يعرف العروضيون والشعراء عامة أن أكثر مصطلحات الوزن مشتقة من البيئة الصحراوية، وتحديدا من الخيمة وملحقاتها، ومع ذلك تقبل المعاصرون، دون جدال، شأنهم شأن القدامى، إطلاق الخليل لفظ «بحر» على أوزان الشعر العربي، وليس «الصحراء». والبحر إنما تصور في الكثير من شعر العرب ونثرهم، في هيئات تكاد ترجح كلها معاني الهيبة والرهبة والريبة والخوف من هذا «المخلوق العجيب». لكن لا أحد منهم كلّف نفسه عناء البحث في سر هذه التسمية «الغريبة» أو شرح أسباب وقوع هذا الاسم «بحر»على أوزان الشعر. وأقوالهم في هذا ليست أكثر من إشارات خاطفة لا نخالها تشفي غليلنا من «البحر الشعري» ولا حتى من البحر المائي على أجّته وملوحته؛ لاضطرابها واختلافها حد التباين. وقد يغرينا ما يقوله جورج ويلهالم فريتاج، إذ يشبه بحر الشعر بالبحر الذي لا ينضب ماؤه، أو فايل الذي يقارن الكلمة العربية بمقابلها في عبرية القرون الوسطى Bahar أي النهر العظيم الذي تتوإلى أمواجه أو الماء الجاري الذي له موج متكرر دائم.
والسؤال: أهذا البحر بحر الشعر يعني حقا الوزن أم النغم؟ أم اللحن؟ أم الإيقاع من حيث هو انتظام للنغم أو اللحن متكرر؟ وهل الإيقاع بهذا المعنى هو الذي جعل الخليل يرد كل صورة من صور التقسيم العروضي إلى بحر بعينه ولا يرده إلى بحر آخر؟ الحق أن الإجابة من الصعوبة بمكان. وربما زادها صعوبة أن لفظ «بحر» لغة، وليس اصطلاحا عروضيا وحسب، لفظ مراوغ، نكاد لا نقف، في معاجم اللغة القديمة عند العرب، على حد أو تعريف دقيق له. فقد اقتصروا على دلالته المائية، فأثبتوا «أن العرب تسمي الماء الملح والعذب بحرا، إذا كثر». وأضافوا أن اسم البحر غلب على الملح حتى قل في العذب.
والرأي المتفرد الذي يسترعي الانتباه، هو الذي أورده الزبيدي في «تاج العروس». فهو ينقل عن شيخه أن المراد بالبحر الماء الكثير، وقيل المراد الأرض التي فيها الماء، أي محل الماء وليس هو الماء نفسه. ومن أدلته لذلك أن البر ضد البحر. وربما وجدنا ضالتنا أو بعضها في معاني الجذر» ب.ح.ر» وفي تقاليبه وصفات أحرفه ومخارجها، فدفعنا تأويلها إلى منتهاه، ونحونا في تدبرها إلى ضرب من فلسفة اللغة والإيقاع، قد يحتمل الرجحان حينا وقد لا يحتمله في أغلب الأحايين، كما جاء في مجلة «التراث العربي» السورية. فلعلها أن تكون صورة اللغة نفسها وهي تتشكل في أبنية وأنساق وأعراف، محكومة بما هو غريب مستبهم النشأة، يترامى من أكثر من ناحية من نواحي القدم التي نستشعر فعلها وأثرها، دون أن ندرك منشأها وكنهها. ففي «مقاييس اللغة» لابن فارس، وهو العالم الذي دأب على رد كل مادة من مواد اللغة إلى أصول معنوية مشتركة، نقف على أصلين اثنين في مادة «بحر» هما الاتساع والداء يتفرعان، سواء في المفردات المتصلة بالبحر، أو تلك المشتقة منه، إلى ما يشبه متاهة لغوية تتوزع على مجردات ومجسدات، وعلى طبيعتين أرضية وسماوية، حيث تضطرب في كل كلمة كلمة أخرى، أو هي تهجس بأصل من الأصول المشتركة. وربما ائتلفت هذه الأصول المتراخية المتشعبة، أو هي تجاذبت في تقاليب الجذر «ب. ح. ر»: «الباء والراء والحاء أصلان يتفرع عنهما فروع كثيرة، فالأول الزوال والبروز، والثاني الشدة والعظم وما أشبهها» أو في حروفه ومخارجها، فمن صفات الباء الجهر والشدة، ومن صفات الحاء الهمس والرخاوة، ومن صفات الراء التكرار على رأي سيبويه في أن الراء حرف « لو لم يكرر لم يجر الصوت فيه» وكذلك الجهر والشدة؛ أو هي «بين بين» كما يذكر ابن جني.
والقول إن الإيقاع الشعري تراسل لغوي «للتناغم الكوني الفيثاغوري» أو هو «تعبيرية» تحاكي حرفيا ما تقوله القصيدة أو هو انتظام نغمي أو لحني يحاكي حركة البحر، إن هو إلا افتراض من بين افتراضات كثيرة على أسطورة الأصل والمبتدأ.
وربما كان من السائغ القول إن هذا الجذر الذي ينتظمه حرفان مجهوران، يتوسطهما حرف مهموس، يضمر الإيقاع الشعري المتضافر كتضافر موج البحر وهو يعلو ثم ينخفض ثم يعلو، في حركة دائبة لا تخلص إلى قرار ثابت، يهجس بها حرف الراء آلتكراري. الأمر الذي قد يغري بالقول إن بين إيقاع الكلمة نفسها أصواتا وأجراسا، وصور البحور الشعرية، بعض تناسب أو بعض تطابق. وربما خلصنا من هذا كله إلى أن تسمية البحور أي الأنساق الإيقاعية، تضمر اختلاف الأسس الإيقاعية، من نسق إلى آخر كما تختلف البحور، في نقطة وجودها على الأرض واضطراب كل منها، بما لا يضطرب به الآخر،على اتحاد الماء والموج فيها كلها كما يقول محمد العلمي.
غير أننا وإن شاطرناه الرأي في أن البحر هو «الإيقاع « أو» النسق الإيقاعي» لا نتميز في كلامه فصلا دقيقا بين الإيقاع والوزن، بل نجد الواحد منهما يلابس الآخر، حتى لا فكاك بينهما. ومبعث هذا اللبس أو التلابس، إنما هو اعتبار الإيقاع «متتالية منسقة أو مرتبة « يمكن قياسها أو ضبطها على أساس من انتظامها النغمي أو الموسيقي المتكرر أو رجعها اللحني المطرد. وهذا «حد» للإيقاع لا نظنه يؤدي عن جوهر مفهومه، وإنما هو إجراء تاريخي يرجعه الباحثون إلى أفلاطون. أما اعتبار الإيقاع «متتالية منسقة» فيجعل منه «مزدوجة معينة» أو مجموعا من عنصرين متحدين حسب نظام معين، الأمر الذي يجعل الإيقاع ينهض على مبدأ «التناظر» بالمعنى الرياضي الدقيق للكلمة. وكلما توهمنا أن الإيقاع ينهض على هذا المبدأ، ألحقناه بالوزن، قصدنا إلى ذلك أم لم نقصد.
إن «التناظر» يُعزى إلى الوزن وليس إلى البحر. ولا بد من إحكام التمييز بينهما، على صعوبته، إذ دأبت كتب العروض قديمها وحديثها على المساواة بينهما، وجعل هذا ينوب مناب ذاك؛ وتناقلت عن الخليل مصطلح «بحر» دون تمحيص أو تدقيق أو مراجعة، بل إن القدامى، على ولعهم بتبيين سبب وقوع الاسم على المسمى؛ أغفلوا هذا المصطلح العروضي، وصرفوا نظرهم كله إلى دلالة البحر المائية فذكروا سبب تسمية البحر وعللوها بالسعة والانبساط والعمق والملوحة والشق. وهي تعليلات لا نفيد منها شيئا يذكر في استيفاء حقيقة المصطلح العروضي «بحر» أو رصد مسوغات وضعه. وربما وجدنا في بعضها ما يعبر عن فكرة الإيقاع المستترة ودخيلته المطوية، ما أتيناها من مضايق إشارات أو ما دون الإشارة، ترد عند القدامى في إيجاز رافع وخطف كأنه النبض، مثل قولهم «ماء الشعر» أو «شعر كثير الماء»؛ على الرغم من أن مدار القصيدة الأقدم على الأسماء الجامدة، أكثر منه على الأسماء المشتقة أو «السائلة».
وهي إشارات مغرية تحيل على معاني الحركة والسيلان والسلاسة والليونة.. ولعل مجاهدتها من هذه الكوة أن تجعلنا نزكي تصور الإيقاع على النحو الذي أعاد بنفنيست تحيينه أي «الصورة الحالية القابلة للتغير والتبدل والتعديل». وهو تصور قد يجعلنا أصح فهما للإيقاع، وأحسن تقديرا من القول بتراصف بسيط لمتتالية عددية أو متوالية من الأنساق المنغمة، ينتجها اطراد الصوامت والمصوتات (السكنات والحركات) أو القول بتنظيم متوال لعناصر متغيرة كميا في خط واحد، بصرف النظر عن اختلافها الصوتي. فهذه العناصر وأشباهها تحد إيقاع الوزن لا البحر، وتحجب عن الإيقاع المخصوص بكل قصيدة أي ذاك الناشئ في تلفظها؛ وما نخاله إلا أجل شأنا وأوفر قوة وأبعد أثرا. بل إن إيقاع الوزن، ونحن نؤثر إيقاع البحر؛ قد لا يسخو بموفور قوته إلا إذا باشرناه من حيث هو تنظيم القصيدة تنظيما نوعيا خاصا، وهو من ثم لا يستلزم شرط «التناظر»؛ أو عوْد عنصر بعينه في القصيدة عودا منتظما، حتى نبني عليه ظهور النبر الوزني بالمعنى الحصري للكلمة، من حيث هو علامة أو سمة إيقاعية، فهذا الشرط أو ذاك لا يمكن إلا أن يحصر القراءة قراءة القصيدة، في حدود العرف العروضي الشائع الذي يجعل البيت صورة من صور الوزن، أو يجعل الوزن سابقا على البيت. ولا نظن أن هناك من يماري في أن الوزن العروضي مستنبط من الشعر، وارد عليه. وقس على ذلك إيقاع الشعر، فهو لم يوجد قبل القصيدة ولا يمكن أن يوجد. والقول إن الإيقاع الشعري تراسل لغوي «للتناغم الكوني الفيثاغوري» أو هو «تعبيرية « تحاكي حرفيا ما تقوله القصيدة أو هو انتظام نغمي أو لحني يحاكي حركة البحر، إن هو إلا افتراض من بين افتراضات كثيرة على أسطورة الأصل والمبتدأ. ولعل البحث في أصل الإيقاع هو كالبحث في أصل اللغة، خبط في نفق مظلم، قُصاراهُ أن يقدم لنا افتراضات وتأويلات ربما لفق الخيال أكثرها أو زينه الظن.
شاعر وكاتب تونسي