دمشق – «القدس العربي» : يصادف يوم الجمعة مرور عام على توقيع تركيا وروسيا مذكرة وقف إطلاق النار في إدلب ومحيطها، لكن وبالرغم من سريان الاتفاق، إلا أن مآلاته غير واضحة المعالم في ظل استمرار النظامين السوري والروسي في خرق مذكرة التفاهم وقصف المنطقة بشتى أنواع الأسلحة، حيث قصفت طائرات حربية روسية، صباح الجمعة ريف إدلب الشمالي، فيما استهدفت قوات النظام السوري بأكثر من 30 صاروخ أرض – أرض ريف إدلب الجنوبي، ما أسفر عن مقتل 3 مدنيين بينهم طفل، وإصابة 4 آخرين بينهم نساء.
وتشير المعطيات على الأرض، إلى أن موسكو لم تتخلّ عن استخدام الخيار العسكري في إدلب من قصف الطيران المسيّر والحربي للمواقع المدنية والعسكرية كمنشأة التدريب، وتنفيذ عمليات السطع الناري، عدا عن الخروقات المستمّرة على خطوط التماس، للضغط على تركيا، مما يعني وجود تهديد وشيك يستدعي استمرار رفع الجاهزية من قبل المعارضة السورية وتركيا.
عام على مذكرة وقف إطلاق النار شمال غربي سوريا بين أنقرة وموسكو
مدير الدفاع المدني السوري في إدلب «مصطفى الحاج يوسف» قال إن المقاتلات الحربية الروسية نفذت غارتين جويتين استهدفتا أحياء سكنية في قرية «معارة الإخوان» بالقرب من بلدة معرة مصرين شمال إدلب.
كما أكد لـ«القدس العربي» مقتل مدنيين اثنين، رجلٌ وطفل، وإصابة 5 آخرين بينهم امرأتان، بقصف مدفعي لقوات النظام على منازل المدنيين في قرية بزابور في ريف إدلب الجنوبي، حيث انتشلت فرق الخوذ البيضاء جثامين القتلى وأخمدت الحريق أمام أحد المنازل المستهدفة، فيما أصيب مدني بجروح إثر غارتين من الطائرات الحربية الروسية استهدفت أطراف قرية معارة الإخوان في ريف إدلب الشمالي، حيث تفقدت الفرق المكان وأخلت عدداً من المدنيين من المنطقة إلى مكان آمن.
مصادر محلية قالت إن قوات النظام قصفت بأكثر من 30 صاروخ أرض – أرض نوغ «غراد» قرية «عين لاروز» في منطقة جبل الزاوية في ريف إدلب، كما استهدفت أيضا كل من مدينة «دارة عزة» غرب حلب وبلدة «الزيارة» وقريتي «تل واسط» و«السرمانية» في ريف حماة.
ووثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان، مقتل ثلاثة مدنيين بينهم طفل، جراء القصف الصاروخي الذي نفذته قوات النظام، ظهر الجمعة، على بلدة بزابور في منطقة «جبل الأربعين» في ريف إدلب، في حين قصفت قوات النظام البرية بلدة الزيارة و قريتي تل واسط و المشيك في ريف حماة الشمالي الغربي، بالإضافة إلى قصف براجمات الصواريخ نفذته قوات النظام على عين لاروز وكنصفرة بجبل الزاوية جنوبي إدلب، بالتزامن مع قصف جوي روسي، استهدف أطراف مدينة معرة مصرين في ريف إدلب الشمالي.
الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي تحدث عن ذكرى مرور عام على توقيع تركيا وروسيا مذكرة موسكو حول إدلب، حيث قال «لأوّل مرّة منذ بداية النزاع المسلّح في سوريا يُحافظ النظام والمعارضة على وقف إطلاق النار لمدّة 12 شهراً».
ويأتي ذلك، بعد أن تعثّرت جميع التفاهمات الدولية السابقة للتوصّل إلى اتفاق مستدام لإطلاق النار أو إرساء تهدئة طويلة الأمد، منذ توقيع اتفاق وقف العمليات العدائية في شباط/ فبراير 2016، مروراً باتفاق وقف إطلاق النار في أيلول/ سبتمبر 2016، ومن ثم اتفاق وقف إطلاق النار في إطار مذكرة خفض التصعيد في أيار/ مايو 2017، وصولاً لاتفاق وقف إطلاق النار في إطار مذكرة سوتشي في أيلول/ سبتمبر 2018.
وفي رأي الباحث لدى مركز جسور للدراسات فإن روسيا وتركيا أبدتا حرصاً شديداً على الحفاظ على بروتوكول موسكو حول إدلب. ومع ذلك، تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار خلال العام الفائت لخطر الانهيار؛ نتيجة غياب قدرة أو رغبة الطرفين في استكمال تطبيق جميع البنود التي تضمّنتها المذكرة. فمنذ أكثر من 6 أشهر لم يتم تسيير دوريات مشتركة على الطريق الدولي بين حلب واللاذقية M4، والتي تم تعليقها في 25 آب/ أغسطس 2020، نتيجة تعرّضها للاستهداف أكثر من مرّة من قبل مجموعات جهادية، يبدو أنّها غطاء لفرع تنظيم القاعدة في سوريا.
واتخذت تركيا مجموعة من الخطوات من شأنها الحفاظ على التهدئة ومذكرة التفاهم؛ في حرص واضح على إبقاء التعاون مع روسيا. على سبيل المثال، فقد قامت بتسيير 7 دوريات مستقلّة في الممر الأمني، وثبتت كاميرات مراقبة على الطريق الدولي بالقرب من نقاط الحراسة التي باتت منتشرة على طول المسار، كما أنشأت غرفة عمليات مركزية لمراقبة التحركات على الطريق، من زرع العبوات الناسفة والأنشطة الأمنية. أيضاً، انخرطت في 4 تدريبات مشتركة في إدلب لمكافحة الإرهاب والتدخّل السريع.
وتُصنّف مذكرة موسكو كوثيقة لمنع الاشتباك، لكنّها أيضاً بروتوكول استرشادي يُضاف إلى مذكرة خفض التصعيد (2017) مما يعني إمكانية البناء عليها لترسيخ اتفاق دائم لوقف إطلاق النار، وهذا يقتضي توصّل تركيا وروسيا لاتفاق شامل حول القضايا الخلافية وهي مكافحة الإرهاب، والانتشار العسكري، ومصير حركة التجارة والنقل، وحدود المنطقة الآمنة، إضافة إلى العملية السياسية.
وأضاف، صحيح أنّ تركيا قامت خلال الفترة بين 20 تشرين الأوّل/ أكتوبر و29 كانون الأوّل/ ديسمبر 2020، بتفكيك 14 نقطة عسكرية تابعة لها كانت متواجدة في المناطق التي سيطر عليها النظام السوري بموجب الحملة العسكرية التي أطلقها مطلع عام 2019، إلّا أنّها ما تزال تتمسّك بعدم الانسحاب من مناطق جنوب إدلب، بل ووسّعت من نطاق انتشارها وتواجدها في المنطقة لتعزيز استراتيجية الردع، مما يُشكّل تحدياً كبيراً أمام إمكانيّة التوصّل مع روسيا لاتفاق نهائي حول الانتشار العسكري وحدود المنطقة الآمنة.
وأبدى المتحدث اعتقاده ان روسيا لم تتخلّ عن استخدام السبل العسكرية في إدلب للضغط على تركيا من قصف الطيران المسيّر والحربي للمواقع المدنية والعسكرية كمنشأة التدريب التابعة لفيلق الشام في 26 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2020، وتنفيذ عمليات السطع الناري، ومع ذلك، باتت قدرة النظام السوري وروسيا على المناورة عسكرياً في إدلب محدودة.
وحول فرص استمرار وقف إطلاق النار، قال عاصي إنها ما تزال قائمة لفترة أخرى لا تقل عن 3 أشهر، كذلك بالنسبة لفرص ترسيخ تهدئة مستدامة في إدلب؛ لكن ذلك يتطلّب تحقيق مزيد من التقدّم في تجاوز القضايا الخلافية، وخطوات بناء الثقة لا سيما استئناف عمل الدوريات المشتركة والذي يبدو أيضاً قريباً.