يُنقل عن ماركس قولته الشهيرة إن التاريخ يُعاد مرتين: مرّة كمأساة، وأخرى كمهزلة. المرة الأولى المأساة كانت عندما ذهب الرئيس ياسر عرفات إلى الأمم المتحدة عام 1974، نادى مستمعيه من ممثلي دول العالم بأن “لا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي، لا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي”، وإلا فإن البديل هو بندقيّة الثائر. وعلى الرّغم من الإطار المسرحيّ للكلمة، وتعسّف الخطيب في تشكيل الكلمات، إلا أن النصّ ذهب مثلاً في التحذير من مغبّة ترك (المجتمع الدّولي) الأمور على غاربها في هوامش العالم كي تتطّور وفق منطق الأزمة الدّاخليّ دونما تدخّل من أطراف فاعلة للجمّ الأمور، إذ أن البديل قد يكون عندها مروعاً ومكلفاً للجميع دون استثناء.
أمّا المرة الثانية المهزلة، فهي مشهديّة سرياليّة تضجّ بها حناجر الإعلام اللبناني منذ مدّة – غياب اللحمّة من مائدة الجيش – في ذاك الوطن السورياليّ.
وكأن خيالاتي تنصت لشبحِ صوتٍ يترنح أمام المانحين الدوليين في مؤتمر باريس الأخير المخصص لدعم الجيش اللبناني (الخميس الماضي) عندما وقف جوزيف عون، قائد الجيش وكأني به يحذو حذو الرّاحل عرفات، لكنّه – وفق خبر صحيفة “الغارديان” البريطانيّة عن انقطاع البروتينات من وجبات جنود جيش الكرامة والشّعب العنيد – فيحذّر العالم أن “لا تُسقطوا اللّحمة الحمراء من وجبتي، لا تُسقطوا اللّحمة الحمراء من وجبتي”، وإلا فإن البديل كارثة ووبال.
لا شكّ أن الانهيار الاقتصادي الذي يُفتت عظام لبنان يتسارع ساعة بساعة، فتفقد (الليرة) من قيمتها يومياً، وتخرج المزيد من أسعار الأغذية الأساسية بعيدا عن إمكانات الأكثرية، مرتفعة عدّة مرّات خلال الأسبوع الواحد، ناهيك عن أزمات الدقيق والوقود وحليب الأطفال والأدوية، ومحدودية إمدادات الكهرباء وتعسّف البنوك، وتخلخل الإدارات الحكوميّة مع شبه غياب تام لأي أنظمة للتقدمات الاجتماعيّة. لكن هذا شيء، وأن يُطلق الجيش اللبناني نداءات التسّول وأنّ جنوده جائعون ولا يجدون ما يقيم أودهم – كما في خطاب عون أمام ضباطه في مارس/آذار الماضي ونُقل على شاشات التلفزة – فهو أمر غير معتاد أبداً في تاريخ الجيوش المعاصرة، ويُطيح بمكانة وهيبة جيش البلاد الوطني في وقت تتعاظم الحاجة إلى دور هذه القوّة تحديداً في ضبط الأوضاع ومنع انهيار البلد أو تقسيمه بين الأطراف المتنافسة، ناهيك عن محاولة المؤسسة العسكريّة مخاطبة الدّول مباشرة وانتقاد القيادة السياسيّة للبلاد، والجأر بالشكوى عن انخفاض الرّوح المعنوية للجنود مما اعتبره كثيرون بمجموعه بمثابة نادرة تاريخيّة أخرى تسجّل باسم هذا البلد العجيب.
ومع ذلك، فإنه وبغضّ النّظر عمّا انتهى إليه مؤتمر التسوّل الدّولي الباريسي لدعم الجيش اللبناني من فشل ظاهر، وتكرار رفض الدّول المانحة لتقديم أيّ مساعدات (ماليّة) عاجلة وفق طلب قيادة الجيش، والانتقادات الدّوليّة التي وجهت لتلك القيادة لتسولها اللجوج الغامض دون تقديم طلبات مساعدة محددة خارج إطار الأموال السائلة (لوجستيات ومعدات وتموين)، فإنّ الحقيقة الساطعة هي أن المؤسسة العامة الوطنيّة الأخيرة في لبنان، التي يمكنها المحافظة على الحد الأدنى من تماسك الجمهوريّة، ورمزيّة الدّولة في وجه الاستقطابات السياسيّة وطموحات الانعزال لدى بعض الطوائف المذعورة، ومنطق الفوضى الشاملة، حيث الجميع يتقوقع ضد الجميع، هذه المؤسسة تعانى – كما يعاني بقيّة اللبنانيين – من عقم سياسة النخبة المهيمنة على مقدرات البلاد وتخندقها في الدّفاع عن مصالحها الشخصيّة، وتعقّد اللعبة الإقليميّة، وأعراض النهب المنظّم والسّياسات الفاشلة عبر مئة عام من تجربة الكيان اللبنانيّ.
تغييب الجيش: وصفة الحرب الأهليّة
مكمن الخطورة هنا، مُتأتٍ أساساً من أن تغييب مؤسسة الجيش في لبنان يعني حُكماً اشتعال الحرب وتفتت المجتمع. وبحسب الخبرة التاريخيّة لهذا البلد، فإن دور فؤاد شهاب عندما كان قائداً للجيش في أزمة 1952 ولاحقاً أزمة 1958 ورفضه انخراط الجيش في الصراع السياسي الطائفيّ الطابع في البلاد، ومنعه مختلف الأطراف من السيطرة على المرافق الاستراتيجية في الجمهوريّة كان – رغم كل انتقاد وجه له حينها – أساسياً في تمكين البلد من عبور تلك الأزمات، وإعادة ترتيب الأوراق خارجياً وداخلياً لمصلحة حلول تكفل حدوداً دنيا من الاستقرار. أمّا عندما انقسم الجيش طائفيّاً في 1975 فإن حرباً أهليّة بين المكونات فتحت الباب مشرعاً لعرس دم شارك به القريب والبعيد ودفع ثمنه أكثر من مئة ألف قتيل وعشرات آلاف الجرحى والمفقودين والمهجرين وآلام ودموع لم يجف بعضها إلى الآن.
لن ينقسم.. قد يندثر
وإذا كان خطر انقسام الجيش اللبناني طائفيّاً قد يكون مستبعداً أقلّه في الوقت الحالي، فإنه وكما ينام ويفيق الإعلام اللبناني بشاشاته ومنابره يُعلي الصوت يُواجه في المقابل خطر الاندثار والتحليل، بعدما فقد الضباط امتيازاتهم التي اعتادوا عليها دهراً، وتراجع دخل الأفراد المجندين الشهري لأقل من دولارين في اليوم بالقيمة الفعليّة وهو ما يضع عملياً غالبيّة القوّة المقاتلة في دائرة الفقر المدقع الذي عمّ ما يقارب 60 في المئة من السكان – وفق بعض التقديرات والتقارير الدّوليّة -.
هذه الضغوط على مستوى العسكريّ الفرد، والتي نعايشها يومياً في نشراتنا الإخبارية، والتي تتجاوز العقائدي والطائفي والثقافيّ إلى دائرة تعسّر كسب العيش وتعذّر مواجهة أبسط متطلّبات الحياة دفعت ضباطاً عديدين إلى ترك الخدمة وربما الهجرة خارج البلاد، فيما سيكون آخرون حتماً أهدافاً رخوة للاختراق من قبل الأجهزة الاستخباريّة المعادية – بما في ذلك (إسرائيل) بشكل خاص – ولن يسهل في المستقبل المتوسط جذب أعداد كافية من الشبان المتعلمين لاختيار مهنة عسكريّة -. فيما يتعرّض المجنّدون إلى أجواء عمل مشحونة وشديدة التطلّب مع تفشي الجريمة وتعمّق العداوات الطائفيّة وتوتر الأجواء في الإقليم مقابل بدل مادي لا يكفي لشاب عازب فيما قطاع عريض منهم لديهم عائلات ينفقون عليها، وربما كباراً في السن يتولونهم بالرعاية، ولن يمكن للعديدين منهم الاستمرار في الصيغة الحاليّة طويلاً، وسيضطرون لترك الخدمة أو التهرّب منها للبحث عن رزقهم في مكان آخر.
«يبدو الأمر الآن أشبه بدولة فاشلة»
وكأنها قصة جوع معلن يتلوها علينا الإعلام اللبناني لحظياً، فهذا الوضع الحرج الذي تجد فيه المؤسسة العسكريّة الوطنية نفسها ومن ورائها أكثرية الشعب اللبناني، يوازيه فقدان رغبة سياسيّاً في مدّ يد المساعدة من قبل الدول الفاعلة. وبعض ذلك قد يكون متأتياً من حسابات سياسيّة محضة مرتبطة بصراع المحاور عبر الإقليم، لكّن المؤكد أن كثيراً من الجهات الأخرى الأصفى نيّة تجاه البلد تجد أن ضخّ المزيد من الأموال لن يحلّ المشكلة بعد أن تكشّفت شبكات المحسوبية التي تدير السلطة وتثري أفراداً وعائلات بعينها على حساب البقيّة. وتدرك هذه الجهات تماماً أن إصلاح تلك الشبكات التي كرّسها اتفاق الطائف ودولة المليشيات التي نشأت عنه سيكون مهمّة شبه مستحيلة، في وقت تراجعت فيه أهميّة لبنان في بازار السياسة الدّوليّة.
ونقلت إحدى الوكالات عن مسؤول أوروبي قوله عن القيادات اللبنانية: “أننا نرجوهم أن يتصرفوا كدولة عادية، وهم يتصرفون وكأنهم يبيعون لنا سجادة”، “لقد فقد لبنان لمعانه، ويبدو الأمر الآن أشبه بالتعامل مع حالة دولة فاشلة”.
هذا بالطبع يحدث بينما تتراكم ثروات شبكة الأفراد والعائلات التي تهيمن على البلاد في البنوك الدّوليّة بالمليارات. ولعل إفصاح سويسرا – وهي مجرّد وجهة واحدة لتهريب وتبييض الاموال – مؤخراً عن وصول أرصدة لبنانيين أفراداً في نظامها البنكي إلى أعلى مستوياتها التاريخيّة خلال العام الماضي (ما يقرب من 7 مليارات دولار أمريكي).فكيف تشحذون اللحمة إذن؟
* إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن