قضية خليفة.. ‘الطاسة ضايعة’ والشعب أصغر من أن يعرف

يخطئ من يعتقد أن الحكومة البريطانية، بتسليمها رجل الأعمال الهارب عبد المؤمن خليفة، قد منحت السلطات الجزائرية هدية مسمومة انطلاقا من فرضية أن الرجل سيحاكم ويدلي باعترافات ومعلومات تكشف الكثير وتورّط رؤوس الدولة الجزائرية في فضائح السرقات والفساد.
السلطات الجزائرية في راحة ولن يحرجها خليفة وقضيته لأنها تعوّدت على إدارة القضايا الشائكة سياسيا وقضائيا وإداريا. امتلكت خبرة جيدة في التحكم فيها والخروج بها ومنها بأقل الاضرار.
نظرة سريعة على ما تداولته وسائل الإعلام الجزائرية في السنوات العشرين الأخيرة من قضايا كبرى، تحيل بسرعة إلى هذا الاستنتاج: التحكم الجيد في الملفات. لا يذكر الجزائريون قضية واحدة نالت مسارها الطبيعي ووصلت إلى نهايتها كما يجب أن تكون: من المبارك بومعرافي المتهم بقتل الرئيس الراحل محمد بوضياف في صيف 1992، إلى قضية الوزير شكيب خليل المتهم بالفساد وسرقة المال العام، وما بينهما. لا توجد قضية أو محاكمة واحدة أشفت غليل الرأي العام الجزائري أو عرف منها ما من حقه أن يعرفه. في كل مرة ‘تضيع الطاسة’ ومعها الحقيقة.
الجزائريون يعيشون جوعا هائلا عندما يتعلق الأمر بهذا النوع من القضايا التي تخصه ومستقبل وأموال أبنائه. السبب أن هذه السلطة تحتقر هذا الشعب وترى أنه أصغر من أن تحيطه علما بأي شيء، فتدير ملفاتها كما يحلو لها مراهنة على عنصر الزمن. النتيجة أن الجزائريين يكرهون حكامهم ولا يثقون بهم.
هذه بعض الحالات، بقدر ما تسمح به هذه المساحة: المبارك بومعرافي حوكم في أيار (مايو) 1995 ولم يتلفظ بحرف واحد (حتى اسمه وتاريخ ولادته لم يذكرهما) أثناء محاكمته التي استمرت عدة أيام وانتهت بالحكم عليه بالإعدام. إلى اليوم لا أحد يعرف أين بومعرافي وما وضعه تجاه القانون.
حسن حطاب.. مجرم انتسب إلى الجماعات المسلحة في منتصف التسعينات في ظروف غامضة، عاث في الأرض فسادا وتقتيلا ثم ‘تاب’ عن جرائمه في ظروف أكثر غموضا. ولا أحد يعرف اليوم أين هو وما مصيره ولماذا لم يحاكم. كل ما هو معلوم أنه معزز مكرم في ضيافة الدولة الجزائرية، وقد التقاه صحافيون، تحت الأعين الأمنية الساهرة، في إقامة فاخرة بأعالي العاصمة.
عمار صايفي المدعو عبد الرزاق ‘البارا’ (المظلي).. مجرم آخر انتسب الى الجماعات المسلحة، صال وجال وقتل ثم اختطفته جماعة انفصالية تشادية تسلمته منها الجزائر في ظروف غامضة ووساطات في 2004. لا أحد يعرف اليوم أين هو وما هو وضعه تجاه القانون. الأكيد أنه معزز مكرم في ضيافة الدولة الجزائرية هو الآخر.
عبد الحق العيايدة.. مجرم آخر، مارس التقتيل كيفما بدا له، ثم اختفى وظهر في المغرب. جيء به من هناك ووضع في السجن وخرج منه وهو الآن حر طليق يدلي بالمقابلات الصحافية كأنه نجم غنائي. لا أحد من ضحاياه وذويهم يعرف كيف ولماذا، ولا أحد يشعر بأن العدالة تحققت.
عاشور عبد الرحمن.. ‘رجل أعمال’ أُدين بسرقة ثلاثة آلاف ومئتي مليار دينار جزائري سيولة من المصارف الجزائرية، رقم يفوق أكثر الخيالات خصوبة. اعتـُقل في المغرب وسُلم للجزائر، لكنه أُدين بمفرده. من سيصدّق أن رجلا يستطيع بمفرده نهب كل هذا المبلغ ثم يفر إلى المغرب؟ مَن الشركاء وأين هم ولماذا لم يحاكموا؟ مرة أخرى: الشعب أصغر من أن يعرف!
فؤاد بولمية.. شاب اتُهم بقتل قيادي جبهة الإنقاذ عبد القادر حشاني في أواخر 1999. حوكم محاكمة بلا أسئلة جدية حتى أن إحدى الصحافيات وصفتها بـ’الجراحية’ كناية على عجلتها ورغبة كل أطرافها (قضاة، نيابة، محامون) في الانتهاء منها بأسرع وقت. حُكم عليه بالإعدام ثم أفرج عنه في ربيع 2006 دون أن يقتنع احد بأنه قاتل حشاني، وإذا كان هو فعلا، لماذا ولمصلحة من ارتكب جريمته.
شكيب خليل.. وزير الطاقة منذ السنوات الأولى لوصول بوتفليقة إلى الرئاسة. بعد نحو عشر سنوات في الوزارة يكتشف الجزائريون، بفضل القضاء والإعلام الإيطاليَين والكنديَين، أنه ضالع في فساد ورشاوى يندى لهما الجبين.
غادر خليل الجزائر من مطاراتها الرسمية دون أن يسأله أحد. كيف؟ ومن سمح بذلك؟ ولماذا؟ الجواب: الجزائريون أصغر من أن يمتلكوا حق السؤال.
عندما أرادت الدولة الجزائرية جلبه عجزت (على افتراض أنها كانت جادة في ذلك). قالت وسائل الإعلام المحلية إن الأمر بالقبض (عليه) الذي صيغ في الجزائر تضمن أخطاءً إجرائية جعلته لاغيا. وتلى ذلك تراجع الحديث عنه بحيث لا أحد يعرف اليوم أين وصلت القضية.. هل ما يزال الرجل مطلوبا أم لا. السؤالان الضروريان هنا هما: هل فوق الأرض غافل يصدّق أن الدولة الجزائرية عاجزة عن صياغة أمر بالقبض؟ إذا كان الحال كذلك وأخطأت أجهزة الدولة، فأي احترام بقي لهذه الدولة؟
هذا غيض من فيض. على ضوء الأمثلة السابقة، يحق للمرء أن يتكهن بأن مصير عبد المؤمن خليفة لن يشذ عمّا سبق.
السيناريوهات الممكنة في قضية خليفة تتراوح بين الأسوأ والأفضل. مع نظام حكم برع في إنتاج الغموض وإدارته، كل السيناريوهات واردة.. كل شيء إلا محاكمة منزهة ومجردة من الضغوط والشوائب.
أسوأ الاحتمالات أن يوضع خليفة في سجن ما، ثم تحدث محاولة فرار جماعي ‘عفوية’ تواجَه بعنف ينتج عنه ضحايا يكون هو أحدهم. وإن نجا يختفي كما اختفى بومعرافي منذ ‘محاولة الفرار الجماعي’ التي شهدها سجن سركاجي بالعاصمة في شباط (فبراير) 1995 وانتهت بمذبحة.
وأفضل الاحتمالات أن ‘تفكك’ قضيته إلى قضايا فرعية يحاكم على كل واحدة منفصلة فتتداخل التفاصيل وتؤجل المحاكمة تلو الأخرى. يقضي الرجل السنوات المقبلة سجينا إلى أن يلعب الزمن لعبته ويتراجع اهتمام الرأي العام المحلي والدولي، ثم يقول النسيان كلمته. بعدها يحكم عليه بخمس سنوات ـ مثلا ـ يكون قد قضى منها أربعا، فيطلق سراحه بعد ستة اشهر يتخللها عيد ديني أو وطني يصحبه عفو رئاسي، كما جرت العادة، يشمله.
بين الأسوأ والأفضل، هناك هامش الصفقات. إحداها أن يجري الاتفاق مع خليفة على التزام الصمت، أو قول أقل الممكن وعدم ذكر أسماء كبرى، أثناء محاكمته لقاء استفادته من حكم مخفف.
هناك واقع آخر يحيط بالقضية ومن شأنه أن يدفع إلى تأجيلها طويلا. القضية كبرى ومتشعبة قانونيا وإداريا وجغرافيا. بمعنى أن التحقيقات ستحتاج إلى خدمات مكاتب استشارات دولية ومحاسبين أجانب ووثائق تترجم من أكثر من لغة (الى العربية لغة المحاكم الجزائرية). وهذا كله يحتاج إلى صبر وقت واموال طائلة ومعرفة. هنا من حق أحدهم أن يتساءل: كيف يمكن الوثوق بإدارة أخطأت في صياغة طلب يتيم الى الشرطة الدولية بجلب شكيب خليل، أن تنجح في ـ دوليا ـ في قضية خليفة؟
أيًا كانت نهاية هذا المسلسل، ومهما قيل وسيقال فيه، هناك حقيقتان سيحفظهما التاريخ: الأولى أن الجزائريين لن يعرفوا عنه ما من حقهم معرفته، والثانية أن الأموال التي نُهبت، وهي مدخرات الجزائريين أفرادا ومجتمعا، لن تعود.
وفي الحالتين، ‘الطاسة ضايعة’ والشعب أصغر من أن يعرف.

‘ كاتب وصحافي جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية