قصتي مع فلسطين وحلم العودة الذي يبقى

حجم الخط
1

قالوا ان جذوري تعود إلى إحدى قرى يافا فلسطين، وحدثوني مرة تلو مرة عن بياراتها وحمضياتها، حتى ظننت أن مذاق حموضتها يذوب في فمي حد الارتواء والشبع في آن واحد. لم أزرها أبداً، ولا أعلم عنها إلا كثيراً من ذكريات أجدادي وقليلاً من صور انتشرت هنا وهناك. حالي في البحث كطفل يتيم يطرق مضارب الأرض سعياً وراء حقيقة، وأملاً في عطف أم رؤوم فقده على حين غرة. المشاعر غزيرة كلما رأيت خارطة فلسطين الكاملة في كتب التاريخ. ليس ذلك فحسب، بل تكاد تقض مضجعي ساعات السحر، وما أنا بمدرك لأحداث مستجدة كل لحظة. تطل هذه الأيام ذكرى انتفاضة فلسطين الأولى (8 كانون الاول/ ديسمبر) بكل ثقلها لتعمر الكيان أكثر فأكثر بوهج الحرية، وألق الوطن، وعشق الزمان والمكان. رب انتفاضة بدأت بحجر حملته يد فلسطينية أصيلة، لتقاوم واقعاً قاسياً بكل حيثياته.
أراد رب البلاد والعباد أن يستقر مقامي في أرض فلسطين لأيام معدودات، وتحديداً ضمن حدود الضفة الغربية. اللحظة الأولى لرؤية جزء من فلسطين كانت هائجة ثائرة، لم أختبر يوماً شيئاً مماثلاً بدفقه وقوته. فصفتي في هذه القصة زائر في رحلة عمل، وسمتي في أوراق الأمم المتحدة لاجىء في أصقاع الأرض، مع أن حقيقة الحال أن هذه الأرض الوطن، وظل أشجارها الملتجأ ساعة غدر الدهر، وعلو سمائها سقف الطموحات والأماني. واجهتني كثير من الحواجز العسكرية، وفي كل مرة يسأل الجندي المحتل عن أوراق ثبوت سفري، والحيرة تفتك بالجسد رويداً رويداً، والقلب لا يعرف أي حالة أنا أعيشها. أقدم الأوراق على مضض أملاً في مقابلة حلم وطن. أستمر في الرحلة، حتى حان اللقاء، وتلاقت الروح مع الوطن المحكي عنه بكثافة في ذكريات الأجداد والأحباب. كان بهياً جميلاً لم تنصفه الروايات القديمة، ولم تعطه جزءاً من حقه؛ فهو الجنة وأي جنة. ‘ها هي فلسطين يا حسام’ أحدث نفسي دون وعي، وأهذي من وقع المفاجأة. فعلى الرغم من معرفتي مسبقاً أني قادم لرؤية فلسطين، إلا أن لحظة اللقاء تركتني صامتاً مشدوهاً لا أقدر فيها أن ألملم بقايا كيان وذرات جسد!
حاولت كثيراً أن أعبر الجدار الفاصل وحواجز عسكرية جمة كي أصل إلى القدس، وأصلي ركعتين في المسجد الأقصى، وأكحل عيني بمنظر كنيسة القيامة، لكن بلا فائدة ترجى! فأوراق سفري كانت صادرة حصراً لأراضي الضفة الغربية، وغير مسموح البتة زيارة القدس أو يافا مكان جذور أجدادي. أشكو همي وبثي لأهل فلسطين، وأفاجأ أن كثيراً منهم لم يزر المسجد الأقصى من سنين طويلة. ولتزيد القصة قسوة هو أنك تلمح من بعيد خيال قبة الصخرة، لكن زيارتها من المحرمات المفروضة قسراً. فالقدس اجتمعت فيها الأضداد، وباتت البعيدة القريبة. أواسي النفس، وأعتزم زيارة ما أمكن من مدن وقرى الضفة الغربية، علَ غليل شوق ينطفئ، وحرارة حنين تقل. خلال تجوالي في الضفة الغربية، جاءت مدينة أريحا ضمن قائمة المدن المنشود زيارتها. ركبت المواصلات العامة، والوجهة أريحا، وكل الأمل أن ألتقي أهلها، وأن أشاركهم المأكل والمشرب. لكن هذه الرحلة لم تكن كما تمنيت، بل فاقتها وتجاوزتها بمسافات. فهناك التقيت برجل أعاد لي إيمان كدت على وشك أن أفقده، وعزَز ثقتي بمستقبل أمة وحلم وطن، وأكَد المقولة الدارجة: ‘الدنيا لسه بخير’!
كان اللقاء مع رجل أريحا غريباً بعض الشيء، وسمرة بشرته كانت تدل على شهامة عربي، وتجهم ملامحه تحكي مصاعب يداهمها كل يوم في الترحال بين مدن فلسطين. لا أخفي أني كنت متوجساً منه بعض الشيء، لكن الانطباع الأول سرعان ما تحول إلى احترام وتقدير عز مثيله. أوقفتنا دورية عسكرية، وأخذ الجندي يوجه كلامه بالعبرية للركاب، وأنا لا أدري كنه الحوار وماهية المقصود. لاحظ الجندي دهشة صقلت على خلايا وجهي، وبدأ بالصراخ عليَ أكثر، ودهشتي ما فتئت تتحول لغضب عارم. فجأة، تدخل الرجل من أريحا، وبدأ بترجمة الحوار بيني وبين الجندي، وحلَ موضع الجدل، وسارع إلى طمأنتي حال معرفته أني غريب عن هذه الديار. وصلت الحافلة إلى أريحا، وشرعت في لملمة حقائبي، والرجل يراقبني عن كثب. سألني عن مقصدي، ولم يأب تركي حتى الاطمئنان عليَ. استضافني في مقهى شعبي، وعرَفني على أهله وأقاربه، وحدثني عن تاريخ أريحا، وحكى لي عن قصص مقاومتهم وتضحيات أبنائه. كنت أنتظر صديقاً لي ليلاقيني في أريحا، إلا أنه تأخر أربع ساعات بالتمام والكمال بحكم الحواجز العسكرية. خلال هذه المدة، لم يقتنع الرجل بمغادرتي وتركي وحيداً. حاولت عشرات المرات، لكنه كل حين يزداد تصميماً على الترحيب بي، وأكثر من ذلك. رافقني في جولة في شوارع أريحا، وأصر أيما إصرار على وجوب زيارة القرية التي ولد فيها أبي. كان عنده معظم الأمل أن أبيت في بيته هذه الليلة. لم يغادرني لحظة رغم عدم معرفته بي مسبقاً، ولم يطمئن إلا بعد وصول صديقي، وتمت صفقة الاستلام والتسليم.
انتهت رحلتي إلى فلسطين سريعاً، وقصتي مع هذا الرجل أجابت كثيراً من التساؤلات كنت أحملها في داخلي، وأثرت العشق الدفين تجاه فلسطين، وقدَمت براهين على حال أهل فلسطين. فإذا كان هذا حالهم مع الغريب، ما موقفهم مع أرض الوطن؟! فواقع رجال ونساء فلسطين الشهامة والنخوة العربية، وقصتهم المقاومة وإن تخلى عنهم البشر. القصة ليست مربوطة بمجرد تاريخ؛ فهي حلم ما انفك يحدث أحلامهم، ووطن لن يتنازلوا عنه مهما كان. واللاجئون في الشتات ليسوا أقل شأناً؛ فكل يقاوم بطريقته ونهجه وأسلوبه من مكان إقامته. بعض الفلسطينيين بالحجر، وبعضهم بإحياء التراث الفلسطيني في روح أطفالهم، والبعض الآخر بالقلم. فلسطين لم تكن يوماً مجرد أرض، بل هي حلم وطن وحكاية مقاومة ورسالة أجيال وثورة عز. فالحق لا يموت إلا بتوقف صاحب الحق عن المطالبة بحقه، ولن ندخر جهداً في رواية حكاياتها وأساطيرها للقاصي والداني، والمطالبة بها قطعة كاملة من النهر إلى البحر. قالها ناجي العلي سابقاً، وأختم بها أفكاري الآن وكل لحظة: ‘فلسطين ليست بالبعيدة أو القريبة، بل بمسافة الثورة’ !
حسام خطاب
الاردن
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية