«قصة ثلاث شقيقات» لأمين ألبر… فتيات يحلمن بمدينة بعيدة

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: سيارة تنطلق في ذلك الفضاء المهيب لهضبة الأناضول. تقل السيارة فتاة دامعة ذات وجه بريء. تبدو السيارة كنقطة متناهية الصغر وسط هذه القمم التي تبدو لنا كناظرين إليها عن بعد ذات جمال يخطف الأنفاس. ولكن ماذا عن تلك الفتاة التي تستقل السيارة: أتراها تبكي لعودتها إلى هذه التلال أم لمغادرتها؟

هكذا يبدأ فيلم «قصة ثلاث شقيقات» للتركي أمين ألبر، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي (7 إلى 17 فبراير/شباط). يؤهبنا ألبر إذن منذ بداية الفيلم إلى أن تلك الهضبة المترامية الأطراف هي الكيان المهيمن على حياة الجميع في هذه المنطقة، وتتقزم في المقارنة معها حياة الجميع، لاسيما إن كانت هذه الحيوات لثلاث فتيات لا يملكن سوى الحلم.
يتضح لنا لاحقا أن السيارة تقل حواء (هيلين كانديمير)، الشقيقة الصغرى لتعود إلى منزل أبيها في قرية صغيرة في الأناضول، من بيت مخدومها في المدينة البعيدة. هناك في هذا المنزل المتواضع الصغير تلتقي حواء بشقيقتيها الكبرى ريحان (جمري أبو ضياء) والمتوسطة نورهان (إيشي يوكسل)، اللتين خبرتا أيضا العيش في المدينة الكبيرة، وعدن منها متمنيات العودة إليها، حتى لو كخادمات لأحد الميسورين من أبناء القرية الذين غادروا للمدينة.
لا شيء سوى السأم وشظف العيش ينتظر الجميع في تلك القرية النائية، حتى أن والد الفتيات الثلاث يسعى جاهدا لإعادتهن للعمل في المدينة، ليس فقط لضيق ذات اليد، أو لأن مدخولهن يعينه في تدبير القوت، بل لأنه يحلم أن تتزوج بنتاه غير المتزوجتين من رجل يقيم في المدينة حيث التعليم والخدمات، ليكون حالهن أفضل من بنته الكبرى المتزوجة من فقير من فقراء القرية التي لا زاد فيها ولا خدمات. هو فيلم لا يصرح بالكثير عن واقع الحال في تركيا، ولكن تكفينا ملاحظة هذه الرغبة العارمة والمحاولات المستميتة لمغادرة القرية، لندرك مدى تردي الأوضاع بعيدا عن المدن الكبيرة في تركيا. يكفينا أن أحدهم شنق نفسه، ونرى جثمانه وسط الفراغ المثلج للقرية الموحشة، لأنه فشل في مغادرة القرية، التي لا خدمات فيها ولا تعليم، وحين يتساقط الجليد، تتقطع السبل بالجميع، فلا يمكن حتى غوث المريض، مثلما حدث حينما مرضت نورهان.

قصة الشقيقات الثلاث ليست فقط قصة الرغبة في مغادرة المدينة، ولكنها تكشف الكثير عن العلاقات الأسرية، وعن التنافس بين الشقيقات، وعن الغيرة الكامنة في الأنفس، رغم حب الشقيقات لبعضهن بعضا.

لكن قصة الشقيقات الثلاث ليست فقط قصة الرغبة في مغادرة المدينة، ولكنها تكشف الكثير عن العلاقات الأسرية، وعن التنافس بين الشقيقات، وعن الغيرة الكامنة في الأنفس، رغم حب الشقيقات لبعضهن بعضا. هن جميعا يتنافسن للحصول على رضا نجاتي بك (كوبلاي تونجر) الطبيب الذي تعود أصوله للقرية، والذي توالت الفتيات على خدمته هو وزوجته وطفليه. يمتزج لدى الشقيقات الشعور بالنفور من مكانتهن الطبقية المتدنية، التي تجعلهن مجبرات على خدمة ذلك الثري، ومن الرغبة في العودة إلى المدينة حتى إن كان ذلك يعني تبديل الفراش، إذا بلله ابن الطبيب الصغير وغسله في برد الشتاء. التنافس بين الشقيقات، لا سيما الصغيرتين، مكمنه هو النفور من القرية والرغبة في العودة للمدينة، فالفتاتان كانتا خادمتين عند نجاتي بك، وتتنافسان للعودة إلى منزله.
وتكشف قصة الشقيقات الثلاث قصة كل الفتيات وعلاقتهن بالجنس. تحيط الشائعات بالشقيقة الكبرى، وعن طفلها وعن أبوته ونسبه، وهي بالنسبة لشقيقتيها المرجع عن ذلك المجهول الكبير، الجنس، الذي يرغبن فيه ولا يفهمنه. هن في مجتمع لا يسمح لرغباتهن أن تشبع ولا لأجسادهن أن تُرضى. كما أنهن محاطات بكل الخرافات عن جسد الرجل وعن عضوه الذكري تحديدا، الذي كان مثارا للنقاش في أحد أكثر مشاهد الفيلم حميمية. هن فتيات تفور أجسادهن وتضج بالرغبة، كما يمور ذلك الوعاء الذي يحوي شراب العيران الذي يصنعن منه الشراب للضيف الثري.
قرية تجثم فوقها التلال المحيطة ويعزلها الجليد والجهل والفقر عن العالم، وعن أي شيء قد يثير البهجة في قلب فتيات يحلمن بالحياة. لا غرابة إذن أن الوجه الوحيد المبتسم والشخص الوحيد الذي يتقافز طربا على الجليد هو مجذوبة القرية، التي ذهب عقلها لأسباب لا نعلمها، أو ربما ذهبت به الوحشة في خضم هذا الخواء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية