تُعدُّ قلعة حلب السورية بناء تاريخيًّا وعسكريًّا متميّزًا، حيث تعاقبت على بنائها وترميمها وتطويرها حضارات وممالك ودول عديدة، كما أنها تأخذ أهمية معمارية كبيرة باعتبارها صرحًا هندسيًا إسلاميًا رائعًا من طراز فريد يوازي قيمتها العسكرية البارزة، وكانت منطلقًا وقاعدة للكثير من الحكام والملوك والقادة وشهدت أهم أحداث الشرق من عصر الآراميين مرورا بالعديد من الحضارات وحتى العصر الإسلامي، حيث عرفت بأنها الحصن الأهم في الشمال السوري فتعاقب على أشغاله الحثيون والآراميون والسلوقيون والرومان والبيزنطيون والمسلمون عبر تاريخها الطويل.
تقوم القلعة وسط مدينة حلب الحالية على مرتفعٍ بارزٍ وتشرف على أرجاء المدينة كلّها. وقد أظهرت التنقيبات الأثرية وجود آثارٍ تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد، إلى جانب وجود آثار بيزنطية ورومانية، ممّا يثبت أن هذا المكان قديم جدًا تقترب من ثلاثة آلاف سنة، حيث يُعتَقَد أن القلعة القديمة بُنِيَت فوق تلٍ طبيعيٍ، يشكّل النطاق الطبيعي والأول للمدينة القديمة، إلا أن القلعة الحالية تثبت عبر بنائها وتخطيطها أنها عربية إسلامية خالصة.
تتميّز قلعة حلب بضخامتها حيث تعد واحدة من أكبر القلاع في العالم المبنية على التلال المرتفعة ويحيط بها خندق عريض وواسع ويعود تاريخها إلى عصور قديمة، ويتم الوصول إليها بواسطة درج معلق ضخم يمر عبر بوابة مرتفعة الوسط ومقام على قناطر تتدرج في الارتفاع حتى البوّابة الرئيسة للقلعة.
وقد وصف ابن بطوطة في رحلته المدونة «تحفة النظار في غرائب الأمصار» قلعة حلب بأنها «شهيرة الامتناع، بائنة الارتفاع، تنزّهت حصانة من أن ترام أو تستطاع، منحوتة الأجزاء، موضوعة على نسبة اعتدال واستواء، قد طاولت الأيام والأعوام، ووسعت الخواص والأعوام، وبداخلها جبلان ينبع منهما الماء فلا تخاف الظمأ، ويطيف بها سوران وعليها خندق عظيم ينبع منه الماء، وسورها متداني الأبراج» وكان أول من أقام القلعة في مكانها الحالي، حسب ابن شداد في كتابه «الأعلاق الخطيرة» هو سلوقس نيكاتور، مؤسس السلالة السورية السلوقية، وربما حلب القديمة كلها كانت مبنية على هذه القلعة. وورد في المراجع أن من مظاهر اهتمام السلاطين والأمراء بالقلعة، تعيينهم والياً على المدينة وآخر على القلعة، والي القلعة ووالي المدينة، تحسبًا لحدوث أي عصيان. وفق عدة مراجع تاريخية.
شكل القلعة الحالي
ندخل إلى القلعة من بوابة ضخمة من خلال برج دفاعي مستطيل الشكل، ينتهي بالمدخل الكبير للقلعة، ويتكون من دهليز ينتهي بباب ضخم من الحديد، تعلوه فتحات للمرامي والمحارق، ويعود إلى عصر خليل بن قلاوون الذي جدده ورممه. وتعلو الباب قنطرة حجرية عليها نحت ممتد على طولها ثعبانان يعرف بباب الثعابين، وبعد اجتياز هذا المدخل نصل إلى دهليز آخر في إيوانه الشمالي باب يتصل بدرج يؤدي إلى قاعة الدفاع، وللقلعة باب رابع خشبي فوقه نحت أسدين متقابلين يعرف بباب الأسدين، وبعد اجتياز الباب نصل إلى ممرات مختلفة من بينها ممر القلعة الداخلي والدرج المؤدي إلى القصر الملكي ومسجد إبراهيم الخليل الذي أنشأه الملك الصالح إسماعيل بن محمود بن زنكي سنة 536 هجري وعلى مدخل المسجد، وعلى جدرانه كتابات تأريخية. ويلي هذا المسجد بناء آخر هو مسجد ذات مئذنة مربعة عالية، أنشئت في عصر الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي، وإلى جانبه تقوم ثكنة عسكرية أنشئت في عصر إبراهيم باشا المصري سنة 1834م. وفي وسط هذه الرابية قاعة كبيرة، نصل إليها من خلال سبعين درجة تحت السطح، كانت تستعمل مستودعاً للحبوب والعلف.
ومن القصور التي ما زالت قائمة، قصر يوسف الثاني حفيد غازي، مزين مدخله بمقرنصات جميلة، وأمامه ساحة مرصوفة بأحجار صغيرة ملونة ذات رسم هندسي بديع، ونتجه من القصر إلى قاعة العرش، ندخلها من بوابة ذات أحجار ملونة، تعلوها مقرنصات كثيرة وزخارف مختلفة شُيِّدت في العصر الأيوبي، ومن أجمل نوافذ هذه القاعة، نافذة كبيرة ذات شباك مزخرف بصيغ عربية، ومن خلاله تُرى مدينة حلب مترامية الأطراف عند مدخل القلعة.
تاريخ القلعة أمام المخاطر
استمرت القلعة مركزًا للمدينة إلى أن اقتحمها المسلمون بقيادة خالد بن الوليد، حيث يقال إنه اقتحمها بالحيلة مع مجموعة من جيشه الذين تخفّوا بجلد الماعز، فبدوا قطيعاً يقضم العشب من سفح الرابية، وكان الروم في احتفال وسكر ونشوة، فقتلوا حامية البوابة، وفتحوا الأبواب بعد إشعال النيران علامة من المهاجمين الذين دخلوا القلعة، وأجلوا من فيها من جند وسكان. واستقر الفتح الإسلامي منذ ذلك الوقت في حلب وقلعتها المنيعة التي صدت هجوم الروم والمغول والتتار، وكان أول من استعملها سيف الدولة الحمداني ثم المرداسيون وبعدهم آل سنقر ثم رضوان بن تتش أصلح فيها، ولكن الأيوبيين هم بناتها كما هي اليوم.
تعرضت قلعة حلب لغزو المغول بقيادة هولاكو سنة 658ه/1260م ولقد هَدَم كثيراً من معالمها، بعد أن وعد بحمايتها إذا ما استسلمت، وتحررت القلعة بعد انتصار العرب على المغول في موقعة عين جالوت. وقام الملك الأشرف قلاوون بترميم ما تهدم منها. ثم جاء تيمورلنك الأعرج سنة 803ه/1400م، فهدم المدينة والقلعة، وقام المماليك بتحريرها وترميمها.
ثم استولى عليها العثمانيون سنة 923ه/1516م وجاء إبراهيم باشا بن محمد علي باشا من مصر عام 1831 واستمرت خاضعة له حتى عام 1257ه/1840م وفيها أنشأ ثكنة عسكرية، وجعل القلعة مقراً لجنوده. ومنذ عام 1950 تجري في القلعة ترميمات وتجديدات من قبل المديرية العامة للآثار، كما أجريت فيها حفريات أثرية للتعرف على تاريخ هذه القلعة قبل الإسلام.
تاريخ الاهتمام بقلعة حلب
كان أول مَن اهتم بالقلعة في العصر الإسلامي الأمير سيف الدولة الحمداني الذي أمَرَ بعمارتها وتحصينها وبنى سورًا لمدينة حلب وذلك بعد أن خربها الإمبراطور البيزنطي نقفور، حيث كان في صراعٍ عنيفٍ مع البيزنطيين، وكان أول من اتخذ القلعة مقرًا لإقامته وإدارة الحكم له ولمن جاء من الولاة والحكّام من بعده، واستمرّت العناية بالقلعة في العهود اللاّحقة، حيث بنى نور الدين الزنكي، وهو ينتمي أصلاً إلى العهد السلجوقي، أبنيةً كثيرةً فيها، كما رمّم كامل القلعة وأعاد بناء سورها وبنى فيها مسجدًا، وحين جاء صلاح الدين قام بأكبر عمارة وترميم في أسوار المدينة وداخل القلعة، كما سجلت على جدران القلعة أسماء كل من قاموا بتجديدها وترميمها، وشهدت ازدهارًا كبيرًا في عصر الظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي، حيث ترك آثارًا عسكريةً معماريةً هامّةً. فكانت المجموعة المعمارية والتّحصينات التي أقامها تُشكّل إعجازًا في التحصين وفي نسق العمارة العسكرية في القرون الوسطى، حيث جدّد حصونها وبنى منحدراتها التي تبدأ من السُّور وتنتهي في قعر خندقٍ، بناءً مُتقنًا كالجدران لكي يتعذّر التسلق عليها.
وفي العهد المملوكي، جدّد عمارتها الأشرف خليل بن قلاوون، ثم جدّد بعض أجزائها السلطان الملك الناصر بن برقوق. وكانت آخر الترميمات المملوكية قد حدثت أيام السلطان قانصوه الغوري آخر السلاطين المماليك. والجدير بالذكر أنّ الترميمات المملوكية أبقت على شيءٍ من مظاهر القلعة الجميلة.
استمرت عمليات الترميم بين الفينة والأخرى إلى أن أنجزت مجموعة آغا خان الترميم الأشهر للقلعة في الأزمنة الحديثة من خلال شبكة آغا خان للخدمات الاجتماعية التي تعمل في سوريا منذ عام 2000 وحضر حفل افتتاح القلعة قبل الثورة محمد ناجي عطري رئيس مجلس الوزراء آنذاك، والدكتور تامر الحجة محافظ حلب، وشقيق الآغا خان الأصغر أمين آغا خان.
استمرت القلعة مقصدًا للسياح والمواطنين من حلب وغيرها من المدن السورية، إلا أن واقعها تغير جوهريًّا مع أواسط عام 2012 حيث نصب النظام السوري داخل القلعة العديد من مرابض المدفعية وراجمات الصواريخ بهدف استهداف الأحياء الخارجة عن سيطرته، وأثناء الحرب، شهدت القلعة جولات عنيفة، وقد حوصرت القلعة عدة مرات من قبل فصائل الجيش الحر إلى جانب محاولات اقتحامها.
وقد تبادلت المعارضة والنظام السوري الاتهامات حول المسؤولية عن تفجير أنفاق تحت قلعة حلب الأثرية، واتهم النظام مسلحي المعارضة بتفجير أنفاق في المدينة القديمة عام 2015 الأمر الذي ألحق أضراراً بالغة بسور قلعة حلب، إذ انهار جزء من السور في الجهة الشمالية الشرقية لقلعة حلب، كما تعرض المدخل الرئيسي للقلعة لأضرار بسبب القذائف التي سقطت نتيجة الاشتباكات بين الطرفين في حلب القديمة ومحيط القلعة الأثرية، إلا أن المعارضة أكدت أن التفجير ناتج عن قيام القوات الحكومية بتفجير نفق أثري تحت القلعة، مما أدى إلى انهيار السور. وأعقب ذلك اشتباكات عنيفة بين الجانبين.

بعد السيطرة على المدينة
بعد السيطرة على مدينة حلب عام 2016 من قبل النظام بدأت مرحلة جديدة من إعادة الإعمار والترميم للقلعة بإشراف مجموعات مختلفة من بينها مجموعات تابعة لمجلس المدينة وأخرى تابع لمجموعة آغا خان الاجتماعية، إلا أن شهادات من أهالي المنطقة أشارت إلى استبدال الكثير من حجارة القلعة وسفحها الأساسية بالحجارة الجديدة التي لا تتمتع بمواصفات حجارة القلعة القديمة، إضافة إلى وجود تسريبات عن تنقيب غير شرعي لشبكات من المستفيدين بعد ظهور جدران لمعابد قديمة داخل القلعة.
ويبقى السؤال الأكثر تردادًا على ألسنة الحلبيين «هل يعود الناس إلى حلب بعدما ضاع تاريخهم فيها»؟
طمس التراث صعب للغاية
تتعهد الترميمات في أسواق حلب والمسجد الأموي والقلعة، مؤسسة الأغا خان، وقد أنجزت إلى الآن ترميم سوق السَّقَطِيّة، وسوق الخابية.
تشرف على عمل المؤسسة وفق الباحث والأكاديمي السوري عرابي عبد الحي عرابي، عدة جهات منها مؤرخون حلبيون ومهندسون وشخصيات اجتماعيّة حلبية، كما تشرف كمؤسسات لجنة مشتركة من جمعية العاديات والمعهد التراث العربي وكليّة الهندسة في جامعة حلب، وكلية الآداب قسم التاريخ من جامعة حلب وشخصيات من مديرية أوقاف حلب، ومديرية الثقافة، ولذلك فإن التلاعب وطمس التراث أو معالم معينة من حلب أمر صعب مع وجود هذا الكم من الخبراء المتابعين لعمليات الترميم.
ولكن، بدأت من خلال جمعيات شيعية مختلفة مثل جمعية المهدي العالمية، وشركة الأنوار الماسية المحدودة المملوكة لعائلة بهمن الكويتية الشيعية، بشراء منازل باهظة الثمن في مناطق مختلفة حول جامعة حلب «الفرقان» وفي مناطق الشهباء والمحافظة وحلب الجديدة وشارع النيل.
وبعد سيطرة قوات النظام على كامل حلب بدأوا بشراء منازل في حي الصالحين والسكري وصلاح الدين خاصة قرب مشهد الحسين أو المعروف بجامع النقطة في حي الإذاعة وذلك بهدف جعل هذا الحي شيعيًّا بالكامل.
وقال الباحث لـ «القدس العربي»: بالتوازي مع ذلك قامت الميليشيات الإيرانية متمثلة بلواء الباقر وحزب الله السوري- أغلبهم من نبل والزهراء- باحتلال مئات المنازل في حلب الشرقية بعد سقوطها ووُزِّع جزء منها عام 2018 على شيعة كفريا والفوعة القادمين من ريف إدلب، وتوزعت مناطق توطينهم على أحياء الصالحين والسكري والفردوس والمشهد والميسّر من ناحية أخرى لم يُرصد إقبال الإيرانيين على شراء عقارات كثيرة في أرياف حلب لكن هناك حضورا لهم في عمليات الشراء في أطراف مطار حلب ومنطقة الشيخ نجار الصناعية.
طبعا عملية الشراء تتم بالليرة السورية غالبا إلا في المناطق غالية الثمن فهي بالدولار وتتم عبر وسطاء محليين أغلبهم شبيحة انتسبوا لميليشيات الدفاع الوطني وتجمعهم مع ميليشيات إيران علاقات شخصية أو معارف سابقة قبل الثورة، إضافة إلى شركة حسام قاطرجي النائب في مجلس الشعب حيث يقوم بتسهيل عمليات الشراء وإرسال التهديدات لمن لا يرغب بالبيع في حال كان العقار مهمًّا.
احتلال باستخدام القانون
في عملية السيطرة على عقارات مدينة حلب يرى الأكاديمي السوري عرابي، أن الإيرانيين يحاولون جعل احتلالهم للمدينة قانونيًّا بحتًا؛ فغالبًا لا يشترون إلا العقارات ذات الملكية القطعية «الطابو» ويرفضون شراء الملكيات الأدنى مثل «حكم المحكمة» ويدفعون مبالغ عالية أكثر من السعر المتعارف عليه في السوق.
وبعد شراء العقارات تُسلَّم لإيرانيين ومقاتلين مجنّسين، وبعضها يُسجّل باسم أشخاص من شيعة نبل والزهراء.
أهمية حلب لإيران
يجدر بنا الإشارة إلى أن اهتمام إيران بسوريا لا يعود إلى حالة طارئة بالثورة السورية أو إلى ما تلاها من آثار مباشرة وإنما يعود هذا الاهتمام إلى نواحٍ متعددة تاريخيًّا واقتصاديًّا واستراتيجيًّا.
مدينة حلب ذات أهمية استراتيجية وتكمن هذه الأهمية في كون حلب إحدى المدن الأربع التي تضمن لإيران السيطرة التامة على سوريا لتحويلها لاحقًا إلى مستعمرة بحكم الأمرِ الواقع بغض النظر عن الرضا الدولي من عدمه، فالزوايا الأربع للاحتلال الإيراني في سوريا تتمركز في كل من دمشق جنوبًا وحلب شمالًا ودير الزور شرقًا واللاذقية غربًا، والإيرانيون يدركون أن وجود هذه المدن تحت قبضتهم يضمن لهم التغلغل في مستقبل سوريا دائمًا.
إيران تعتقد أن مرحلة إعادة الإعمار قريبة ولذلك فإنها تسعى إلى فرض واقع ديموغرافي جديد في مدينة حلب التي تعرضت للدمار بنسب عالية من خلال تملّك العقارات الأمر الذي من شأنه تغيير هويتها خاصة إذا كانت الملكية قطعية تستند إلى الطابو الأخضر وإيران تستبق بذلك حدوث اتفاق بين الأطراف الفاعلة في الشأن السوري على إخراجها من سوريّا، من خلال شراء العقارات في المدن الأساسية.
على الرغم من أن إيران لا تشتري العقارات في حلب بنفس النشاط الموجود في دمشق إلا أن أهميّة حلب كبيرة، فهي بوابة اقتصادية مهمة وإيران تحاول الاستفادة من هذه المنطقة الاستراتيجية على حساب السوريين.
في حال سيطرة إيران على حلب وتحقيق تغيير ديموغرافي أو ديني فيها فإن ذلك سيهدد تركيا بشكل إضافي من جهة الجنوب بفرض واقع شيعي جديد يشكل ضغطًا إضافيا عليها.