قصر الأخيضر غربي العراق معلم حضاري يثير أسئلة غياب التاريخ وتغيير الأسماء

علي لفته سعيد
حجم الخط
0

وأنت تتجه غربا من مدينة كربلاء إلى محافظة الأنبار أو سالكا طريق الحج البري الذي يربط العراق بالمملكة العربية السعودية، وبعد أقل من 60 كم سيصادفك قصر وسط الصحراء مربع الشكل له جدران عالية مبنية من طابوق يصد العواصف مثلما يصد الحروب التي شهدها العراق. وحين تسأل سيقال لك انه قصر الأخيضر، الذي يبعد عن مدينة عين التمر المحاذية لمحافظة الأنبار بنحو 22 كم جنوبا، وسيقال لك انه يعد من أهم الآثار التاريخية في العراق، ليس لأنه معلم حضاري بل لأنه هندسة معمارية غاية في الروعة وهو يشير إلى قدرة الإنسان على استغلال المكان ومعرفة الزمان لإنتاج ما يمكن أن يكون له حصن خاصة وأنه يقع في منطقة صحراوية تحيطه من جهاته الأربع. لا شيء قربه إلا بحيرة الرزازة التي تبعد مسافة تزيد على 20 كم وهي لم تكن موجودة في ذلك الزمن الذي أنشئت فيه أو تم بناؤه. مثلما يثير الكثير من التساؤلات التي ظلت بلا أجوبة عن بنائه ومن يقف وراءه وفي أي حقبة زمنية.

وصف أولي

يقول الباحث جاسم حسن فرحان المطيري ان هذا الحصن يتكون من ثلاثة قصور متقاربة، يحيط بها سور عظيم لم يبق منه غير الأنقاض وتم بناؤه من حجر وجص. ويتألف من حصن كبير داخله قصر فخم وإلى جانبه بناية محصّنة منفصلة عن البناية الأصلية. ويضيف ان الحصن مربع الشكل يبلغ طول كل ضلع من أضلاعه 17 مترا، أما القصر فمستطيل الشكل يبلغ عرضه 80 مترا وطوله 110 أمتار. ويوجد في مدخل هذا القصر دهليز فخم يعلوه طاق مرتفع، أما الجامع فيقع في الجهة الغربية من الدهليز وجدرانه الخارجية مجهزة بسلسلة أبراج من جهاتها الأربع، والأبراج الكائنة في الزوايا تستوقف الأنظار أكثر من غيرها بطبيعة الحال غير إنَّ البرجين الواقعين في وسط الجهتين الشرقية والغربية يحتويان على آثار معمارية أهم من جميعها.

الاسم وتغيّراته

حتى الآن لم يستقر الرأي عن سبب تسميته بقصر الأخيضر، لكن بعض الباحثين يقولون ان الاسم أطلق نسبة للمكان، حيث كانت تنتشر الخضرة فيه، أو انه مجرد اسم أطلقه أحدهم في الفترة القريبة، بل هناك من يقول ان البعض ذكر قصر بني مقاتل الذي يشغل المكان ذاته الذي يشغله الأخيضر أو المحاذي له عند الوادي الأبيض. ويعتقد البعض ان يكون البلاذري وقد ذكر ذلك في كتابه “فتوح البلدان” ان قصر سابور الذي يعرف اليوم بقصر “عيسى بن علي” فيكون قصر سابور هو الأخيضر ثم أجرى عليه عيسى بعض التغيير. وينقل البلاذري في الكتاب ذاته رواية أبي مسعود الكوفي “ثم عبر المسلمون جسرا كان معقودا عن قصر سابور الذي يعرف اليوم بقصر عيسى بن علي، فخرج إليه خرزدان بن ماهبنداذ وكان موكلا به، فقابلوه وهزموه، ثم أتو عين التمر”. وهو يؤكد ان الفتوحات الإسلامية التي كانت تتخذ من العراق طريقا أو مكانا للقيادة أو التعبئة تتخذ من هذا القصر مكانا للإقامة لكن الاسم يتغير حسب من يسيطر عليه بتغييرهم وتغير العصور.

التاريخ

مثل ما يواجه هذا القصر معضلة التسمية يواجه أيضا معضلة تاريخ إنشائه وهنا تكمن الحيرة رغم أنه وبشكل مؤكد ليس بناء أثريا من زمن البابليين أو الآشوريين أو أي حضارة عراقية قديمة، ولكن هذه المعضلة ظلت مرابطة للمكان لتزيده هالة البحث مثلما تزيده هالة الإعجاب بطريقة البناء.

يقول الباحث المطيري، لقد اختلفت آراء الباحثين حول زمن بناء الأخيضر فمنهم من يقول إنه بني قبل الإسلام ومنهم من يقول في العصر الإسلامي والمؤرخون مجمعون على أنه من مباني العرب في العصر الإسلامي، غير إنهم اختلفوا في تاريخ البناء وفي العصر الذي بني فيه، ولكن الرأي الأرجح عندهم والكلام للمطيري، هو أنه من الآثار العربية الإسلامية ومن عمارات النصف الثاني من القرن الثاني الهجري اعتمادا على نوعية البناء ودراسة اللقى التي عثر عليها خلال التحريات الأثرية في الموقع. ولم يعرف تاريخه بالضبط لعدم وجود كتابة أو إشارات على جوانب القصر أو الحصن.

وما قاله البلاذري في كتابه ربما يعد مرجعا آخر فيقول “فلما أتى خالد بن الوليد عين التمر سنة 12 هجرية فألصق بحصنها (حصن الأخيضر) فخرج أهل الحصن فقاتلوا ثم لزموا حصنهم فحاصرهم خالد والمسلمون حتى سألوا الأمان فأبى أن يؤمنهم وافتتح الحصن عنوة وقتل وسبى ووجد في الكنيسة هناك جماعة سباهم (والكنيسة لعلها التي جعلها المسلمون مسجدا كما جعلوا غيرها في البلاد المفتوحة) وقيل إن خالدا صالح أهل حصن عين التمر وهو ما يقوله البعض”. وحسب هذه الأقوال فإن القصر قد شيد قبل الإسلام ويشير المطيري في إجابة له أنه سأل المؤرخ الحاج شاكر مكاوي عنه وقال إن قصر الأخيضر بني قبل الإسلام في حكم المناذرة في عهد الملك جذيمة الأبرش بن مالك بن فهم وهو أحد ملوك الحيرة، وقد أشتهر هذا الملك في بناء القصور فبنى قصر الخورنق وقصر الأبيض وقصر السدير في الحيرة وقصر الأخيضر في عين التمر وهو حصن عسكري دفاعي يحمي العراق من صحراء نجد والحجاز والشام من الهجمات المعادية، وقد استغرق بناؤه 45 سنة وتم نقل الحجر من منطقة إسلام قرب النجف على الإبل وسمي الأخيضر لأن الأرض المحيطة به خضراء بالنباتات الطبيعية في فصل الشتاء والربيع، وهو من أعظم المعالم الأثرية في الشرق الأوسط.

من المباني المشيدة قبل الإسلام

وما يؤكد حقيقة التاريخ انه قبل الإسلام ليس فقط على أنه حصن من الهجمات التي كانت شائعة قبل الإسلام بل كما يقول بعض الباحثين وجود اتصال بين قلعة البرذويل بقصر شمعون ومن ثم بقصر الأخيضر ثم بمنارة موجدة ثم بقصر مقاتل (أنقاض حجر في الوقت الحاضر) وهكذا يكون الاتصال بالمراصد الباقية وحتى آخر مرصد في الحيرة قبل الإسلام عبر شعلة من النار تشعل في الليل فوق القصر أو القلعة. ويؤكد الباحث المطيري انه إذا شاهدها في المرصد القريب الآخر يفعل مثل ما فعل صاحبه وهكذا حتى آخر مرصد (أو صوت البوق) في حالة حدوث الخطر وطلب المساعدة، المسافة بين القصور أو القلعات متساوية 12 كم تقريبا، فإذا حذفنا قصر الأخيضر تكون المسافة كبيرة 24 كم تقريبا وسوف ينعدم الاتصال. وكذلك يوجد الكثير من المؤرخين يؤمنون بأنه من المباني المشيدة قبل الإسلام ومنهم العلامة شكري الآلوسي وماسينيون وديولافوا وغيرهم.

وتؤكد الباحثة البريطانية المعروفة مس بيل حين زات القصر انه يحمل على الدهشة ثم تساءلت عن سبب بناء قصر مهم لم يذكره أحد من المؤرخين أو حتى الشعراء وفي ذلك المكان الذي كان مسرحا لأحداث كثيرة خلال 150 الأولى من الهجرة النبوية.

شكل وتصميم

تقول المصادر عن هندسته انه مستطيل الشكل وبناء القصر استغرق 45 سنة وثلث عمارته حصن بمساحة 160في 160 مترا وتبلغ مساحته الكلية 112في 83 مترا مربعا ويبلغ طول الضلع الجنوبي من السور نحو 635 مترا والضلع الغربي نحو540 مترا والشرقي منه 311 مترا. وهو هنا تأكيد على عدم ثبات تاريخه إلى العصر الإسلامي نظرا لعدم انتظام شكله أولا وثانيا فيه فكرة إنشاء مدينة متكاملة فيها حصن وطرز عسكرية داخلية لمنع وصول العدو إلى الأماكن الداخلية بسرعة إذا ما تمكن من اقتحامه. وقد تم وضع العديد من المعرقلات سواء في البناء أو من خلال وضع دهاليز وأجهزة مراقبة وتهوية للقصر. ويضم القصر مسجدا ومحرابا صغيرا في كل من جانبيه، ويجمع مبنى الأخيضر في عمارته بين أساليب الريازة الساسانية والبيزنطية وهو ما لم يكن موجودا قبل الإسلام. فنوافذه وزخرفته قريبة الشبه بطاق كسرى وتيجان أسطينه المنحوتة من المرمر منقوشة بزخرفة بيزنطية الأسلوب قوامها ورق شجر.

قصر الأخيضر ما زال هندسة غير مكتشفة كليا وما زال الاسم متغيرا مثلما العائدية التاريخية لم تزل بعيدة عن التأكيد الكلي فهو ما بين الطرز الما قبل إسلامية وما بين النقوش الإسلامية ظل يحمل عراقته وقوته ومعاندته للعواصف والصحراء ولابد أن يكون مكانا لصد الهجمات مثلما هو مكان للاتصال بين مشرق الأرض ومغربها.

تصوير: فاضل المياحي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية