قمة سوتشي تُظهر قوة براغماتية اردوغان وبوتين

محمود علوش
حجم الخط
0

اردوغان يسعى لاستثمار مخرجات سوتشي مع بوتين كعامل ضغط إضافي على واشنطن من أجل انتزاع بعض المكاسب التي يُريدها خصوصاً في ملف مقاتلات أف 16.

أخفق الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في إقناع نظيره الروسي فلاديمير بوتين بإعادة إحياء اتفاقية تصدير الحبوب عبر الممر الآمن في البحر الأسود في أعقاب القمة التي جمعتهما مطلع الأسبوع في مدينة سوتشي الروسية. لكنّ بوتين ترك الباب مفتوحاً أمام إمكانية العودة مُجدداً إلى الاتفاقية في حال استجابة الدول الغربية لمطالب موسكو المتمثلة بالحصول على إعفاءات من العقوبات الغربية التي تقول إنها تُعرقل صادراتها من الحبوب والأسمدة. مع ذلك، لم تكن الصعوبات التي تواجه العودة إلى الاتفاقية عائقاً أمام اتفاق الرئيسين على مبادرة لتصدير مليون طن من الحبوب الروسية عبر تركيا إلى دول أفريقية مع حرصهما على التأكيد على أن هذه المبادرة لن تكون بديلاً عن اتفاقية الحبوب. تعكس أزمة اتفاقية الحبوب إلى حد كبير ميزة مهمة في العلاقات الوثيقة التي أقامتها أنقرة وموسكو بعد النصف الثاني من العقد الماضي وتتمثل في قدرتهما على إدارة الخلافات بينهما في بعض القضايا والحد من تأثيرها على استقرار العلاقات.
فعندما استضاف بوتين اردوغان في سوتشي، كانت العلاقات تشهد بالفعل حالة من البرودة في أعقاب زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى تركيا في آب/أغسطس الماضي وما صاحبته من موافقة تركيا على طلب زيلينسكي السماح لخمسة من قادة كتيبة أزوف الأوكرانية بالعودة بلادهم وإعلان اردوغان دعمه لعضوية أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي، ومن ثم الاتفاق الذي أبرمه اردوغان في نفس الشهر مع رئيس الوزراء السويدي على هامش قمة الناتو في فيلنيوس لتسهيل عضوية ستوكهولم في الناتو. كما أدت التوترات التي تصاعدت في منطقة البحر الأسود في أعقاب رفض روسيا تمديد اتفاقية الحبوب إلى زيادة قلق أنقرة من عسكرة الوضع في البحر الأسود. وألقت هذه التطورات بظلال من الشك على مستقبل العلاقات التركية الروسية. كان اردوغان يأمل أن يستقبل بوتين في تركيا في آب/أغسطس الماضي، لكنّ الرئيسين قررا بدلاً من ذلك الاجتماع في سوتشي المطلة على البحر الأسود. لم تُشر موسكو أو أنقرة إلى الأسباب التي جعلت بوتين يُفضل لقاء اردوغان في سوتشي بدلاً من تركيا. مع ذلك، فإن انعقاد اللقاء في نهاية المطاف كان بمثابة مؤشر واضح على رغبة البلدين في مواصلة علاقة المصالح المتبادلة بينهما والتركيز على المساحات المشتركة للتعاون بقدر أكبر من التباينات بينهما.
في دلالة على رغبة اردوغان وبوتين في مواصلة هذه العلاقات وتنميتها إلى مستويات متقدمة، أكد الرئيسان على طموحاتهما في رفع مستوى التبادل التجاري السنوي بينهما إلى مئة مليار دولار أمريكي أي بنسبة أكثر من ضعف التبادل التجاري الحالي الذي يبلغ نحو خمسة وثلاثين مليار دولار. كما اتفقا على المضي قدماً في مشاريع التعاون بينهما في مجال الطاقة الحيوي لكليهما خصوصاً إنشاء مركز لبيع الغاز الروسي في تركيا، فضلاً عن بحث سبل التعاون لبناء محطة ثانية لتوليد الطاقة الكهربائية في تركيا بالطاقة النووية بعد محطة أكويو التي تم تدشينها في وقت سابق من هذا العام. علاوة على ذلك، أبدى الرئيسان عزمهما على مواصلة التعاون الثنائي في مجالات أخرى مثل الصراع في سوريا. وعلى الرغم من أن الحرب الروسية المستمرة على أوكرانيا منذ أكثر من عام ونصف، زادت من الضغوط على العلاقات التركية الروسية، إلآّ أن قمة سوتشي أظهرت أنه لا يزال لدى كل من اردوغان وبوتين حوافز مُتعددة للمضي قدماً في الشراكة بين البلدين، والتي عملت بالفعل على إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في مناطق مثل سوريا وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى.
وفي محاولة منه للحفاظ على دور الوسيط الذي تقوم به أنقرة في اتفاقية الحبوب، جدد اردوغان في سوتشي التأكيد على أحقية المطالب الروسية بخصوص الإعفاءات من العقوبات الغربية قائلاً إن «الجميع يعلمون تطلعات روسيا جيدا وأنه يجب التخلص من أوجه القصور في الاتفاق» مضيفا أن تركيا والأمم المتحدة عملتا على حزمة جديدة من الاقتراحات لتهدئة المخاوف الروسية. لم تُظهر الدول الغربية حتى الآن أية مؤشرات على استعدادها للاستجابة للمطالب الروسية لا سيما تلك المرتبطة بإعادة البنك الزراعي الروسي إلى نظام سويفت العالمي للتبادلات المالية، وهو أمر من شأنه أن يُعقد جهود اردوغان لإعادة إحياء الاتفاقية وإظهار كفاءة الدبلوماسية التركية في الحفاظ على أحد المكاسب القوية التي تحققت منذ اندلاع الحرب. كما لم يصدر حتى لحظة كتابة هذه السطور أي تعليق من جانب واشنطن على مشروع التعاون التركي الروسي لتصدير الحبوب. مع أن خطوة من هذا القبيل لن تُنهي مخاطر تصاعد التوترات في البحر الأسود، إلآّ أن أنقرة تأمل أن يُساعدها هذا المشروع في تحفيز موسكو على تجنب أي خطوات تفاقم التوترات في البحر الأسود وتوفير أرضية مناسبة في نهاية المطاف لمفاوضات بناءة على نطاق أوسع من أجل إعادة إحياء ممر الحبوب.
وفي أعقاب قمة سوتشي، أجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان محادثة هاتفية مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ بحثا فيها سبل إعادة إحياء اتفاقية الحبوب إلى جانب ملف عضوية السويد في الناتو. ومن المتوقع أن تشتد الحركة الدبلوماسية بشأن ملف الحبوب وعملية توسيع الناتو في منتصف أيلول/سبتمبر على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى نيويورك. سيُسافر اردوغان إلى الولايات المتحدة الأسبوع المقبل ويطمح إلى ترتيب لقاء جديد مع نظيره الأمريكي جو بايدن لدفع مشروع شراء تركيا مقاتلات أف ستة عشر الأمريكية. لا يزال من الصعب الرهان على إمكانية نجاح مساعي تحسين العلاقات بين أنقرة والغرب، لكن اردوغان يسعى لاستثمار مخرجات سوتشي مع بوتين كعامل ضغط إضافي على واشنطن من أجل انتزاع بعض المكاسب التي يُريدها خصوصاً في ملف مقاتلات أف ستة عشر مقابل مضي البرلمان التركي قدماً في المصادقة على بروتوكول عضوية السويد في الناتو.
حتى لو مضت مساعي تحسين العلاقات التركية الغربية قدماً، فإن اردوغان حرص في قمة سوتشي على إظهار أن استقرار العلاقات التركية الروسية لن يتأثر بأي تحولات على صعيد العلاقات مع الغرب. لقد أضحت العلاقات المعقدة التي نسجها اردوغان مع كل موسكو والعواصم الغربية في السنوات الأخيرة مثالاً واضحاً على النهج المتوازن الذي تتبناه تركيا في سياساتها الخارجية مع روسيا والغربيين. إن هذا النهج لا يعدو كونه وسيلة لتجنب تركيا الانخراط في المنافسة الجيوسياسية بين القوى الكبرى فحسب، بل يعمل على ضمان أن تستفيد أنقرة إلى أقصى الحدود من علاقات المصالح مع روسيا والغرب. بالنظر إلى أن تركيا وروسيا تستفيدان بشكل متكافئ من هذه العلاقات في مجالات متعددة، فإن هذه الاستفادة لا تزال تعمل كمحفز قوي لاستقرار العلاقات التركية الروسية. ويُمكن النظر إلى التعاون في مجالات الطاقة والتجارة كورقة ائتمان قوية لحماية هذه العلاقات من تقلبات الاضطرابات الجيوسياسية المحيطة بها. علاوة على ذلك، فإن إظهار بوتين احتراماً لمصالح تركيا في سوريا وليبيا، يُشير أيضاً إلى أن الشراكة التعاونية بين البلدين في هذه المناطق تنمو بشكل متزايد وتعمل على خلق واقع جيوسياسي جديد ملائم لكليهما. كما أن مشروع التعاون التركي الروسي في مجال تصدير الحبوب إلى دول أفريقية يعكس كذلك مساعي اردوغان وبوتين لموائمة المصالح التركية والروسية في أفريقيا بقدر أكبر في الوقت الذي تعمل فيه موسكو وأنقرة على تعزيز نفوذهما في القارة الأفريقية مع تراجع الدور الفرنسي.
إلى جانب مستقبل اتفاقية الحبوب، وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التي ستبقى تُشكل مصدر تهديد للعلاقات التركية الروسية في المستقبل المنظور، فإن مجالات التعاون الأخرى بين أنقرة وموسكو ستكون محط اهتمام بعد قمة سوتشي. في الملف السوري تحديداً، والذي يُشكل أولوية قصوى في السياسة الخارجية التركية، تتطلع أنقرة إلى أن تمارس موسكو نفوذاً أكبر على النظام السوري من أجل المضي قدماً في عملية الحوار مع أنقرة والتخلي عن الشروط المسبقة التي يطرحها والتي تتعلق بوضع جدول زمني لانسحاب تركيا من الأراضي السورية. وكان من المقرر أن يُعقد اجتماع جديد في إطار اللجنة الرباعية التركية الروسية السورية الإيرانية بعد الانتخابات التركية، لكن الخلافات بين أنقرة ودمشق لا تزال تحول دون انعقاده. قبيل قمة سوتشي، عكست الدبلوماسية النشطة التي قام بها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في موسكو وطهران وبغداد توجهاً ثلاثياً تركياً روسياً إيرانياً لتنشيط التعاون في مواجهة المخاطر المشتركة لا سيما في ملف مكافحة الإرهاب.
مع أن حاجة اردوغان للمضي قدماً في محادثات جوهرية مع النظام السوري تراجعت بعد ضمان فوزه بولاية رئاسية ثالثة في أيار/مايو الماضي، إلآّ أنّه يواجه معركة انتخابية أخرى في الانتخابات المحلية المقررة بعد نحو ستة أشهر. كما أنّه بحاجة إلى ترجمة وعوده الانتخابية المتعلقة بإعادة اللاجئين السوريين على أرض الواقع من أجل استعادة بعض البلديات الكبرى من المعارضة مثل إسطنبول وأنقرة، وهو ما يُفسر تعويل أنقرة المتزايد على موسكو لدفع مسار الحوار مع النظام السوري. وعلى الرغم من التعقيدات التي تواصل هذا المسار إلى جانب إفرازات الحرب الروسية الأوكرانية على العلاقات التركية الروسية، إلآّ أن قمة سوتشي أظهرت مُجدداً قوة براغماتية كل من بوتين واردوغان في مواصلة علاقة أعادت تشكيل سياسات تركيا الخارجية في السنوات السبع الماضية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية