قوات النظام تدفع ثمناً باهظاً لتقدمها البطيء جنوب إدلب وسط نزوح الآلاف ومقتل العشرات

هبة محمد
حجم الخط
0

دمشق – «القدس العربي» : يبدو أن الأوضاع العسكرية تتجه إلى المزيد من التعقيد شمال سوريا، مع تكثيف الغارات الجوية الروسية وفتح النظام عمليتين عسكريتين متزامنتين في ريف إدلب، وتقدمه شمال غربي البلاد، مع وضوح الهدف الروسي الذي تخطى تأمين الطريق الدولي إلى التقدم والهجوم من أجل فرض واقع جديد على قوى المعارضة، وحتى تركيا، واستخدام هذا التقدم كسلاح في أي عملية تفاوض حالية او مستقبلية.
فقد انتزع النظام السوري خلال الساعات الـ48 الماضية، السيطرة على مواقع ومناطق هامة كانت بحوزة المعارضة في ريفي حماة وإدلب وهي تل شكيك، مغر الحمام، سكيك، والهبيط، وذلك في أعقاب هجمات برية وأخرى صاروخية وغارات أجبرت آلاف المدنيين في المناطق المحتدمة على النزوح القسري نحو الحدود السورية – التركية الأكثر أمناً، في حين لا زالت قوات المعارضة السورية بمختلف تشكيلاتها تقاوم رغم غياب التوازن العسكري مع المهاجمين، فيما يبدو أن الموقف التركي الضامن للمعارضة والاتفاقيات الدولية ثابت على مواقفه من الناحيتين العسكرية والسياسية، إذ يواصل دعمه للفصائل بما يكفي للردع ولا يؤدي لإطاحة التفاهمات الثنائية التي خرج بها عبر ساحتي «أستانة» و«سوتشي». قيادات من فصائل الجيش السوري الحر التي تجابه النظام السوري في ريف حماة، تقول لـ «القدس العربي» إن معركة روسيا اليوم هدفها إنهاء الثورة السورية وليس فقط السيطرة على الطرق الدولية «إم- 4 و إم-5».

روسيا تتبع سياسة «الأرض المحروقة» وتركيا تحافظ على سياسة الردع شمال غربي سوريا

جولة حرب جديدة

العقيد مصطفى بكور، القيادي في جيش العزة – أحد أبرز الفصائل المقاتلة – على جبهات ريف حماة، يقول: الجولة الحالية من الحرب، تركز فيها روسيا والنظام السوري على استهداف نقاط تمركز وانتشار قواتنا أكثر من بقية الفصائل المشاركة معنا، إضافة إلى التركيز على استهداف المدنيين في الأماكن البعيدة عن مواقع المواجهات المباشرة. كما تحدثت وسائل إعلامية محلية عن إحباط هجمات عدة للنظام وداعميه كانت تستهدف تسلل مجموعات عسكرية روسية نحو سهل الغاب في ريف حماة.
ويقول لـ «القدس العربي»: نواجه كثافة نارية غير مسبوقة، تستهلها القوات المهاجمة باستخدام الأسلحة المحرمة دولياً، إضافة إلى اتباع سياسة الأرض المحروقة، مما أدى إلى انسحاب التشكيلات العسكرية المعارضة عن بعض المواقع بعد أن مسحتها الطائرات الحربية عن الجغرافيا. ولم يستبعد القيادي المعارض، أن تكون الحملة الأخيرة التي تقودها روسيا ضد مناطق خفض التصعيد في الشمال السوري، تطبيقاً لمخرجات «سوتشي»، ولكن باستخدام القوة المفرطة من قبل موسكو ودمشق، واستطرد قائلاً: «لم يكن ريف حماه الشمالي يوماً خارج دائرة الخطر، لكن اليوم زادت نسبة الخطر».
ووثق المرصد السوري لحقوق الإنسان خلال أسبوع من انهيار وقف إطلاق النار ضمن منطقة خفض التصعيد في الشمال السوري، مؤكداً أن نحو 8000 ضربة جوية وبرية مكنت قوات النظام من السيطرة على 6 بلدات وقرى شمال حماة وجنوب إدلب وتسببت بمقتل نحو 275 شخصاً.
كما شهدت مناطق خان شيخون والتمانعة وعابدين وكفرسجنة ومحيطها في القطاع الجنوبي من الريف الإدلبي عملية نزوح خلال الـ 24 ساعة نتيجة التصعيد العنيف من قبل قوات النظام وحليفها الروسي براً وجواً، حيث نزح العشرات بعد أن كان معظم أهالي المنطقة قد نزوحوا في وقت سابق منذ بداية التصعيد الأعنف. وأعلنت روسيا مقتل 23 من قوات النظام السوري وجرح 7 آخرين، خلال يومي السبت والأحد، بهجمات للمعارضة السورية في الشمال السوري. في حين قالت مصادر عسكرية محلية لـ «القدس العربي» إن الجيش الروسي بدأ باتخاذ إجراءات جديدة للتخفيف من التأثير الكبير للصواريخ الموجهة «تاو» التي تستخدمها المعارضة السورية، وذلك من خلال الاعتماد على دبابات متطورة للغاية كـ «تـ 92». إضافة إلى الهجمات الليلية، واتباع ذات أسلوب المعارضة السورية «هجوم العصابات»، والابتعاد عن الاقتحام المباشر، بعد استبداله بكثافة نيرانية أكبر جواً وبراً.

غايات وأساليب

وبات حاضر الشمال السوري مختلفاً تماماً من وجهة نظر السياسي السوري درويش خليفة، فبعد الهدنة الخجولة التي أطلقها النظام بإيعاز من مركز حميميم – القاعدة الروسية في الساحل – والتي لم تتجاوز الـ 48 ساعة، وذهاب الضامنين إلى جولة أستانة 13، وكل منهم يلوم الآخر على ما يشهده الشمال السوري من معارك تسَوي كل شيء بالأرض. وبعد عودة الضامنين إلى قواعدهم، بات كل منهم يفكر بإتجاه نحو الحسم، فالروس اعتمدوا سياسة الأرض المحروقة كما فعلوا في مناطق سورية عدة، معتمدين على قضم المناطق وعلى العامل النفسي الذي يصيب مقاتلي الثورة عند خسارتهم لأي منطقة قدموا فيها الغالي والنفيس في سبيل بقائها تحت سيطرتهم.
وهو يقول لـ «القدس العربي»: الخرائط على الأرض تنذر باستفحال جرائم النظام وحلفائه الروس مع كم الذخائر المستخدمة في معاركه الاخيرة، كما تحبط نفوس المدنيين بعد خسارة الهبيط والقرى المحيطة كونها منطقة استراتيجية وكذلك الصمت الدولي والإقليمي الممثل بالضامن التركي. ولكن ما هو شبه مؤكد، أن الضامنين يحاولون تطبيق اتفاق «سوتشي» كلاً من وجهة نظره وحسب ترتيب أولوياته، فالأتراك أولوياتهم شرق الفرات، والروس يرغبون بفتح طرق الترانزيت الدولية، وهي الأهم وهذا ما يلومون الأتراك عليه بسبب تأخرهم في تطبيق اتفاق «سوتشي» وبغياب أطراف الصراع السوري – السوري.

موقف أنقرة

بيد أن الباحث السوري عبد الوهاب عاصي يرى أن روسيا ترغب في فرض سياسة الأمر الواقع إزاء مقاربتها حول منطقة خفض التصعيد على مستويات الرقابة والإشراف والتنفيذ، أي بما يحقق مصالحها الأمنية والسياسية على نحو منفرد بشكل أفضل من النموذج المشترك الذي يقلل من أهمية وجودها الاعتباري وتدخلها في سوريا. وبالتالي هي تريد رسم مستقبل المنطقة منزوعة السلاح بمفردها وبإرادتها ودفع تركيا للقبول بصياغة اتفاق جديد حولها بعد عام من إتمام برتوكول «سوتشي» في أيلول/سبتمبر 2019.
مشاركة الجيش الوطني السوري بشكل رسمي في معارك ريف حماة وإدلب، وفق ما قاله الباحث لـ «القدس العربي»، مقترن بقرار عسكري وسياسي تركي. ولا يبدو أن لدى أنقرة توجهاً للزج بقوات من منطقة عمليتي غصن الزيتون ودرع الفرات لأسباب متعددة منها عدم رغبتها في تحويل العمليات القتالية للفصائل من الدفاع والردع نحو الهجوم. إضافة إلى عدم رغبتها في تشتيت مهامه في ظل التحديات الأمنية على صعيد مكافحة قوات سوريا الديمقراطية وأنشطة تنظيم «الدولة» (داعش)، وهذا ما يفسر اقتصار مشاركة الجيش الوطني بشكل غير رسمي ومحدود.
وما يزال دعم تركيا للفصائل لوجستياً وعسكرياً سارياً، ولم ينقطع كما يسود الاعتقاد لدى البعض بعد التراجع العسكري الأخير، لكن لا بد من فهم سياق الدعم التركي فهو لا يتجاوز سياسات الردع والدفاع أي الإمداد بالصواريخ المضادة للدروع وغيرها. لكن حجم العملية العسكرية التي يشنها النظام السوري بدعم جوي وبري روسي يتجاوز- وفق الباحث – القدرة على الردع حيث تحتاج الفصائل لتوسعة عملياتها الوقائية، مثلما فعلت في جبهة الساحل حينما حققت تقدما ثم تراجعت، وكذلك في تل الملح شمال حماة وتل الواسطة جنوب حلب. وهذا يتطلب قدرات لوجستية وتنسيقاً أكبر، إلى جانب الحاجة إلى فتح أكثر من محور هجومي للمشاغلة وللسيطرة ولا يبدو أن لدى الفصائل قدرة على ذلك لأسباب متعددة كما لا يتضح أن لدى تركيا توجهاً نحو تعزيز القدرات الهحومية للفصائل، لما لذلك من تأثير على مسار عملية «أستانة» أي أنها لا ترغب في التفريط بالمسار كون الهجوم الواسع النطاق من قبل المعارضة يعني تقويض تركيا لملف وقف إطلاق النار، والتحديات السياسية والأمنية الحالية لا تدفع تركيا نحو هذا الخيار.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية