يمكن وصف قمة طهران الثلاثية بأنها قمة الـ 70 مليار دولار. فالاستثمارات التي خصصها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قطاع النفط والغاز الإيراني وصلت إلى 40 مليار دولار، وتم البدء بتنفيذ اتفاق اعتماد الروبل الروسي والريال الإيراني بديلا عن الدولار الأمريكي واليورو الأوروبي .فيما أبرم الرئيس التركي رجب طيب اردوغان تمديد عقد شراء الغاز الإيراني لمدة خمسة وعشرين عاما إضافية، واتفق مع إيران على رفع التبادل التجاري بين البلدين إلى 30 مليار دولار سنويا، أي أكثر بثلاثة أضعاف مما هو عليه اليوم، وتمثل هذه الاتفاقيات خرقا معلنا للحظر الأمريكي على إيران.
كما يمكن وصف القمة بأنها قمة أمنية-عسكرية بامتياز، إذ خرجت بدعوة موحدة لمطالبة واشنطن بسحب القوات الأمريكية من شرق الفرات في سوريا، ويبدو أنها استطاعت أيضا تأجيل أو إبعاد شبح عملية عسكرية تركية تهدد أنقرة بالقيام بها شمالي سوريا ضد من تصفهم «المجموعات الإرهابية».
ويفتح هذا التأجيل المجال أمام وساطة إيرانية بمساعدة روسية لإطلاق حوار بين أنقرة ودمشق بهدف الوصول إلى ضبط الحدود السورية التركية ومحاربة «الجماعات الإرهابية بكافة مسمياتها».
مفاجأة بوتين النفطية
الاندفاعة الكبيرة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين نحو إيران جعلت روسيا في قلب صناعة النفط والغاز الإيرانية باستثمارات بلغت 40 مليار دولار تم الإعلان عن الاتفاق بشأنها بين شركة غاز بروم الروسية وشركة النفط الوطنية الإيرانية بالتزامن مع وصول بوتين إلى طهران لحضور القمة الثلاثية مع الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي والرئيس التركي رجب طيب اردوغان ضمن آلية أستانة حول سوريا.
وسيشكل تاريخ توقيع الاتفاقية يوم الثلاثاء في 19 تموز/يوليو 2022 بقيمة 40 مليار دولار، علامة فارقة جدا ومحطة مفصلية، فهذه هي أكبر اتفاقية للاستثمار الأجنبي في اقتصاد إيران وقطاع النفط والغاز فيها، وهي أكبر بعشرة أضعاف من قيمة الاستثمار الروسي السابق في حقول النفط الإيرانية والتي كانت بقيمة 4 مليارات دولار.
وبذلك سيغطي الاستثمار الروسي لوحده (40 مليار) ما نسبته 25 في المئة مما تحتاجه إيران من استثمارات نفطية يبلغ مجموعها الكلي 160 مليار دولار.
لذلك يمكن القول إن مفاجأة بوتين في إبرام اتفاقية النفط والغاز الإيراني شكلت الرد الأول المباشر لكن غير الوحيد على ما كان أعلنه الرئيس الأمريكي جو بايدن خلال زيارته الأولى إلى إسرائيل ثم المملكة العربية السعودية من أنه «لن يترك الفراغ لروسيا والصين في الشرق الأوسط» وذلك بعيد مشاركته في قمة جدة للأمن والتنمية يوم السبت 16 تموز/يوليو 2022 أي قبل ثلاثة أيام فقط عن موعد قمة طهران الثلاثية.
روسيا عند
مضيق هرمز بموافقة إيران
هذه الصفقة الكبرى لتطوير الحقول النفطية الإيرانية الجنوبية تعني موافقة إيرانية على حضور روسي قوي على ضفتها الخليجية جنوباً، على مقربة من مضيق هرمز الاستراتجي وهو أهم شريان لمرور النفط والغاز المسال في العالم وتتقاسم السيطرة عليه إيران وسلطنة عُمان.
فالاستثمار الروسي سيغطي حقل الغاز لجزيرة كيش، الحقل النفطي بارس الشمالي وأيضا حقل بارس الجنوبي الذي كان من المفترض أن تستثمره شركة توتال الفرنسية لكنها انكفأت بسبب العقوبات الأمريكية على إيران.
ويشمل الاستثمار الروسي أيضا مشاريع المشتقات النفطية والغاز المسال وإنشاء أنبوب لتصدير الغاز والتعاون العلمي والتقني وصناعة الأجهزة الحساسة والمتطورة في صناعة النفط.
موسكو واستباق
فوائد الاتفاق النووي
اتفاق الاستثمار الروسي النفطي الكبير مع إيران أعطى طهران مساحة مناورة أكبر لعدم الاستعجال في التوصل إلى اتفاق لإعادة إحياء الاتفاق النووي أو ما يسمى بخطة العمل الشاملة، كما أنه أعطى روسيا قوة للمناورة والمطالبة بضمانات لاستثناء الاستثمارات الروسية في إيران من الحظر والعقوبات الأمريكية على روسيا، وهي قضية كانت أصرت عليها موسكو في المفاوضات النووية عند بدء الحرب في أوكرانيا قبل أشهر وأدت حينها إلى تعطيل التوصل لاتفاق.
وهكذا تكون موسكو قد حجزت لنفسها حصة وازنة من قطاع النفط والغاز الإيراني سواء تم أو تأخر التوصل إلى اتفاق لإحياء الاتفاق النووي الذي تنتظره الشركات الأوروبية للعودة إلى السوق الإيرانية وتخشى من فقدان المزيد من الفرص كما حصل مع توتال في حقل بارس الجنوبي.
وفي موازاة ذلك أبقت طهران الباب مفتوحا أمام حصول اختراق في المباحثات النووية وذلك من خلال دعمها للجهود التي تبذلها دولة قطر حيث ترى الخارجية الإيرانية «أن المباحثات النووية التي استضافتها الدوحة كانت جيدة على عكس ما تقوله الإدارة الأمريكية وتركت الباب مفتوحا لاستكمال المحادثات مع جميع أطراف الاتفاق النووي». كما ترى طهران أن مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل يعمل بجدية على تمهيد الطريق لاستكمال المباحثات النووية، وأن تبادل الرسائل مع واشنطن ما يزال مستمرا بصورة غير مباشرة عبر الوسيط الأوروبي.
قمة ثلاثية توازيها قمم ثنائية
قمة طهران بين رئيسي وبوتين واردوغان الثلاثية، حفلت أيضا بقمم ثنائية: قمة إيرانية-روسية جمعت المرشد الأعلى علي خامنئي ببوتين بحضور رئيسي، وقمة إيرانية-تركية جمعت خامنئي باردوغان بحضور رئيسي أيضا وقمة روسية-تركية جمعت بين بوتين واردوغان.
هذه القمم أعطت زخما للتعاون المشترك بين الدول الثلاث حول سوريا عبر استكمال العمل في آلية تفاهمات أستانة، وذلك بموازاة جهد تبذله إيران للتوسط بين تركيا وسوريا وهذا ما تجسد في دعوة وزير الخارجية الإيرانية حسين أمير عبد اللهيان لوزير الخارجية السورية فيصل المقداد للحضور إلى طهران حيث عقدا مباحثات ثنائية قبل أن ينتقلا إلى لقاء الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي حيث جرى التأكيد على «بسط الدولة السورية سيادتها وتحقيق الأمن على كامل أراضيها بما فيها الحدود».
وكان واضحا أن الجانب الإيراني تعهد للجانب التركي بمساعدته في «محاربة الإرهاب والدفاع عن أمن تركيا» الذي اعتبره المرشد خامنئي أنه من أمن إيران، داعيا اردوغان إلى اعتبار «أمن سوريا من أمن تركيا وعدم القيام بعملية عسكرية في الشمال السوري لأنها ستكون ضررا البلدين ونفعا المجموعات الإرهابية» كما قال.
وبناء على ذلك تم بحث آليات التعاون العسكري والأمني بين رئيس هيئة الأركان العامة الإيرانية محمد باقري ووزير الدفاع التركي خلوصي آكار الذي كان ضمن الوفد المرافق للرئيس رجب طيب اردوغان.
وحملت قمة طهران الثلاثية واجتماعاتها الثنائية رسالة عسكرية واضحة إلى البنتاغون الأمريكي وإدارة بايدن، فخرجت بإجماع القادة الثلاثة رئيسي، بوتين واردوغان على المطالبة «بخروج القوات الأمريكية من منطقة شرق الفرات السورية الغنية بالثروات النفطية».
واكتسبت هذه الدعوة أهمية خاصة لكون تركيا هي حليف للولايات المتحدة الأمريكية وعضو فاعل في حلف شمالي الأطلسي «الناتو» الداعم لأوكرانيا بالتجهيزات العسكرية الحديثة لمقاتلة الجيش الروسي .
الاتفاقيات في طهران
والأصداء في واشنطن
أصداء هذا الحدث ترددت في وزارة الدفاع الأمريكية فأطلقت تحذيرا من التعاون العسكري الإيراني الروسي في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا، وسارع وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن إلى تقديم النصح لإيران بـ«عدم تزويد روسيا بطائرات مسيرة قتالية» بينما اعتبر رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة الجنرال مارك ميلي «أن قيام إيران بتزويد روسيا بطائرات مسيرة قتالية أو أي أنظمة قتالية أخرى هو أمر غير سديد».
ويمكن القول إن ما يزيد في حالة القلق الأمريكي هو الرؤية العلنية الإيرانية التي اتفقت مع الرواية الروسية لسبب اندلاع الحرب في أوكرانيا، وتمثلت في قول المرشد الأعلى علي خامنئي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه «أذا فُتح الباب أمام حلف الناتو فإنه لا يعرف الحدود، ولو لم تبادروا لمنعه من التوسع نحو أوكرانيا فسيقوم بعد مدة بالتذرع بقضية جزر القرم ويشن الحرب عليكم».
هذا الموقف يعني برأي كثيرين أن إيران لن تتوانى عن تزويد روسيا بالامكانات العسكرية التي اكتسبتها في مجالات عديدة بما فيها الطائرات المسيرة وبذلك ستدخل السوق الدولية في بيع الأسلحة، خاصة بعد إعلان إسرائيل عن قيامها بتزويد دول أوروبية في حلف الناتو بطائرات مسيرة قتالية متطورة في صفقة بيع بلغت قيمتها 200 مليون دولار.
والمتابع لسياسة التسلح الإيرانية يلاحظ دائما تكرار قيادتها العسكرية القول إنها مستعدة لوضع إنجازاتها في متناول أصدقائها، وهذا ما يحصل مع حزب الله في لبنان الذي يمتلك مسيرات من صناعة إيرانية أدخلها مؤخرا في معادلة غاز المتوسط، فكيف والأمر مع روسيا التي تواجه الناتو انطلاقا من أوكرانيا لتغيير معادلة القطبية الأحادية في العالم ورفع الحظر والعقوبات الاقتصادية الأمريكية؟
التباعد بين روسيا وإسرائيل
والواضح أن السياسة الإيرانية ستقترب أكثر من روسيا التي بدأت تبتعد عن إسرائيل بعد قيام وزارة العدل الروسية بالطلب من محكمة موسكو الإقليمية وقف نشاط وحل الوكالة اليهودية في الأراضي الروسية بتهمة «انتهاك القانون» علما أن تلك الوكالة هي الراعية الرسمية لهجرة اليهود من روسيا إلى فلسطين المحتلة.
كما أن موسكو غاضبة من الموقف الإسرائيلي من الحرب في أوكرانيا والداعم لرئيسها فولوديمير زيلنسكي.
وتسعى طهران مع بوتين إلى وقف الغارات الإسرائيلية في سوريا، وتقصدت إيران تذكير الرئيس التركي اردوغان «بخطر إسرائيل وبأن القضية الفلسطينية هي القضية الأساس للعالم الإسلامي» وذلك في انتقاد ضمني للتقارب الحاصل بين أنقرة وتل أبيب.
المشهد بين بوتين وبايدن
المشهد كان مختلفا بين حرارة استقبال وتوديع رئيسي لبوتين في طهران، وبرودة قبضة كف الاستقبال بين بايدن وولي العهد السعودي محمد بن سلمان في جدة.
فبعيد مغادرة بايدن لمدينة جدة أعلنت السعودية أن يدها ممدودة للتفاهم نحو إيران، وعند توديع بوتين في طهران أعلنت إيران عن تمسكها بعلاقة طيبة مع السعودية وبقية دول المنطقة بعدما أرست دعائم تعاون استراتيجي مع روسيا وتركيا.
وتعزز ذلك باتفاق القادة الثلاثة رئيسي، بوتين واردوغان، على الاستمرار في العمل معا ضمن آلية أستانة التي سيعقد اجتماعها المقبل في موسكو، على أن يتم قبل ذلك تحقيق نتائج ملموسة لمعالجة الملفات الشائكة في المنطقة بما يرسخ مفهوم التعاون لتحقيق الأمن الإقليمي في إطار علاقة يريدها بوتين ديناميكية ومتنامية مع إيران وتركيا، فالأولى جارته على بحر قزوين حيث تجهد أوروبا لشراء الغاز منه عبر اتفاق وقعته مع آذربيجان لتعويض الغاز والنفط الروسي وخاصة عبر خط أنابيب باكو (آذربيحان)-تفليس (جورجيا)-جيحان (تركيا). والأخيرة جارة روسيا على البحر الأسود المتصل ببحر مرمرة ثم المتوسط وصولا إلى المحيط الأطلسي وحلفه الخصم اللدود لروسيا.
وهكذا أظهرت قمة طهران تشابك المصالح بالجغرافيا السياسية ونزاع الطاقة وأنابيب النفط والغاز وخطوط النار.