قطعة ناقصة من سماء «رائد وحش»

بنبرة رثائية منكسرة، وإحساس مرَضي بغياب السماء، وشعور عميق باليتم، يودع رائد وحش دمشق، هارباً من جحيم الحرب المجنونة في ليلة مقمرة. يغادر وهو يحدّق في قطعة ناقصة من سماء البلاد التي أحبها (قطعة كبيرة جداً، لدرجة أن السماء لا تبدو ناقصة وحسب، بل مفترَسة). حيث يحتل السواد وساعات الزرقة، ويلطخها بندبة داكنة تكبر وتتمدد بلا توقف. وكأنه يحتج على ما أخذته الحرب من نصيبه في السماء الزرقاء. بعد أن تم حرمانه من حصته الأرضية. وذلك في كتابه السردي (قطعة ناقصة من دمشق) الصادر حديثاً عن دار النايا للنشر والتوزيع.
وكمن يترنح على حواف الجنون الفجائي، صار يتفقد الأرض من تحته. لا لأنه انتبه إلى أنه بلا سماء وحسب، بل لأنه اكتشف نفسه وحيدة بلا نفسها، حسب تعبيره. وهكذا صار الوقت يمرّ وكأنه لا يمرّ. فتلك لحظات ميتة تماماً. وآنذاك باغتته ذكرى امرأة مضمرة في باله، برسالة منزّلة في موبايله كالرحمة الإلهية. فاجتاحته نوبة بكاء. ومنذها صار جدار (الفيس بوك) هو حائط مبكاه ليكاتبها. فهي وحدها التي وهبته فكرة الحنين إلى الغد. على الرغم من أنهما لم ينجزا ماضياً يليق بالحبّ الذي يحملانه. ومجرد وجودها كطيف إلى جانبه يجعله سعيداً بالقليل الذي حدث. فهي امرأة الغد التي ستهبه إمكانية الإنتقال بين مخالب أيام لا توفر أرضاً ولا سماء. متسلحاً بقنديل كاز قديم ليعبر النفق.
صاعق الرحيل القسري هذا أعاده إلى ارتحالات أخرى. إلى نبع المعاناة الطويلة وبانوراما البؤس. إلى الهناك. مخيم خان الشيح، المقدود إسمه من المكان. بتأسيس أسطوري مستمد الماء الأعوج الجاري في نهر اسمه هو وصفه. دياسبورا القبائل الفلسطينية التي هاجرت من فلسطين المنكوبة. حيث المكان المؤقت الذي يفرض حسّه الطارىء على من يعيش فيه، حتى بعد أن أضاءت شرايينه الكهرباء والماء في خارطة مبعثرة من العشوائيات، وكأن القدر يقول أن المكان الملفق هو الأنسب. وأنه مهما تعقّد يظل أقل مما يليق بالبشر. حيث غادرت أختاه المخيم مشياً على الأقدام، فأعادتا سيرة أقدام الجدات اللاتي أتين إليه قبل نصف قرن مشياً على الأقدام أيضاً.
الذكريات تنثال في النص لتلتصق بالحاضر. إذ يسرد البؤس سيرة البسطات كنتاج للحرب والتشرد. بل أن حياة الفقراء ذاتها تحولت إلى بسطة مطروحة أمام العابرين. حيث تضج الشوارع بالحيوات الهاذية المرعوبة من هول الحياة. مسّوس أبو الشيخ، الذي كان اسمه مرسى، تحول إلى بسطة يحاول أن ينظم السير وترتيب ما تبقى في وجدانه ووعيه، بعد أن فقد عقله ووظيفته. وكان قد فقد ابنته، بعد أن سقاها حليب بقر، إثر جفاف ثديي زوجته. حيث ظل يركض بابنته المتخيّلة إلى الطبيب إلى أن فقد حياته أيضاً. وهكذا تحول كل شيء إلى بسطة حتى الكتابة.
كل شيء يعود إلى الوراء، لأن البلاد التي تنقتل لحظتها تتراجع بدون خطوط دفاعية. حيث عاد الألق للبقالة البسيطة المكدسة بالفوضى. وتحديداً دكانة صبحي. الأدوية على الرفوف. مسكن ساريدون. الحلويات القديمة. الكحل والحناء واللوازم المدرسية إلى جانب الأكفان. ألواح الثلج الملفوفة بالخيش المبلول بالماء. المازوت والكاز والقناديل والبرابير، التي تقول كلها بأن الزمن يمشي إلى الوراء. إذا يكتشف الأبناء أن حكايات آبائهم ليست ضرباً من المغالاة. بل هي حقائق عاشوها ويعبرون اليوم مع أبنائهم فصلاً جديداً من البؤس، لتتوحد القصص كلها في قصة واحدة مفادها أن العالم ظل يحاول إقناع أدمغتهم العنيدة (أن البيت الحقيقي هو القبر، والباقي محطات ليس إلا).
إنه كابوس طويل ومتكرر. فالخراب لا يُنتج أحلاماً وردية. وليس بمقدوره التحكم في مونتاج المنامات. منام يستظهر ذاته المقهورة تقود سيارة مطاردة بسيارات البوليس، لتتوقف سيارته وخياله أمام رجل أمن قبيح له خصية في حلقه. وكل نظرة من عينيه كأنها فوهة مسدس. حين باغته بضحكة شيطانية تبشره بحتفه. قبل أن يحدث القطع الكابوسي. لتطل هيام، ابنة الجيران التي تبيع الفلافل. هيام التي طاردها صبياً وطلب منها الزواج فصفعته بصدودها: (انقلع). وحين أحست أنه قد انصرف عنها بالفعل بدأت تطارده بحيلٍ أنثوية تقليدية. فيما بدأ هو يخجل من ذوقه. وصار حياده العاطفي يريه شعرها الذي ظنّه ذهبياً، مجرد ألياف لعرنوس ذرة. هيام الجميلة كنقطة في مصحف لم يعد جمالها إلا وسيلة لإيقاظه من كابوسه، الذي صار هو الحقيقة داخل حياة هي مجرد فواصل من الوهم.
كل شيء يتناقص. حتى منسوب الحياة نفسها يكاد ينتهي. إلا أنه يظل على قيدها. شيء غامض يبقي قنديله مشتعلاً رغم انتهاء زيته. لكأنه بهذا الضوء النحيل يقاوم العدم بعاطفة بدائية لا يعرفها إلا من داسته الحرب (فمع الظلام وتوقف الحركة البشرية تدريجياً، حتى وصول الكون إلى سكون كلي، تعاودك هواجس الإنسان القديم. بل كأنك هو رغم هذه القرون كلها). والمطلوب منك أن تضيء حيرته بالكتابة. فأنت المصطفى بذلك. أو هكذا يحدث نفسه في مونولوغ داخلي صاخب، ويراود نفسه بالعواء، ليوقف مجاز القنديل المشتعل. وهذا هو قدر الإنسان المتوجس من سقوط قذيفة في أي لحظة لتحيل بيته إلى غبار. حيث يصير الليل حينها لئيماً، ويكون أذان الفجر طوق نجاة من موت محقق في العتمة.
أبو خلدون حكاية أخرى يسردها ليتخفف منها قبل الرحيل، أو ليتفكّه بأوجاعها ضد ويلات الحرب. فهذا الذي يسامرهم منذ عشرين سنة ينام بمجرد وصوله إلى حلقة المسامرة. ويقوم مع انفضاض القوم. ويوهمهم طوال الوقت بأنه متابع لما يحكونه. من خلال ضحكة ذات مغزى يتظاهر أنها ضحكة داخل المنام. ربما لأنه يعي أن النزوح الدائم هو قدر هذه المخلوقات. وهو المفصل الذي صارت فيه تلك الكائنات تفكر في النزوح. حيث (صار الوطن سجن والشعب رهائن) بموجب الصفحات الإنشطارية التحريضية في الفيس بوك. ومن خلال صفحة كبرى جامعة عنوانها (الحرية للشعب). معنية بالدفاع عن المعتقلين، بعد أن حوّل الفاشيون البيوت إلى غرف تفتيش ومنصات إعدام.
كأنه يودع كل المخلوقات والشخوص الذين كانوا جزءاً لا يتجزأ منه. في اللحظة التي تتمدد فيها تلك القطعة الناقصة من سماء دمشق. ربما لأنه يريد رحيلاً هادئاً وخفيفاً. وهكذا يستدعي محل الشاورما الذي أُعتقل صاحبه وحل محله واحد يصنع سندويتشات لها طعم البلاستيك المحروق. يودع (حياة) السمراء النحيلة التي تملأ المضافة الديمقراطية بنكاتها الجنسية، وقدرتها العبقرية على القص، عندما تتباذأ في الكلام، وتلعن وتتزندق، ومع ذلك يلقبونها بالقديسة. يلوح لجثمان طفلة صغيرة مقتولة ومرمية على قارعة الطريق. بنت بريئة كابتسامة الله. بنت جميلة يصلح وجهها بديلاً للشروق. يُستكمل نعيها والتمثيل بجثتها في الفيس بوك.
يتحدث بحزن عن (أبو طارق) الذي خلع الخوف كحذاء ومشى بكامل حفاء قلبه. رافضاً التشفير، فالوضع لم يعد يحتمل. وبعد أن احتفل بالنصر مع مقتحمي (الحجر الأسود) صار يبعث الرسائل المشفرة للفارين من مساكنهم قبل أن يتحول إلى جثة هامدة. يستدعي جمعة العسكري المُحب للرئيس. يتحدث عن المصوّر المغدور، الذي تم اغتياله على طريقة أفلام الأكشن. يأتي بدلال من خزان الذكريات. يستدعي الميجور بلغته الفصحى التي لا يدري أحد من أين أتى بها. يسري عن نفسه بالكلام عن بشر يتساوون جميعاً في عدالة وشريعة الأكل الإضطراري للبطاطا والبصل. يرثي الغابات المحروقة، الطبيعة المدمرة، والأشجار التي تحولت إلى قرابين. يسرد بألم مآلاته، إخوته وأحبائه مع ويلات الغرق والسجن والموت. يستذكر تلك الشخصيات المؤمكنة، كمن يعاند رياح تحاول إقتلاعه من مكانه. فهم العروق التي ينغرس بها في الأرض. يستدعيهم ليتعافى من حالة إنعدام الوزن. وكناجٍ من مجزرة لا شهية له لا للطعام ولا للخروج ولا للكتابة، يتوحد مع نفسه ويفعل اللا شيء. يندس في هوية مزورة (مروان حمد حسن) لينجو من آلة القتل اليومي. يعتلي سطح المنزل ليسمع امتزاج اسم الله بالآذان. فالبيت هو المكان الوحيد الذي يمكنه المشي في ظلامه بدون خوف. هذا إذا بقي البيت على حاله. فهؤلاء مكتوب عليهم بناء بيوت لا يسكنونها، بمنطق جدته. فهم عرضة للتشريد وبيوتهم عرضة للتهديم والسلب (وفي علم نحو المخيم: البيوت مبنية للغياب، ونحن مبنيون للمجهول).

٭ كاتب سعودي

محمد العباس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية