغزت دولة إسرائيل في يوم قيامها. ولكن أولئك الذين أملوا بإلقاء اليهود في البحر وجدوا أنفسهم لاجئين في بلادهم او في دول مجاورة في نهاية الحرب- حفروا الحفرة فوقعوا فيها، وما بيتوه حصل لهم. هذه هي العدالة التاريخية. عشرات آلاف قليلة فقط من أولئك اللاجئين بقوا في أيامنا، ولكن أنسالهم، بمن فيهم أبناء الجيل الخامس، لا يزالون يطالبون بالعودة. أكثر من خمسة ملايين منهم مسجلون في وكالة الغوث (الأونروا) كلاجئين. سنت دولة إسرائيل في العام 1950 قانون أملاك الغائبين الذي يصادر ممتلكاتهم. معظم البلدات العربية دمرت في الحرب أو بعدها، وتلك التي بقيت على حالها، سكن معظمها مهاجرون جدد، بخاصة لاجئون يهود من البلدان العربية.

وهذا ما حصل أيضاً في لفتا، ولكن بيوت القرية كانت في وضع سيئ، ولم تكن فيها بنى تحتية حديثة. وبالتدريج، أخلت دولة إسرائيل المهاجرين وكذا الغزاة الذين دخلوا إلى بيوتها. الدولة لم تهدم القرية الجميلة، ولكنها لم ترممها مثلما فعلت في المالحة أو في عين كارم. وبقيت الخرائب على قفرها.

***

في المجلة القديمة “الأمة” (العدد 221، شباط 2021) نشر مقابل يئير غباي، الذي كان عضواً في مجلس بلدية القدس وفي اللجنتين (المحلية واللوائية) للتخطيط والبناء. ويصف المجال قضية مخططات البناء في القرية العربية المهجورة.

بعد تأخير طويل، وقبل 15 سنة، نشرت مديرية أراضي إسرائيل خطة حماية وترميم وبناء جديد للسكن وفنادق في لفتا. رفع بعض من أنسال لاجئي القرية اعتراضاً على الخطة، وطالبوا بالبيوت والأراضي. بحثت اللجنة اللوائية – وردت ادعاءاتهم. جمعية اليسار المتطرف “نتذكر” اعترضت هي الأخرى بدعوى أن الخطة “تتجاهل حقوق اللاجئين في العودة إلى بيوتهم”. واعتراض كارهي إسرائيل رد هو أيضاً. وفي ختام هذه الإجراءات، نشرت مديرية أراضي إسرائيل عطاء لتأجير قطع الأراضي للبناء. ولكن العرب وجمعية اليسار المتطرف (حاخامون من أجل حقوق الإنسان) رفعوا التماساً إلى المحكمة لإلغاء العطاء إلى أن تستكمل كل مخططات الحماية والتخطيط المفصلة.

وفهم كل من تابع اعتراضات ترميم لفتا بأن ثمة نية لإبقاء القرية على وضعها كي تتاح في يوم من الأيام عودة العرب إليها. ولكن المحكمة المركزية في القدس أغمضت عينيها كيلا ترى بأنها هي أيضاً تعطي يداً لتعزيز “حق العودة” للعرب. في العام 2012 ألغت العطاء، وقضت بوجوب إجراء ونشر “استطلاع حماية شامل” كشرط لنشر عطاء جديد. وبتقدير المحكمة – كانت هناك حاجة لنحو ثلاثة أشهر لاستكمال العملية.

ثماني سنوات مرت منذئذ، ثماني سنوات باهظة. في بداية سنوات الدولة، أملت الفكرة الصهيونية والعدالة الطبيعية وسياسة حكومة إسرائيل (مباي بن غورويون، كما تتذكرون) استيطاناً يهودياً سريعاً في اأاحياء والقرى التي هرب منها العدو العربي. كانت وحدة الهدف الصهيوني وطرق تحققه مقبولة على كل أجزاء شعب إسرائيل، من اليمين واليسار. ولكن ما كان يمكن عمله في تلك السنين بات أصعب بكثير بعد خمسين سنة. الفكرة الصهيونية للاستيطان في كل أجزاء البلاد كأنها انطفأت. كارهو إسرائيل من الداخل قاموا علينا، وكذا متضامنون مع العدو العربي لحرب الاستقلال ومع أنسال أنساله، وجعلوا أنفسهم جنوداً في خدمة العرب. والمحاكم في عهدنا لم تعد تلقي بهم عن الدرج، فهي منصتة لادعاءاتهم وتساعدهم على دق العصي في الدواليب.

***

غير أن الموظفين العموميين أيضاً لم يعودوا مفعمين بالحماسة لخلافة العدو والسيطرة على الأرض مثلما كان آباؤهم. ثماني سنوات مرت ولم ينشر بعد أي عطاء جديد للفتا. في العام 2013 بدأت سلطة الآثار بتنفيذ استطلاع شامل، كما طلبت المحكمة.هذا الاستطلاعا لذي قد ينتهي بثلاثة أشهر جرّ لثلاث سنوات. كل حائط وكل خربة من 80 بيتاً في القرية وثقت ورسمت وتلقت علامة عالية بسبب “القيمة المشهدية”. القرية في معظمها إن لم تكن كلها، من العهد العثماني. بني بعض من بيوتها على بقايا بيوت أقدم، ولكن لم يعثر على بقايا أثرية مهمة، ربما بسبب إعادة استخدامها في كل العهود، مثل: بقايا بيت ومزرعة صليبية على أساسات من العهد الروماني، وبقايا بيوت بد، ومبنى استخدم مسجداً، النبعة الوفيرة وأكثر من 80 بيتاً أو خربات بمستويات هدم مختلفة. يوصي الاستطلاع بحماية كل القرية كوحدة واحدة. وفي واقع الأمر، فإن استعادة القرية ورفعها إلى الوضع الذي كانت عليه قبل 70 سنة، مثابة نصب تذكاري للقرية العربية.

استكمل الاستطلاع الشامل قبل خمس سنوات، ولكنه لم ينشر بعد عطاء تسويق جديد. توجهتُ لسلطة أراضي إسرائيل كي لأقف على السبب، فكان هذا جوابهم: “وفقاً لقرار المحكمة، عينت سلطة أراضي إسرائيل كجزء من الخطة ملحق حماية للقرية بكاملها، أعدتها سلطة الآثار… ولاحقاً، وضعت خطة تدمج 169 وحدة سكن جديدة ومئة أخرى للحماية، وكذا فنادق بحجم 120 غرفة. في إطار الإعداد للانطلاق إلى تسويق الخطة، تستكمل سلطة أراضي إسرائيل هذه الأيام معالجتها بسلسلة من الموانع (التسجيل، الإخلاءات، معالجة الغزوات). كما يشار إلى أن العطاء يفترض أن ينطلق بالتنسيق مع بلدية القدس. وحتى هذا الوقت لم تصل موافقة من البلدية للتسويق”.

ولما كانوا دحرجوا الكرة إلى بلدية القدس، توجهت إليها، وهكذا رد لي الناطق بلسان البلدية: “المنطقة موضع الحديث هي منطقة طبيعية ذات متطلبات حماية متشددة تجعل خطط البناءفيها صعباً. في ضوء قلة الأراضي الخضراء في المدينة، تعمل البلدية على حمايتها وتشجيع خطط بناء في ظل تشديد على خطط التجدد البلدي وتقليص المس بالبيئة والأراضي الخضراء”. جملة مغسولة على نحو عجيب لن تخفي أن البلدية لم تقر خطط البناء حتى بعد مرور 15 سنة.

القرية العتيقة “مي نفتوح”، لفتا، في انتظار إحيائها. غير أنه هناك كثيرين على ما يبدو يفضلون بقاء خرائبها.

بقلم: البروفيسور آريه الداد

معاريف 5/3/2021

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية