قنسرين السورية: جذور ضاربة في عمق التاريخ

حسام محمد
حجم الخط
4

تتراءى لك وأنت قادم إلى مدينة حلب شرقًا، وتلفت انتباهك تلة عالية على يمين الطريق بعد الخروج من الحدود الإدارية لمحافظة إدلب شمالي سوريا، تتربع على سهول حلب الجنوبية والغربية. تتجه إلى الجنوب الغربي لحلب على بعد 30 كم، لتقترب من التل العالي الذي انقسم إلى قسمين، تمر بينهما وكأنك تمر بين سنامي جمل كبير. إنها تلة العيس، والتي كانت تعرف ضمن أروقة التاريخ بقنسرين.
العيس، هو الاسم الحديث للمدينة الآرامية قنسرين، التي كانت إحدى عواصم مقاطعة سوريا الأولى، وموطن عسكرها، ومنطلق الفتوحات الإسلامية في يوم من الأيام، إذ بنيت العيس على أنقاض مدينة قنسرين، حيث يحدها شمالًا تل كبير وهو أعلى قمة في البلدة وجنوبًا قلعة قنسرين الأثرية، ويمر نهر قويق من شرقها، وهي منطقة مرتفعة تشرف على أغلب أرياف حلب الجنوبية والغربية ومناطق واسعة من شرق إدلب.

أصل التسمية

نتكلم في هذا المقام عن الاسم الحديث والقديم لقنسرين. فتسمية العيس، هي حديثة نسبيًا، وحسب عدة أشخاص من أهالي البلدة، فإن اسمها عمره بضع مئات من السنين، وبالأخص في العصر العثماني، ويعود إلى عدة روايات متداولة محليا.
فالبعض يرجع التسمية نسبة للجمل الأبيض ذو السنامين ويطلق عليه اسم العيس، نسبة لكونها تشبه سنامي الجمل، أما الرواية الأخرى، ترجع التسمية نسبة لأحد الأولياء الصالحين ويدعى العيس، وله مقام في أعلى قمة في التلة، في حين هناك رواية ثالثة تقول على لسان بعض المنقبين الأمريكيين، أنه يوجد فيها مقام أو قبر لعيسو، أخ النبي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام، أما العالم بن حوقل، وهو جغرافي ومؤرخ رحالة، فيقول: تسمية العيس ترجع إلى قبة تعلو قبراً لنبي الله صالح.
أما قنسرين، فلهذا الاسم حكاية أخرى، تُفرد له الكتب والمجلدات، لما فيه من عمق المعنى. كيف لا وقد مرت على هذه المدينة حقب تاريخية ودول وحضارات منذ آلاف السنين.
حسب الدكتور والباحث في علم التاريخ بلال حج علي، فإن قنسرين مدينة أثرية مهمة تعود للعصر الآرامي، وإحدى أهم المدن الآرامية في سوريا الطبيعية، فكلمة قنسرين هي في أصلها الآرامي قنشرين وتعني بالآرامية بيت النسور، ففي اللغات السامية تقلب الشين سينًا والسين شينًا، فأصبحت لاحقًا تسمى قنسرين، حيث استمدت قنسرين تسميتها من كثرة الكهوف والمغاور، التي تصلح لإقامة الطيور الكبيرة أو النسور.
وقال الدكتور علي، وهو مدرس في كلية الآداب بجامعة إدلب في حديثه لـ «القدس العربي»: قِنِّسْرين وبناء على المعطيات التاريخية يمكن القول إنها عاشت تاريخها الباكر في الفترات الآرامية والآشورية الحديثة والآرامية ـ الكلدانية حتى الفترة السلوقية (312ـ64 ق.م) حين تبدل اسمها إلى خالكيس Chalcis وأصبحت واحدة من أشهر مدن الشمال السوري حتى الفتح العربي الإسلامي على يد أبي عبيدة بن الجراح عام 17هـ، حين استعادت اسمها العربي القديم وأصبحت مرة أخرى واحدة من أشهر مدن جند المسلمين في الشمال السوري.
في حين فصَل المؤرخ السوري فايز قوصرة أكثر في تسمية قنسرين، فقال إن اسمها هو تحريف للاسم السرياني قنشلين، بمعنى وكر النسور، كما سماها سلوقس نيكاتور خلقيس دوبيلوس وجعل منها حصنًا، ثم أطلق عليها الرومان اسم شالس وكلسيس أو خلقيس اليونانية، وتعني مدينة النحاس.
أما معنى كلمة قنسرين في معجم تاج العروس، فهو قنسر: تقنسر الأنسان، أي شاخ، وقنسرته السنون، أي شيبته الشدائد.

موقعها الجغرافي

تقع بلدة العيس في الجنوبي الغربي لمدينة حلب على بعد 35 كم، وتتميز بطبيعتها الجغرافية المرتفعة، والتي تشرف على مناطق واسعة من أرياف حلب وإدلب، وتعتبر عقدة مواصلات بينها، ويوجد طريق سري مرتبط بين قنسرين ومدينة حلب، فتجد أن أحد الأبواب الرئيسية لمدينة حلب، هو باب قنسرين، من الجهة الغربية الجنوبية لمدينة حلب.
يقول الباحث والمؤرخ فائز قوصرة لـ «القدس العربي»: إن لقنسرين أهمية كبيرة فقد كانت حلب ومعظم إدلب تابعة إداريًا لها، وهي واقعة في ممر القوافل التجارية والحجيج المتوجهين إلى الأراضي المقدسة، كما كانت همزة الوصل بين حلب وأنطاكية في العصر اليوناني- الروماني، كما أنها كانت المحطة الرئيسية للرحالة بعد حلب في القرن الحادي عشر الميلادي.
تتصل قنسرين بأنطاكية بطريق معبدة استمر للقرن الثالث عشر الميلادي، وما زالت بقايا الطريق موجودة قرب بلدة تل الكرامة شمال مدينة إدلب باتجاه معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا.
يتألف الموقع من تل يضم بقايا مدينة أثرية مسورة ينسب بناؤها في مكان مدينة آرامية قديمة إلى سلوقس نيكاتور، وفي العصور العربية تحولت بعد تحريرها إلى مركز ارتباط بين حوض الفرات والساحل السوري وعالم البحر الأبيض المتوسط، وكانت قنسرين في بداية العصر الإسلامي جندًا مستقلًا وكانت حلب تابعة لها ثم اتبعت بعد ذلك بحلب.

الأهمية الدينية

حسب عدد من المراجع العلمية فإن قنسرين لها أهمية دينية عند المسلمين، فهي من بين المدن التي خير جبريل عليه السلام النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالهجرة إليها، فأخرج الترمذي والحاكم عن جابر عن النبي -صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله أوحى إلي -أي هؤلاء الثلاثة- نزلت هي دار هجرتك المدينة أو الحرين أو قنسرين، وقنسرين من الشام من جهة حلب واليمامة إلى جهة اليمن».
وأشارت مصادر تاريخية إلى أن لقنسرين أهمية كبيرة بالنسبة للكنيسة السريانية الأرثوذكسية فكانت تحتوي على مدرسة لاهوتية ضاهت مدرستي الرها ونصيبين، كما أصبحت بعد الفتوحات الإسلامية موقعًا عسكريًا مهمًّا في هذه المنطقة من سوريا.

دير قنسرين

هذا الدير في السابق كان يعتبر أهم وأكثر الأديرة الكنيسة السريانية الأرثوذكسية شهرة، وحسب المصادر التاريخية القديمة فيقال عنه أنه دير عظيم يقع مقابل جرابلس شمال شرقي حلب، ويكون بينه وبين منبج أربعة فراسخ.
زار هذا الدير الكثير من الجغرافيين والمؤرخين، ومن أشهرهم ياقوت المحوي، وهو الجغرافي الذي تم ذكره في معاجم البلدان، حيث تعود عظمة هذا الدير إلى جمال شكل وعبقرية براعته، حيث كان يدرس فيه ما لا يقل عن ثلاثمئة وسبعين راهبًا، وأيضًا تخرج منه الكثير من العلماء والفلاسفة، وبطاركة وأساقفة هذه الكنيسة، وتم تأسيس هذا الدير من قبل القديس يوحنا الرهاوي، الذي له اسم معروف به هو يوحنا بن افتونيا.

حقب تاريخية

حسب عدة أشخاص من أبناء بلدة العيس والمهتمين بتاريخها الأثري، فقد بنيت قنسرين في عهد أسلوقس نيكاتور وهو أحد أهم القادة للإسكندر المقدوني في سنة 323 قبل الميلاد، وأصبحت بعد بنائها محطة مهمة جداً في التجارة واستقبال القوافل، التي تأتي من البحر الأبيض المتوسط مرورًا بالفرات.
كما اعتزل بها القديس جيروم سنة375 ميلادي، وزحف إليها كسرى الأول سنة540 ميلادي لهدمها، إلا أنها اشترت سلامتها بكمية من الذهب.
أما قنسرين بعد الفتح الإسلامي، فقد دخلها المسلمون سنة 17 هجري، وكانت مركزًا لعسكرهم وانطلاقًا لفتوحاتهم إلى مختلف مناطق سوريا وبلاد الشام، حيث أفرد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان جند قنسرين إلى جانب جند فلسطين وجند الأردن وجند دمشق وجند حمص.
ولقد كانت الشام أوائل العصر العباسي تتناوبها يدا عبد الله بن علي وصالح بن علي العباسيين وأولادهما، ثم أخذ عقلاء الخلفاء منهم يولون أولادهم وأخوتهم شؤونها. فقد رأينا المهدي ولى ابنه هارون الرشيد أيام كونه وليًا للعهد ولاية قنسرين أو شمالي الشام.
أما في عصر سيف الدولة الحمداني فقد نقل سكانها إلى حلب بعد أنه هزمهم البيزنطينيون سنة 963 ميلادي، كما كانت ساحة لنزاع أمراء السلاجقة الأتراك.

وصفها الرحالة

وحسب المؤرخ فائز قوصرة، فقد زار قنسرين الرحالة العربي ابن جبير سنة 579 ه/1183 م، ووصفها قائلًا: «هي البلدة الشهيرة في الزمان، ولكنها ضربت وعادت كأن لم تغن بالأمس، فلك يبق إلا آثارها الدارسة، ورسومها الطامسة، ولكن قراها عامرة منتظمة، لأنها على محرث عظيم مد البصر عرضًا وطولًا، وتشبهها من البلاد الأندلسية جيَان».
وأضاف قوصرة، أنه زارها أيضًا الرحالة الإنكليزي كرين سنة1725 فوصفها بعبارة موجزة «آثار مكان قديم يدعى قنسرين، إحدى المدن العظمى في سوريا» كما زارها الرحالة المستشرق بوكوك عام 1738 وقال إنه صعد على التل، حيث يوجد مسجد ومقام شيخ، وقد زار الآثار القديمة المجاورة.
يذكر ابن حوقل عن قِنِّسْرين في فترتها الإسلامية أنها «كانت مدينة عظيمة جميلة ذات خيرات تنسب المدن إليها وتتبعها رغم صغر مساحتها» وبقيت كذلك حتى منتصف القرن الرابع الهجري/أواخر العاشر الميلادي، حين اكتسحها البيزنطيون وخربوها مع بساتينها في عهد سيف الدولة الحمداني الذي عجز عن إمدادها بالمعونة العسكرية، ولكنها بقيت حتى بعد نقل حجارتها المدمرة إلى حلب، وهجرة معظم أهاليها، مدينة تجذب إليها سكان المنطقة، وخاصة مياهها التي كانت تجري فيها من بركة عين المباركة قرب حلب، والتي مدت إليها عبر قناة تعاملت بذكاء هندسي رائع مع طبيعة المنطقة الجغرافية صعوداً وهبوطاً.
ويتابع ابن حوقل أن السلطان نور الدين محمود زنكي بنى فيها خاناً بعد دمارها على أيدي البيزنطيين، كما استخدم حجارتها في ترميم الطرق والجسور منها وإليها. وكان حي العيس والذي يعتبر مركز مدينة قنسرين وفيه قلعتها، وهو أشهر أحيائها، أول الأحياء التي أعيد بناؤها ومازال إلى اليوم على هذا الاسم.

معارك تاريخية
استمرت للحاضر

بعد بزوغ الإسلام، وبعد أن تم فتح مدينة دمشق في السنة السابع عشر للهجرة، قام ابو عبيدة الجراح بإرسال خالد ابن الوليد إلى مدينة قنسرين، لكي يلتقي بجيش الروم، ثم بدأت معركة ضخمة بين جيش المسلمين وجيش الروم في سهل الحاضر الذي يقع بالقرب من قنسرين من جهة الشرق.
بعد أن استمرت معركة عنيفة بين الطرفين انتهت بانتصار المسلمين وقتل قائد الجيش الرومي ميناس، بعدها قاموا سكان المدينة بمحاصرة المسلمين وحاولوا سكان قنسرين قتل المسلمين من وراء الاسوار المنيعة.
استمرت هذه المناوشات والحصارات، حتى قال خالد بن الوليد مقولته «إذا كنتم في السحاب فإن الله سيرفعنا إليكم أو ينزلكم إلينا» إلى أن استسلم سكان مدينة قنسرين، وطلبوا من خالد بن الوليد ان يعفوا عنهم، فعفا خالد بن الوليد عنهم.
وإلى الشرق من قنسرين على بعد 3كم يقع «تل الحاضر»، وكلمة حاضر كانت تستخدم للدلالة على مركز عربي إسلامي أقيم إلى جوار مركز غير عربي، ويعد هذا التل من أبرز التلال الركامية في المنطقة، جرى مسحه أثرياً سنة 1998 وكشف عن آثار من العصر الإسلامي (أساسات بيت صغير) والعصر القديم (آثار من الفترتين البرونزية والحديدية).

المعالم الأثرية
وبعثات التنقيب الأجنبية

عندما تقترب من أوتوستراد حلب دمشق الدولي، وبالتحديد من منطقة الزربة، ترى إشارة مكتوب عليها آثار قنسرين باتجاه الجنوب (إلى بلدة العيس).
تعتبر قنسرين من المناطق الأثرية في منطقة جنوب حلب، حيث إن فيها قلعة أثرية قد طمرت بالتراب ولم تخضع لأي عمليات تنقيب من قبل بعثات أجنبية وتقع من الجهة الجنوبية لبلدة العيس، فسور القلعة يبدو ظاهرًا في أعلى التراب الذي طمر القلعة، بالإضافة لوجود بقايا سور المدنية الأثرية من الطرف الشرقي لها.
وتحتوي أيضًا على عدد من المقابر الأثرية التي تعود للعصور الرومانية وفيها بقايا أسوارها التي تم نقل أغلبها إلى مدينة حلب لإعادة ترميم قلعة حلب وذلك في عهد القائد نور الدين زنكي سنة 564 للهجرة.
كما تحتوي على المغارات الأثرية التي يوجد عليها عدد من النقوش الرومانية والإسلامية، ومن بينها نحت أثري يرمز إلى ملك وملكة يعود إلى الحقبة الرومانية بالإضافة للنسر الروماني المنحوت على احدى الصخور في البلدة.
بالإضافة لمقام سليمان الذي دمر بفعل قصف قوات النظام على البلدة وهناك رواية تقول إنه قبر سليمان بن عبد الملك بن مروان، ورواية أخرى لقائد يدعى سليمان بن قتلمش وهو أحد أمراء السلاجقة الأتراك وبن عم القائد ألب أرسلان السلجوقي، وهناك رواية تقول إنه لرجل صالح يدعى سليمان لا يعرف من هو.
ولعل أكثر مع يميز العيس أو قنسرين، المزار الموجود على أعلى قمة في جبل العيس، وفيه موقع أثري يتوسطه قبر أو مقام العيس، وقد فجرته مجموعة مجهولة في عام 2012 ويعتبر معلمًا أثريًا من معالمها، وهناك مغاور قديمة في البلدة يوجد بداخلها رموز أثرية وتعتبر مغارة الضبع أشهر هذه المغاور.
زارت عدة بعثات أجنبية بلدة العيس للبحث عن معالمها الأثرية، كان آخرها عندما زارت البلدة بعثة فرنسية في 2010 قامت بعمليات تنقيب اعتمدت على خرائط فرنسية وعثمانية عثرت من خلالها على مواقع أثرية في القسم الشمالي الشرقي من بلدة العيس.
كما زارت مديرية المتاحف في حلب بلدة العيس عام 2011 وعدد من شخصيات مديرية الثقافة وقام عدد من الناشطين بعرض تقديمي يتحدث عن قنسرين بين الحاضر والماضي، حيث تحدث محمود كنجو مدير المتاحف بحلب عن أهمية هذه المنطقة وضرورة الاهتمام بالآثار الموجودة فيها والسعي مستقبلًا للقيام بحملات تنقيب من قبل الجهات الرسمية عن الآثار.

التنقيب العشوائي

انتشرت منذ قرابة 20 سنة، ظاهرة التنقيب العشوائي عن الآثار والتجارة بها، من قبل عمال وتجار للآثار من المتنفذين لدى السلطات الأمنية التي تؤمن لهم الحماية القانونية، فقد ساهمت هذه الظاهرة بفقدان البلدة الكثير من معالمها الأثرية الثمينة وبيعها لتجار من قبل من يجدها، بأسعار زهيدة، ليقوموا بتهريبها إلى خارج البلاد.
مع انطلاق الثورة وانتشار الفوضى ازدادت عمليات التنقيب بشكل أكبر في ظل انفتاح الحدود وانعدام الرقابة عنها، ولوحظ بعد احتلال بلدة العيس من قبل القوات الإيرانية في الشهر 11 من عام 2015 والتي استمرت لمدة سبعة أشهر، عمليات تنقيب عن الآثار من قبل هذه القوات، واستخراجها وبيعها خارج سوريا، وسرقة هذه المعالم الثمينة التي لا تقدر بثمن.

قنسرين والثورة

بلدة العيس كغيرها من مناطق سوريا، خرجت تصدح بصوت الحرية مطالبة بالتغيير السياسي للسلطة، وشهدت مظاهرات واحتجاجات مع بداية انطلاق الثورة في 2011 وكتب أبناؤها لوحة على سفح جبل العيس الغربي «كلمة ارحل على كامل السفح الغربي للجبل» حيث جمعوا حجارة اللوحة من وديان البلدة طوال الليل مع وجود قوات النظام وشبيحته في المنطقة، كما رفعوا علم الثورة على أعلى قمة في مزار العيس، وتبلغ عشرات الأمتار، ليقوم النظام وشبيحته في اليوم التالي بتخريب هذه العملية ومحاولة اعتقال الفاعلين.
اجتهدت العيس في مظاهراتها وشارك أبناؤها في كل المحافل الثورية، لتدفع ضريبة كبيرة، بتعرضها لقصف متكرر بكل أنواع الأسلحة من قبل قوات النظام ومسانديه، وتخسر مئات القتلى، بدأت باستهدافها من قبل الطيران الحربي في الشهر الثامن من 2012 بعد غارات جوية، الني ارتكبت عدة مجازر في البلدة، أكبرها في 13-5-2015 عندما استهدف الطيران العربي الشارع الرئيسي في البلدة في ذروة الازدحام، بعدة صواريخ فراغية سقط فيها نحو 40 قتيل و100 جريح.
وبعد تهالك نظام الأسد، استنجد بالقوات الروسية والميليشيات الإيرانية، ففي الشهر التاسع من 2015 تم الإعلان عن التدخل الروسي بطيرانه، وفي الشهر العاشر من نفس العام، بدأت قوات النظام مدعومة بميليشيات إيرانية على رأسها، حركة النجباء العراقية بقيادة أكرم الكعبي الذي خطب في مسجد خالد بن الوليد في بلدة العيس بعد احتلالها حيث سب الصحابة الكرام من على منبر هذا المسجد، بالإضافة للواء ابي الفضل العباس العراقي وحزب الله اللبناني، وبمساندة سلاح الجو الروسي بعملية اجتياح واسعة لمناطق جنوب حلب.
سقطت مناطق كثيرة من جنوب حلب في هذه العملية لتنتهي بسيطرة قوات النظام والميليشيات الشيعية على بلدة العيس الاستراتيجية بتاريخ 12-11-2015 والتي مكنت قوات النظام من الاشراف على مناطق واسعة من أرياف حلب الجنوبية والغربية وريف ادلب الشرقي وخصوصًا أوتوستراد حلب دمشق الدولي.
لم تدم هذه الحال إلا لسبعة أشهر حيث حرر الثوار بلدة العيس في 1- 4 2016، لتبقى خط مواجهة عنيف مع الميليشيات الإيرانية التي استقدمت أقوى مقاتليها من إيران للسيطرة على العيس ولكنها عجرت في ذلك، وبعد اتفاق خفض التصعيد بين تركيا وروسيا في 2018 تم انشاء نقطة مراقبة تركية قرب بلدة العيس، ليعود قسم كبير من أهالي البلدة إلى منازلهم المدمرة في الشهر الخامس من 2018.
لتعود قوات النظام وبدعم إيراني ورسي لاحتلال بلدة العيس في 8-2-2020، في عملية عسكرية واسعة خسرت المعارضة فيها مساحات كبيرة من أرياف حلب وإدلب وحماه، وتهجير قرابة مليون ونصف إلى مخيمات الحدود السورية التركية.
حيث تسيطر عليها اليوم قوات إيرانية، ولا يقطنها سوى بضع عشرات من العائلات بعد أن كانت مجمعًا سكانيًا كبيرًا، تأتي اليها الناس من مختلف المناطق للدراسة والتطبيب وشراء الاحتياجات المنزلية.

التركيبة السكانية

يعيش اليوم معظم سكان بلدة العيس في منطقة مشهد روحين شمال إدلب، في كتل سكنية مصنوعة من الطوب، تم تجهيزها للمهجرين كبديل عن الخيم.
فقد بلغ عدد سكان العيس قرابة 12 ألف نسمة، ففيها مساحات واسعة من الأراضي الخصبة، إضافة لانتشار العلم فيها بشكل كبير، فلا يكاد يخلو بيت من بيوتها إلا وفيه طالب أو خريج جامعي، فيوجد فيها 7 مدارس بينها ثانوية عامة وصناعية وفنون نسوية، إضافة لوجود المركز الثقافي الذي أعطاها بعدًا ثقافيًا مهمًا، كما تعتبر مجمعًا طبيًا، نظرًا لوجود عدد من المشافي والعيادات الطبية المتعددة الاختصاصات، والتي يقصدها المرضى من مختلف المناطق المحيطة.
وتعتبر بلدة العيس ذات طبيعة زراعية حيث تكثر فيها زراعة القمح والشعير والفول والقطن والذرة البيضاء والصفراء، بالإضافة لتربية الحيوانات وخصوصًا الأغنام حيث يوجد فيها سوق كبير للأغنام يعمل فيه أغلب تجار الأغنام في المنطقة.
وأكثر ما يميز بلدة العيس هو الثقافة العالية المنتشرة بين أبنائها، وهذا انعكس على عدة نشاطات وفرق تطوعية وجمعيات خيرية وتجمعات للشباب المثقف في البلدة التي قام بها شبابها لخدمة بلدتهم وأهلها.
وعن طبيعة السكان، فلأهل العيس لهجتهم العربية البدوية الخاصة التي تختلف عن محيطها، فأغلب سكان البلدة يعودون للنسب الحسيني الهاشمي، من قبيلة السادة المشاهدة، التي قدمت من منطقة مشهد الحجر في منطقة عانة في محافظة الأنبار في العراق، والتي قدمت من الحجاز «من مكة»، فهي منتشرة في الشمال السوري وحمص وحماه ودير الزور والحسكة وريف دمشق، وتربط بين أبنائها علاقات وطيدة، خصوصًا بعد موجات التهجير التي شهدتها سوريا بعد الثورة.

قيل في قنسرين

كتب الشعراء والرحالة في قنسرين الأشعار ومن بينهم الشاعر جرير، حيث قال:
أنيخي بأرض العيس وانتجعي الكلا.. وحطي رحال الهم فالقلب قد سلا
هناك بأرض العيس كانت مدينة.. دعوها بقنسرين قبلاً وأولا
لنا في روابيها غزلان نشان بها.. مذ هبت النسمات والحق قد علا
ولنا في روابيها معامع جمة.. وأشلاء أبطال ودم بها غلا
وكم دككنا حصون الروم من مرة.. وقطعنا فيها أوصال العدا

وقد قال الشاعر علي الأحمد العكاش بن بلدة العيس ويسكن في بلاد الغربة في المغرب العربي:
سقى الله أرض العيس بالطل والحيا.. سلاما يرويها مدى العمر حانيا
بها الأهل والخلان طيبًا وعفة.. فأكرم بها دارًا وأهلًا وبانيا
لك الشوق ملء القلب حبًا ولهفة.. فيا عيس هل نلقاك يومًا امانيا
نعيش بها آمنا ونلقاك بهجة.. لطول اغتراب يترك القلب باكيا
سلام على أرض الكرام تجلة.. يقبلها قربًا وإن كان نائيا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية