إدوارد سعيد - إميل بنفينيست -عز الدين إسماعيل
أثار موضوع هجرة المصطلحات بين الأمم والثقافات، عن طريق الترجمة والنقل أساسا، اهتمام الباحثين، الذين أبرزوا كيف أنّها عند رحلتها أو انتقالها من بيئاتها الأصلية التي أنتجتها إلى خارجها، تتعرّض للتغيير نَقْلا وتحويلا وتوسيعا، بسبب الاستخدامات والسياقات الجديدة التي أعادت توظيفها، أو بسبب التمثُّلات التي تستثيرها أثناء القراءة والتأويل؛ على نحو ما يرشدنا إليه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد ضمن ما يسمّيه بـ»هجرة النظرية» (Travelling Theory) 1983، حيث كشف فيها أن النظريات تهاجر وترحل كالبشر، وتتغير أثناء سفرها، وأن لها أطوارا أربعة: الموطن الأصلي، والمسافة، والظروف، والتحوير، مستخلصا أنه إذا انتقلت النظرية من حيز ثقافي إلى حيز ثقافي آخر، فإنّ بعض محدداتها تتحول تبعا لأغراض الحيز الثقافي الجديد، ولهذا، يدخل تاريخ المصطلحات في ما يشبه «حركة استعارية» باستمرار.
إيقاع الأمواج
كتب بول فاليري في أحد دفاتره: «كلمة (إيقاع) هذه لا تبدو لي واضحة، ولم أستعملها البتّة» واستخلص عبد العزيز المقالح من خبرته: «إنّ قوانين اللاوعي التي نجهل أسرارها تتدخل في صوغ هذا الإيقاع». في مقابل ارتياب الشعراء الذين قَلّبوا الإيقاع على وجوهه، غلب التعميم اللساني لاستعمال الكلمة، حتى عُدّ شَرْطا، وليس نتيجة، لوحدة الإيقاع بين الإنسان والطبيعة؛ فاستخدام اللُّغة هو الذي يصوغ وجود تفكيرنا وليس العكس. والإنسان هو الذي يُسْقط خطاطات فكره على العالم، وليس العالم الذي يفرض «إيقاعاته» على الإنسان. فالتمازج بين الإنسان والطبيعة باعتبار «الزمن» فواصل وعودات مماثلة، قد شرط استعمال مصطلح الإيقاع وربطه بحركة الأمواج «المنتظمة»؛ إذ تتفق جميع القواميس داخل التراث الإغريقي اللاتيني أنّ مصطلح (ريثموس) مشتقٌّ من فعل «جرى» ومعنى الكلمة تمّت استعارته من حركة الأمواج المنتظمة. وتتردّد كلمة (إيقاع) بوجه خاص عند الكتاب الأيونيين وفي الشعر الغنائي والتراجيدي، ثم في النثر الأتيكي، ولاسيما عند الفلاسفة من أصحاب النزعة الذرّية تحديدا، مثل لوسيب وديمقريطس. ومن مجموع الشواهد التي ساقها إميل بنفينيست ودلّ عليها بالمراجع والنصوص الحرفية، يُقرُّ بتعقُّد الشروط اللسانية التي انحدرت منها مقولة «الإيقاع» قائلا: «وبعيدا عن التمثيلات التبسيطيّة التي توحي بها الأيثيمولوجيا السطحية، وبمنأى عن تأمُّل لعبة الأمواج على الضفة حيث اكتشف الهيليني البدائي «الإيقاع» فإنّنا بخلاف ذلك نتكلم المجاز عندما نتحدث عن إيقاع الأمواج».
كتب بول فاليري في أحد دفاتره: «كلمة (إيقاع) هذه لا تبدو لي واضحة، ولم أستعملها البتّة» واستخلص عبد العزيز المقالح من خبرته: «إنّ قوانين اللاوعي التي نجهل أسرارها تتدخل في صوغ هذا الإيقاع».
من سير الجمل إلى وشي الحضارة
نشأ هذا الإيقاع عند العرب تقليدا لحركة الجمل في سيره، فارتبط الشعر عندها بالغناء، وكانت تغنّي وتمدّ أصواتها بالنشيد وتزن الشعر بالغناء، حتى غدا «الغناء ميزان الشعر». وتنقل لنا كتب الأدب والتاريخ أنّ غناءهم كان يجري في القديم على ثلاثة وجوه: النصب والسناد والهزج. وأشهر ما كان مسموعا من أقسام الشعر وأوزانه؛ الهزج والرجز والرمل، ثمّ القصيد الذي يُشكّل اكتمال التطوُّر الإيقاعي.
ثمة شواهد كثيرة تعكس ارتباط الإيقاع بالصحراء ومشمولاتها، وتبرز إلى أيّ مدى أثّر سير الجمل بضروبه المختلفة وحركاته المتنوعة في موسيقى الشعر العربي، مثلما أنّ الخليل بن أحمد الفراهيدي استعار مصطلحات الإيقاع من البيئة الصحراوية أثناء تشييد نظريّته في العروض، ويروي المرزباني عنه: «قال: رُتِّبت البيت من الشِّعْر ترتيب البيت من بيوت العرب الشَّعَر ـ يريد الخباء ـ قال: فسمّيتُ الإقواء ما جاء من المرفوع في الشعر والمخفوض على قافية واحدة.. وإنّما سمّيتهُ إقواء لتخالفه، لأنّ العرب تقول أقوى الفاتل إذا جاءت قوّة من الحبل تخالف سائر القوى. قال: وسمّيتُ تغير ما قبل حرف الرويّ سنادا من مساندة بيت إلى بيت». لكن مصطلح الإيقاع لم يرد عنده في (كتاب العين) ولا ورد لفظه ضمن مشتقّاته، وإن كان ابن سيده نقل عنه بـ»أنّ الإيقاع حركات متساوية الأدوار لها عودات متوالية».
ومن الطريف أن يوصف الوزن الشعري بالبحر. لا نعرف كيف حصل ذلك، ويُرجَّح أن الوزن سُمّي بالبحر، لأنّه يُوزن به ما لا يتناهى من الشعر، كالبحر يُؤخذ منه ما لا يتناهى من الماء، وكالبحر الذي لا يتناهى بما يغترف منه؛ أو أنّ أسسه الإيقاعية تختلف من نسق إلى آخر، كما تختلف البحور في نقطة وجودها على الأرض، واضطراب كلٍّ منها بما لا يضطرب به الآخر، رغم اتِّحاد الماء والموج فيها كلّها، وهذا ما يوحي لنا بأنّ ثمَّة صلة تجمع بين الإيقاع والبحر، من حيث جريانه وحركة أمواجه. ومن الطريف كذلك أن يُدلّل واضع العروض على كلّ بَحْرٍ من بحور الشِّعر بِاسْمٍ ينمُّ عن طبيعة بنائه الإيقاعي؛ فالكامل، مثلا؛ ما سُمّي كذلك إلا «لأنّ فيه ثلثين حركة لم تجتمع في غيره من الشعر» والرجز؛ «لاضطرابه كاضطراب قوائم الناقة عند القيام» والرمل «لأنّه شُبِّه برمل الحصير لضمّ بعضه إلى بعض» والسريع؛ «لأنّه يُسرع على اللسان» وهكذا دواليك كما يذكر ابن رشيق. وفي مكان آخر، وجدنا الخطيب التبريزي، في وصفه للأوزان الشعرية، يُحدّد سبب تسمية كلّ وزْنٍ على حدة، بشكل يكشف فهمه لعلاقات التناسب الإيقاعية بين الاسم والمُسمّى.
لكن كلمة (إيقاع) لم تتردّد في لغة العروضيّين الواصفة، ولا في كتب المعاجم نفسها، بيد أنّ عملهم ولا عمل غيرهم من بلاغيّين ونُقّاد لم يكن بالأمر الهيّن؛ عندما نقلوا اهتمامهم من حاصل المعرفة بالعروض الذي يهتمُّ بالوزن المجرَّد القائم على أنساق زمنية معلومة، إلى تدشين المعرفة بتأمّل الإيقاع ووصف أحواله، بعد الذي رأوه من انتظام المستوى الصوتي وتردّده بكيفيّات مُطَّردة لافتة. فقد كانت آلة الوصف متخلّفة عن آلة العروض المعيارية، وتراوحت أوصافهم بين الانفعال الآني والإشارة المقتضبة دونما عناء بحث، وكان كثيرٌ ممّا أطلقوه من هذه الأوصاف مستعارٌ من بيئاتهم المحلية، ونابع من أمزجتهم الحسّية، فنعتوا ما تلقَّوْه من الكلام الموقّع بصفات «الحلاوة» و»الجرس» و»العذوبة» و»الملاسة» و»الليونة» و»الرطوبة» و»الخفّة» و»الطلاوة» و»كثرة الماء» وسوى ذلك من جملة المصطلحات ذوات (الإيحاء الإيقاعي) على نحو من الأنحاء. كما استعاروا العبارات الخاصة بالحلي والوشي والسبائك، للدلالة على ما تمثّلوه أو حدسوه من جرس الإيقاع وتوازناته. لكنّهم لم يستبطنوا علّة ما وصفوه ويُعلِّلوه، وهو ما تشير إليه عبارة صاحب الموسيقى إسحاق الموصليُ: «إنّ من الأشياء أشياء تحيط بها المعرفة ولا تُؤدّيها الصفة».
لم يطرح علماؤنا القدامى مفهوما محدّدا لكلمة (إيقاع) وإنّما بصيَغٍ مختلفة ومتنوِّعة؛ لهذا، تعدّدتْ تصوُّراتهم الصريحة والضمنية عنه، من مجالٍ معرفيٍّ إلى آخر، ومن ذات إلى ذات في تأمُّل موضوعها. وهو كغيره من الألفاظ، كان يحتاج إلى الانتقال من مرحلة إلى تالية متطوّرة؛ من الحقيقي والمحسوس إلى المجاز فالاصطلاحي. ذلك ما يُنبّهنا إليه الفارابي في حديثه عن «أصل اللغة واكتمالها» من كتابه (الحروف) بحيث توجد في أول الأمر «محسوسات مدركة بالحسّ، وأنّ فيها أشياء متشابهة وأشياء متباينة» و»إذا استقرّت الألفاظ على المعاني التي جُعِلت علامات» صار الناس يتجوّزون في العبارة بالألفاظ.
يمكن أن نربط المسألة بالفكر الجمالي لدى هؤلاء العلماء وغيرهم في حقولٍ لها صلة مباشرة بالإيقاع اللفظي في الشعر، وهو الفكر الذي غلب عليه الطابع الحسّي في رؤيته للعالم، وفي تذوُّقهم للجمال وانفعاله بصوره انفعالا حسّيا، على نحو ما كشفه عز الدين إسماعيل في «الأسس الجمالية في النقد العربي». وفي هذا المنحى، فطن قدماؤنا؛ مثل ابن طباطبا وأبي هلال والمرزوقي والقرطاجني، عبر توالي العصور وتطوُّر الحضارة ومظاهرها من عمران وألبسة وطعوم وأمزجة، ومراس الخبرة بالنصوص وتحليلها، إلى مبدأ الإيقاع مِمّا سمعوه في الشعر من عناصر الانتظام والتساوي والتوازي والتكرار والتغيُّر، وهي القوانين التي تنتظم القصيدة وأبرز المظاهر المادّية المحسوسة للنسيج الصوتي وتعلُّقاته الدلالية. حتى إن كان (الإيقاع) عند أغلبهم لا يرِدُ باللفظ الصريح، إلا أنَّ مصطلحاتهم وتعبيراتهم الجمالية كانت تدلُّ عليه وتتعقّبه، من خلال ما عبّروا عنه في تلقّيهم للشعر، أو أثناء إنشاده، من أثرٍ نفسيٍّ وشعورٍ لذيذ بـ»الأريحيّة والطرب» و»التذاذ السمع» و»كثرة الماء» و»اعتدال النّظْم» و»التعجيب» و»نشاطٍ بالنقلة من حالٍ إلى حال» أو لمسوه من «حلاوة المقاطع» و»الوشي المنمنم» و»حسن الديباجة» وغير ذلك.
من أسرار الله
وبما أنّ صناعة العروض من صناعة اللُّحون، بدا لأغلب العلماء أنّ الموسيقى والشعر كلاهما يقوم على مبدأ النسبة والتناسب، فاهتمُّوا بالصناعتين، وحرصوا على أن يُنبِّهوا إلى أنّ الأنغام يجب أن تكون مناسبة لامتزاجات النفس الإنسانيّ، وقد تأثُّروا في ذلك بنظرية فيثاغورس في التناسب العددي، وهم ينظرون في تدوين نغم الألحان بأجناسها وإيقاعاتها، ويستخدمون في الأمثلة التي ساقوها حروفا هجائيّة دالّة على النغم، ومقرونة بالأعداد لِتدُلَّ على مَدّات أزمنتها في أدوار الإيقاعات ووجدنا منهم من ينظر إلى الإيقاع في علاقته بفنّ السماع وبالتربية الدينيّة والتدرُّج بمراتب النقاء والمعالجة النفسية، مثل ابن حزم الظاهري، الذي عرَّف النفس بأنَّها: «تأليفات عدديّة أو لحنيّة، ولهذا تناسب النفس مُناسبات الألحان والتذّتْ بسماعها وطاشتْ وتواجدتْ بِسماعها وجاشتْ». ولسان الدين بن الخطيب الذي انتبه إلى «المناسبة بين الألحان الموسيقيّة وبين النُّفوس من ذات ارتياض السمع، فيؤثِّر فيها عِشْقا ونُفْرة بحيث تَحار الأذهان في علّته» بل جعل من التناسب في «روضة التعريف بالحب الشريف» بمثابة المبدأ الجوهريّ لكلّ ما في هذا الكون، ومنه الإنسان، والألحان، والأشعار، والأجرام والنجوم وسوى ذلك. وفسّر أبو حامد الغزالي العلاقة بين النّغم وتقبُّل النفس له بوصفها سِرّا من أسرار الله، أي «سرّ في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح، حتّى أنّها لتُؤثِّر فيها تأثيرا عجيبا» ورأى في الذي لا يتأثّر بأزهار الربيع وأوتار العود بأنَّه «فاسد المزاج» ومن لا يُحرّكه السماع بأنَّه «ناقص مائل عن الاعتدال، بعيد عن الروحانية، زائد في غلظ الطبع وكثافته».
من حقل إلى آخر، يبدو من السهل تحديد الإيقاع ودراسته في الموسيقى وكشف القوانين التي ينغلق عليها، بقدر ما أن الموسيقى فنٌّ زمانيٌّ. وفي المقابل، بدا من الصعوبة تعيين الإيقاع اللفظي وتسميته بِـاسْمه في الشعر بوصفه فنّا قَوْليّا. وإذا حصل أن وجدناهم يستعملون مصطلح الإيقاع للتعبير عن موسيقى الشعر، فلأنه إذّ ذاك يكون مصطلحا منقولا من علم الموسيقى إلى علم العروض.
من حقل إلى آخر، يبدو من السهل تحديد الإيقاع ودراسته في الموسيقى وكشف القوانين التي ينغلق عليها، بقدر ما أن الموسيقى فنٌّ زمانيٌّ. وفي المقابل، بدا من الصعوبة تعيين الإيقاع اللفظي وتسميته بِـاسْمه في الشعر بوصفه فنّا قَوْليّا.
ساحل لا نهاية له
في العصر الحديث، ورغم وفرة الدراسات التي أُنْجزت بصدد الإيقاع، أو بالأحرى موسيقى الشعر، إلا أنَّ أكثرها وقع سجين العروض وهو يجترُّ معاييره ومصطلحاته الثابتة، فلم تنفلت من الخلط بين الإيقاع والوزن، بل إنّ معظم المؤلفات التي كرّسها أصحابها لدراسة العروض وإيقاع الشعر العربي منذ قرن، وما زالت إلى اليوم، تؤثر مصطلح (الموسيقى) بدل (الإيقاع)؛ وهذا بحدّ ذاته التباسٌ آخر يأسر المفهوم داخل علم الموسيقى بما هو مفهوم زمانيّ صرف، وليس مفهوما قوليّا ينشأ في الخطاب بـانتظام عناصره وتشابكها.
في المقابل، هناك دراساتٌ قدّمتْ تصوُّراتها المختلفة للإيقاع خارج ما استقرَّ عليه العرف النقدي، واستعارت مصطلحات جديدة من مجال النقد الحديث؛ بعضها لمستشرقين (غوتهولد ڤايل، ستانيلاس غويار، ريجيس بلاشير..) أدخلوا مفاهيم جديدة في تحليل الإيقاع الشعري؛ مثل اعتماد نظام المقاطع في دراسة العروض الخليلي، والقول بمركزية الوتد في البناء الإيقاعي، وما للنبر من أهمية في توجيه أطر الإيقاع. وبعضها الآخر لدارسين عرب تسلّحوا بمناهج في الوصف والتحليل جديدة ومبتكرة، مثل تلك التي أنجزها – على فترات متلاحقة – كلٌّ من إبراهيم أنيس، ومحمد شكري عياد، وعبد الله الطيب، وكمال أبو ديب، ومحمد العياشي، ومحمد العلمي، ومحسن أطيمش، وسيد البحراوي، وحسن الغرفي، وعلوي الهاشمي، ومحمد العمري، وعلي عبد الرضا، وخميس الورتاني، وكاظم علاوي كشيش وغيرهم.
فإذا كان مفهوم الإيقاع في القديم يكاد يكون مجازيّا، وملتبسا، ومحتجبا بسبب كثرة المصطلح العروضي حينا، أو بسبب الوصف التجريدي حينا آخر، بَيْد أنّ صورته الاصطلاحية لم تتّضح ـ شيئا فشيئا- إلا في الأدب والنقد الحديثين الوافدين من الثقافة الغربية، ابتداء من المدرسة الرومانسية عبر آراء كولردج وريتشاردز تحديدا؛ ومن ثمة، لم يُستعمل هذا المفهوم عند دارسينا المحدثين، إلا بعد احتكاكهم بهذه الثقافة ونشاط عملية الترجمة. غير أنّ دارسي العروض المحدثين في مجملهم ما إن تخلّصوا من إلزامات التحليل العروضي ومحدوديّته، حتى سقطوا في مشكلات إبستيمية أخرى تحت تأثير المستشرقين، الذين حاولوا أن يُكيّفوا العروض العربي المعروف بطابعه الكمّي إلى العروض الأوروبي بطوابعه المقطعية والنبرية المتنوّعة؛ من خلال اعتمادهم على آليّات النبر ونظام توالي المقاطع في دراسة إيقاع الشعر العربي، كما قال بذاك محمد النويهي في كتابه «قضية الشعر الجديد» أو كمال أبو ديب في «في البنية الإيقاعية للشعر العربي» واستعارة أسماء التفاعيل والبحور الأجنبية وإسقاطها على أوزان الشعر العربي، مثلما صنع ذلك كمال خير بك في كتابه «حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر».
وقد ترافق انْبِناء التصوّر الجديد للإيقاع مع أزمة البيت «Crise de vers» (1895) كما أعلن عنها الشاعر الفرنسي ستيفان مالارميه، وذاع صيتها في أبرز شعريّات العالم من جهة، ومع تطوّر الشكل الشعري العربي الذي حملته حركة الشعر الحر وثارت من خلاله على النسق العروضي التقليدي الذي انقطع عن الاستجابة للحساسية الحديثة، فانتقلنا من أسلوب البيت ونظام الشطرين المتناظرين إلى أسلوب التفعيلة وما تقتضيه من أسطر تتفاوت في القصر والطول، حسب حركة المعنى والتدفّقات النفسية، قبل أن ينتهي الأمر إلى شكل قصيدة النثر التي أعادت قلب مفهوم الإيقاع وتبئيره داخليّا، وغلّبت النزوع النثري على ما هو تطريبيّ وغنائيّ. وقد استدعى مثل هذا التطوُّر الذي مسّ أشكال الشعر، ونقلها من مرحلة الشفاهيّ إلى الكتابيّ، فَهْما جديدا لعمل البنية الإيقاعية وطرق اشتغالها عبر فضاء القصيدة وصفحته الشعرية المتعدّدة، وهو ما حمل نقاد الشعر على استعارة مصطلحات جديدة للوصف والتحليل من حقول ومعارف أخرى، مثل فن الرسم والتشكيل، والموسيقى، والسينما، والهندسة، وعلم الأحياء وغيرها: السطر، الكتلة، المشهدية، التقطيع، الفراغ، لعبة السواد والبياض، التوازي، الوقفات، الجرس، التدوير، البنية، إلخ.
وإذا كانت هذه الحركة الاستعارية التي صاحبت تطوّر أشكال الإيقاع الشعري، ولاسيما بعد ظهور قصيدة النثر التي أذابت جليدا عائما على «ساحل» القصيدة العربية، إلا أنّها سرعان ما أنشأت «أصوليّة معياريّة» جديدة انتصرت للتأويل الجمالي ـ الشكلاني، الذي فاقم من التباس دالّ الإيقاع داخل شبكة من التأويلات المتضاربة، بعدما كان في أول الأمر مُدْركا بمصطلحات سيكولوجية وانفعالية باطنيّة مُبرّرة، كأن الأمر قد تَحوّل بقضّه وقضيضه إلى ما يُشبه «تلاطم أمواج» في ساحل لا نهاية له، يخشاه النقاد ويتهيّبون الاقتراب منه.
كاتب مغربي