أظهر العام قوة اردوغان في السياسة الداخلية، والأهمية المتزايدة لتركيا في السياسات العالمية، وكشف التحديات الكبيرة التي تواجه البلاد في رحلة المئوية الثانية للجمهورية.
تطوي تركيا عاماً كان حافلاً بالكثير من الأحداث الكبيرة التي شكلت لحظة فارقة في تاريخها السياسي الحديث. ففيه، تمكن الرئيس رجب طيب اردوغان من الفوز بولاية رئاسية ثالثة واستطاع التحالف الحاكم الفوز بأكثرية مقاعد البرلمان في انتخابات وُصفت بالأكثر أهمية على مستوى البلاد منذ تأسيس الجمهورية وحظيت باهتمام عالمي واسع. كما شهد نهاية دراماتيكية للمسيرة السياسية لكمال قليجدار أوغلو أكبر زعيم معارض بعدما فقد زعامة حزب «الشعب الجمهوري» وكان من أبرز الشخصيات المعارضة التي سعت لتحدي حكم اردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم لما يقرب من عقد ونصف من الزمن. في غضون ذلك، شهدت البلاد في العام أسوأ كارثة طبيعية على الإطلاق منذ نحو قرن عندما ضرب زلزال مُدمر ولايات في جنوب شرق البلاد في شباط/فبراير الماضي أودى بحياة ما يقرب من خمسين ألف شخص وأحدث دماراً هائلاً في البنى التحتية تُقدر تكلفة إعادة إعماره بما يزيد عن مئة مليار دولار أمريكي. وعمّق الزلزال من الصعوبات الاقتصادية التي تُعانيها البلاد منذ سنوات، حيث وصل التضخم إلى مستويات مرتفعة لم تشهدها تركيا منذ عقدين وسجّلت الليرة مزيداً من التراجع الحاد أمام العملات الأجنبية.
وبالتوازي مع هذه الأحداث السياسية والاقتصادية الكبيرة، كانت السياسة الخارجية التركية محط اهتمام عالمي واسع. ففيه، بدأت أنقرة إحداث تحول كبير في علاقاتها مع الغرب من خلال محاولة التقارب مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ففي آذار/مارس الماضي، صادق البرلمان التركي على عضوية فنلندا في حلف الناتو قبل أن يُبرم اردوغان بعد ذلك بأشهر قليلة صفقة مع السويد لإتمام عضويتها في الحلف. ومن المرجح أن يُصادق البرلمان على عضوية السويد في وقت قريب. وعلى صعيد سياساته تجاه الشرق الأوسط، تمكن اردوغان من إعادة تطبيع العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل مع مصر بعد أزمة استمرت لما يقرب من عقد وواصلت تركيا انخراطها في حوار مع النظام السوري برعاية روسية وإيرانية من أجل إعادة تطبيع العلاقات رغم أنه لم يُسفر حتى الآن عن نتائج واضحة. كما أعادت أنقرة تبادل السفراء مع إسرائيل قبل أن تأتي الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة لتُعيد تأجيج التوترات بين أنقرة وتل أبيب من جديد. وعلى مستوى الدور التركي المتنامي في آسيا الوسطى وجنوب القوقاز، فقد حمل عام 2023 حدثاً كبيراً لتركيا تمثل في نجاح حليفتها أذربيجان في استعادة السيطرة الكاملة على إقليم قره باغ الذي احتلته أرمينيا لما يزيد عن ثلاثة عقود، وهو ما عظّم من الدور التركي في الجغرافيا السياسية الجديدة في جنوب جنوب القوقاز.
بينما يُنظر إلى عام 2023 على أنّه أظهر القوة الكبيرة التي يتمتع بها اردوغان في السياسة الداخلية، والأهمية المتزايدة لتركيا في السياسات العالمية، فإنه كشف أيضاً التحديات الكبيرة التي تواجه البلاد في رحلة المئوية الثانية للجمهورية. ويُمكن تقسيم هذه التحديات على ثلاثة مستويات: السياسة الداخلية، والاقتصاد، والسياسة الخارجية.
على مستوى السياسة الداخلية، خلق النجاح الانتخابي لاردوغان والتحالف الحاكم آفاقاً من الاستقرار السياسي الداخلي لخمس سنوات جديدة مقبلة، لكنّ البلاد تنتظرها انتخابات أخرى محلية عالية المخاطر في آذار/مارس المقبل، حيث سيسعى التحالف الحاكم إلى استعادة السيطرة على البلديات الحضرية الكبرى التي خسرها لصالح المعارضة في الانتخابات المحلية السابقة عام 2018 على رأسها إسطنبول وأنقرة، وهي مهمة لا تقل تعقيداً عن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت في أيار/مايو الماضي. فأحزاب المعارضة التركية، وعلى الرغم من أن هزيمة مايو، تسببت في إحداث شرخ كبير بينها، إلآّ أنها تحاول خوض الانتخابات المحلية هذه المرة بنفس جديد. فمن جانب، نجح حزب الشعب الجمهوري في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي في إحداث تغيير كبير على مستوى القيادة بانتخاب أوزغور أوزيل زعيماً جديداً له خلفاً لقليجدار أوغلو، ما أفسح المجال أمام إمكانية ترميم التحالف بين حزب الشعب الجمهوري وحزب «الجيد» القومي ثاني أكبر أحزاب المعارضة. وفي حال قرر الحزبان التعاون الانتخابي في بعض البلديات الحضرية الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة، فإن ذلك سيُصعب من مهمة التحالف الحاكم لاستعادة هاتين البلديتين.
مشروع تغيير الدستور
علاوة على ذلك، فتح اردوغان نهاية عام 2023 النقاش الداخلي حول مشروع تغيير الدستور والتحول إلى دستور مدني بالكامل. ومن المرجح أن تتصدر هذه القضية النقاش السياسي الداخلي بعد إجراء الانتخابات المحلية. لكنّ جهود اردوغان لتغيير الدستور لا تصطدم فحسب بالحاجة إلى الحصول على أغلبية الثلثين في البرلمان لتمرير التعديل الدستوري في المجلس أو على أصوات 360 عضواً لطرح مشروع التعديل على الاستفتاء الشعبي، وهي نسبة لا يستطيع التحالف الحاكم تأمينها لوحده، بل كذلك بظهور خلافات بين حزب العدالة والتنمية وشريكه الرئيسي في التحالف الحاكم حزب الحركة القومية، حيث يرفض الأخير مساعي اردوغان لإلغاء نسبة الخمسين زائدا واحد المطلوبة لانتخاب رئيس للجمهورية عبر الاقتراع العام. بالنظر إلى التحالف بين الحزبين سيبقى حيوياً لكليهما، فإنه من غير المتوقع أن يؤدي هذا الخلاف إلى انهيار التحالف لأن قدرة اردوغان على مواصلة الحكم بطريقة مريحة في السنوات الخمس المقبلة ستُصبح محل شك كبير لأن التحالف الحاكم سيفقد بذلك الأكثرية البرلمانية التي يتمتع بها من أجل تمرير مشاريع القوانين داخل المجلس.
على المستوى الاقتصادي، يبرز التحدي الأكبر الذي يواجه تركيا بعد عام 2023. فإلى جانب الحاجة إلى مواجهة مُعضلة التضخم الجامح، والتي دفعت اردوغان إلى إعادة وزير المالية السابق محمد شيمشيك إلى قيادة الفريق الاقتصادي الجديد والتخلي عن معارضة رفع أسعار الفائدة، لا تزال عملية إعادة إعمار المناطق المنكوبة التي دمرها زلزال السادس من شباط/فبراير تُشكل تحدياً اقتصادياً كبيراً لاردوغان في المرحلة المقبلة. وبالنظر إلى أن تركيا ركّزت في سياستها الخارجية الجديدة بعد الانتخابات على إعادة إصلاح العلاقات مع الغرب وتعزيز العلاقات مع الشركاء الجدد في منطقة الخليج لجذب الاستثمارات الأجنبية التي تشتد الحاجة إليها لإصلاح الاقتصاد المتعثر، فإن المبادرات الجديدة التي يقوم بها اردوغان في السياسة الخارجية ستُشكل حجر الزاوية في إنجاح البرنامج الاقتصادي الجديد لحكومته. على عكس عام 2023 الذي شهد قبل الانتخابات في ايار/مايو إنفاقاً حكومياً كبيراً من خلال رفع أجور موظفي القطاع العام وزيادة الحد الأدنى للأجور، وتخصيص جانب كبير من احتياطات البنك المركزي من النقد الأجنبي لوقف تراجع الليرة، فإن اردوغان لجأ بعد الانتخابات إلى سياسات التقشّف الحادة على أمل أن تُساعده في احتواء التضخم الذي قوض القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة التي تُشكل قاعدة الدعم الأساسية للحزب الحاكم.
وعلى مستوى السياسة الخارجية، فإنّه بقدر ما كان 2023 محطة لإحداث مزيد من التحولات في سياسة تركيا مع العالم، فإن الحرب الروسية الأوكرانية لا تزال تُشكل عامل ضغط قوي على سياسة التوازن التي تسعى أنقرة للحفاظ عليها بين موسكو والغرب. وحتى لو نجحت جهود اردوغان في تحسين العلاقات مع الغرب من خلال تبني خطاب ودي تجاهه وإتمام عضوية السويد في حلف الناتو مقابل الحصول على امتيازات مثل تحديث اتفاقية التبادل الجمركي مع الاتحاد الأوروبي وشراء مقاتلات إف 16 من الولايات المتحدة، فإن بعض القضايا الشائكة في العلاقات خصوصاً مع الولايات المتحدة لا سيما فيما يتعلق بملف الوحدات الكردية في سوريا، برز في العام كإحدى الملفات التي تُعقد جهود إصلاح العلاقات. فبعد الهجوم الذي شنه حزب العمال الكردستاني المًصنف إرهابياً على مقر مديرية الأمن الرئيسي في العاصمة أنقرة مطلع تشرين الأول/أكتوبر الماضي، شنت تركيا سلسلة من الهجمات على الوحدات الكردية، وهو ما دفع واشنطن إلى الرد على هذه الهجمات من خلال إسقاط مقاتلات مسيرة تركية بزعم تشكيلها تهديداً للقوات الأمريكية المنتشرة في شمال شرق سوريا.
إلى جانب ذلك، جاءت الحرب الإسرائيلية الهمجية على قطاع غزة لتُضيف ضغطاً جديداً على السياسية الخارجية التركية إزاء إسرائيل والغرب. لا يزال اردوغان حذراً في تجنب انهيار جديد في العلاقات مع تل أبيب بعد المصالحة الأخيرة ويسعى لأن تلعب تركيا جهوداً محورية في إنهاء الحرب ولعب دور حاسم في غزة ما بعد الحرب إن على صعيد المشاركة في عملية إعادة الإعمار أو الانخراط في أي مشروع للتصورات الأمنية لغزة في مرحلة ما بعد الحرب. مع ذلك، ستبقى هذه الحرب تلعب دوراً ضاغطاً على السياسية الخارجية التركية في العام الجديد.
تصريحات:
وإذا كان هناك من شخصيات بارزة تصدّرت المشهد السياسي التركي عام 2023 إلى جانب اردوغان الذي لا يزال مُهيمناً على الحياة السياسية لما يزيد عن عقدين وزعيم حزب الشعب الجمهوري الجديد أوزغور أوزيل، فهي وزير الخارجية الجديد هاكان فيدان الذي أصبح قائد الدبلوماسية التركية بعدما عمل لما يزيد عن عقد خلف الكواليس كمدير لجهاز الاستخبارات. ويُنظر إلى فيدان على أنّه قد يكون له دور سياسي أكبر في المستقبل رغم أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان الرئيس رجب طيب اردوغان سيُنهي مشواره السياسي كرئيس للبلاد بعد انتهاء ولايته الرئاسية الجديدة كما يفرض الدستور. لكنّه في حال تغيير الدستور، فإن كافة الاحتمالات بخصوص مستقبل اردوغان ستبقى مفتوحة.