توجد مقدمة منطقية شائعة في العديد من الكتابات الفكرية – السياسية، التي تتناول انتشار فيروس كورونا: عالمنا توقف! وهذا ما كنا نحسبه مستحيلاً من قبل. كثير من الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، وأنماط الاستهلاك والتوزيع، وأشكال العمل السياسي، تمّ تعليقها، وبالتالي ثبت أن ما كان يعتبر أساليب لا غنى عنها في تسيير الحياة قابلٌ للتغيير، أو يمكن الاستغناء عنه. من هذه المقدمة يصل عدد لا بأس به من الكتّاب والمفكرين إلى النتيجة التالية: ما دام يمكننا، في مواجهة الأحداث الكبرى، تغيير تفاصيل مهمة في أنماط حياتنا، فلماذا لا نستغل هذه الإمكانية، لإحداث تعديلات جذرية في النظام القائم، سواء في قضايا إعادة توزيع الثروة، أو البيئة، أو الديمقراطية الاجتماعية؟
يمكن تتبع ربط التغيير بالوعي الفردي، وتبديل أسلوب الحياة منذ بداية الأزمة التي عانى منها المنظرون اليساريون الغربيون، في النصف الثاني من القرن الماضي: الحامل الاجتماعي الأساسي للثورة الاجتماعية، وهو الطبقة العاملة الصناعية، لم يعد يلبي التوقعات الثورية التقليدية. النقابات العمالية اندمجت كلياً بالنظام القائم، وغرقت في المفاوضات الجماعية مع الدول وأرباب العمل. وحققت الطبقة العاملة الغربية تحسناً نسبياً في مستوى حياتها، لدرجة اتهمها البعض بالذوبان في العالم البورجوازي.
«خيانة البروليتاريا الغربية» هذه دفعت كثيرين للبحث عن قاطرة أخرى لحركة التاريخ: المهاجرون، النساء، المثليون والمهمشون عموماً. وبما أن المهمشين أنفسهم صاروا مؤخراً في قلب الخطاب السائد، لهم منظماتهم «غير الحكومية»، الممولة حكومياً في كثير من الأحيان، ويتم العمل على إدماجهم، ولو ثقافياً، في المنظومة السائدة، فلم تبق إلا مخاطبة أفراد العالم البورجوازي نفسه، الذي بدا وكأنه صار المتن الاجتماعي الأوحد، الناجح بإدماج كل الفئات داخله، ربما باستثناء بعض الشعبويين والعنصريين. أصبحت المشكلة إذن في أنماط الحياة وأساليب التفكير. وإذا اكتسبنا وعياً صحيحاً، وقبلنا التنازل عن أساليبنا في الحياة والاستهلاك واستغلال الموارد الطبيعية، فسنصل إلى عالم جديد. أما سؤال «الحامل الاجتماعي للتغيير» فلم يعد مطروحاً على ما يبدو.
قد يكون من الظلم بعض الشيء، اعتبار هذا النمط من الثقافة السياسية «قضايا عالم أول»، ففي العالم الأول نفسه توجد فئات لا تتمكن من تمثيل نفسها وطرح قضاياها، ومتضررة بشدة من الوعي الصحيح، ولذلك يبقى سؤال الحامل الاجتماعي للتغيير أساسياً، سواء في العالم الأول أو الثالث، فما هي الأضرار النظرية والسياسية الممكنة لتجاهل هذا السؤال؟
عمل أقل رفاه أكثر
يقدم المفكر الأمريكي البريطاني ديفيد هارفي، في مقال نُشر مؤخراً، مرافعة نظرية طويلة، مستمدة من كتابات ماركس، لإثبات إمكانيات التغيير التي يوفرها توقف كثير من القطاعات الاقتصادية في الولايات المتحدة: خسر ما يزيد عن ستة وعشرين مليون عامل وظائفهم، ولكن هل من المنطقي والعادل أن تقتصر مطالبنا على عودة هؤلاء إلى أعمالهم، بعد انتهاء إجراءات العزل؟ الإجابة هي «لا» بالنسبة لهارفي. إلى أي عمل نريدهم أن يعودوا؟ لا يمكن أن تكون استعادة تلك الأعمال الشاقة، الخاضعة لاستغلال شديد، والتي لا تتيح أي فرصة للتطور الفردي، هدفاً للنضال المعادي للرأسمالية.
العاطلون عن العمل، الذين يعوّل هارفي على تحركهم المناهض للرأسمالية، لا يملكون فعلياً الإمكانات التنظيمية، أو التراكم الثقافي والسياسي، الذي يمكّنهم من إحداث تغيير بالعمق الذي يتوقعه.
الأمم المتقدمة تعمل أقل وتعيش رفاهاً أكثر، حسب مقولة ماركس الشهيرة، لأن التطور التقني الكبير، الناتج عن آليات النمو والتراكم الرأسمالي نفسها، يتيح تحرير البشر من أعباء العمل الشاق، وإعطاءهم وقت الفراغ الكافي للتطور الفردي. المشكلة أن الربح الرأسمالي لا يتحقق إلا من خلال تحصيل فائض القيمة من العمال، ولذلك فإن الرأسمالية تعيق إمكانيات التحرر والتقدم، التي تحملها في ذاتها، وتجبر عشرات الآلاف على الخضوع للعمل المُستغَل. ما يجب المطالبة به، حسب هارفي، إطلاق القدرات الكامنة للتطور التقني الذي نعيشه، واستغلال إمكانيات الأتمتة والمكننة، وفي الوقت نفسه توفير كامل الخدمات الأساسية للبشر، إضافةً لدخل أساسي لا مشروط. حتى الولايات المتحدة، التي لا تتمتع بنظام تأمينات اجتماعي عمومي متين، اضطرت حالياً لتوفير ما يشبه ذلك، من خلال توزيع معونات نقدية على المتضررين من قرارات الإغلاق، ويجب تطوير هذا وجعله الوضع الطبيعي، بغض النظر عن طموحات الرأسماليين بتحقيق الربح. وهكذا قد تصبح الأزمة الحالية فرصة تاريخية للنضال المعادي للرأسمالية.
لا يهمل هارفي تماماً سؤال الحامل الاجتماعي للتغيير، فهو يؤكد على أن معظم الطبقة العاملة، المتضررة نتيجة إجراءات الإغلاق، من النساء والأفرو أمريكيين والمهاجرين اللاتينيين، وقد يكون نضال هذه الطبقة، ضد الفقر والبطالة والتمييز، المقدمة الأساسية لأي نضال ضد رأسمالي. إلا أن ما لا يبدو واضحاً في منظور هارفي هو الإمكانيات التنظيمية والسياسية والثقافية لهذه «الطبقة»، كيف يمكن أن تصبح طبقة لذاتها، وقادرة بالفعل على مواجهة الإعاقة الرأسمالية للتطور؟ هنا قد يكون اللجوء لماركس وحده قاصراً بعض الشيء، وربما خسرنا الكثير فكرياً لأن هارفي، المنتمي لتقليد ماركسي أنكلوساكوني، لا يولي اهتماماً مماثلاً لكتابات ماركسيي القرن الماضي، مثل لينين وروزا لوكسمبورغ وكاوتسكي وغرامشي.
ثورات الرفاهية
من الصحيح القول إن كثيراً من الثورات الاجتماعية حصلت عقب أزمات سياسية واجتماعية خانقة، ولكن الثورة بالتأكيد لا يمكن أن تكون نتيجة الأوضاع السيئة. يمكن تاريخياً ملاحظة أن معظم المجتمعات الثائرة شهدت، قبيل انتفاضها، تحسناً ملحوظاً على المستويات الإنتاجية والثقافية والسياسية. حتى روسيا القيصرية، التي كان العمال الجياع فيها يهربون من جبهات الحرب، ويطالبون بـ»الخبز والسلام»، عرفت تطوراً صناعياً في المدن الكبرى، وتقدماً سياسياً وثقافياً. الأحزاب السياسية الناشطة والحركة الثقافية المزدهرة، رغم القمع القيصري، أنتجت بيئة مناسبة للجدل الفكري والسياسي، ما جعل الحراك الاجتماعي مؤهلاً للتطور بسرعة، والطبقات الاجتماعية قادرةً على تنظيم ذاتها.
البلدان العربية التي عرفت ثورات ناجحة مرحلياً، مثل مصر وتونس، شهدت تطوراً اجتماعياً وسياسياً لا بأس به، واتساعاً في هامش الحريات، ونمواً نسبياً للطبقة الوسطى، في حين غرقت البلدان الأكثر تخلفاً سياسياً وثقافياً، مثل سوريا واليمن، في حروب أهلية متوحشة وعبثية.
يحتاج التغيير إذن إلى حيز عام يتوفر على حد أدنى من الحرية، وبعض الازدهار والتطور على المستوى الإنتاجي والاجتماعي، لا يمكننا ملاحظة هذا بسهولة في الشرط الحالي، حتى في البلدان المتقدمة. تفشي فيروس كورونا ألغى الحيز العام عملياً، الذي كان يعاني بالأصل من التفتت والخصخصة، بسبب الأيديولوجيا النيوليبرالية وسياسات الهوية، في حين تضاءلت إمكانيات الجدل السياسي والثقافي، نظراً للخطاب الإحادي السائد، والقيود المشددة على اللغة والخيال لدواعٍ صوابية، في حين انخفضت القدرة على الإنتاج الحقيقي، ومعها القدرة الشرائية لعشرات الآلاف، مع نزع التصنيع وسياسات التقشف. بدا الحراك الاجتماعي، حتى في العالم الأول، فاقداً للهدف والخطاب والقدرة على التنظيم، وكثيراً ما تمّ اتهامه بالشعبوية والعنصرية، ونفيه خارج صوابية العالم البورجوازي. وقد يكون حراك «السترات الصفراء» في فرنسا أفضل مثال عن ذلك.
العاطلون عن العمل، الذين يعوّل هارفي على تحركهم المناهض للرأسمالية، لا يملكون فعلياً الإمكانات التنظيمية، أو التراكم الثقافي والسياسي، الذي يمكّنهم من إحداث تغيير بالعمق الذي يتوقعه.
خطر «الأفكار الصحيحة»
وإذا كان هارفي متنبّهاً نسبياً لسؤال الحامل الاجتماعي، فإن مفكرين آخرين، يُحسبون على اليسار، يتجاهلونه بشكل شبه كامل. الحديث الدائم عن «ضرورة تغيير حياتنا» يدفع للتساؤل عن المُخاطَب بهذه العبارة: حياة مَنْ التي يجب تغييرها بسبب تماديها بالاستهلاك، وانعدام وعيها؟ سكان الريف الفرنسي أو الإيطالي، الذين يعانون من تراجع الخدمات الأساسية وانهيار أوضاعهم الاجتماعية؟ أم أبناء الدول النامية، الذين أصبحوا مؤخراً «طبقة وسطى» بمعايير عالمثالثية؟
الأكثر خطورة هو التعويل على الإمكانيات التغييرية لتوقف حياتنا الاعتيادية، إذا كان الناس وافقوا على الانسحاب إلى منازلهم بعد انتشار كورونا، فهم فعلوا ذلك خضوعاً لإجراءات قاسية من السلطة التنفيذية، قد يمكن تحمّلها مؤقتاً، ولكن اعتبارها محركاً للتغيير، سيعني اللجوء لهذه السلطة دوماً لتنفيذ الأفكار الصحيحة، عبر إجراءات تحدّ من خيارات البشر وحرياتهم، ومعظم الحكام الاستبداديين في التاريخ كانت لديهم أفكار صحيحة، حاولوا تطبيقها قسراً، وإيقاف حياة البشر الاعتيادية لأجلها.
بهذا المعنى قد يكون سؤال التغيير مطابقاً لسؤال الحامل الاجتماعي، ولذلك الأجدى التفكير بطرق بناء وتهيئة هذا الحامل، بدلاً من الاقتصار على البحث عن أفكار صحيحة، تصدم وعينا الفردي، وتشعرنا بمدى خطيئتنا في هذا العالم، بأسلوب شبيه بالوعظ الديني. قد يكون التركيز على استعادة الحيز العام، وتخفيف القيود، سواء قيود «التباعد الاجتماعي» أو قيود العقائد الصوابية، ودعم الاحتجاجات الاجتماعية ثقافياً وسياسياً، حتى لو بدت متعارضة مع الأفكار الصحيحة، هي الطريق لتحقيق تراكم تدريجي، يتيح مستقبلاً نشوء حركات اجتماعية قادرة على التغيير.
٭ كاتب من سوريا