دمشق – «القدس العربي» : واصلت قوات النظام والميليشيات الموالية له، تقدمها خلال الساعات الماضية في ريف حلب الجنوبي، شمالي سوريا، وسيطرت على خمس بلدات، جنوب وشمالي الطريق الدولي «دمشق – حلب» المعروف بـ «إم 5»، أبرزها منطقة «الإيكاردا» جنوب حلب، عقب اشتباكات عنيفة مع الفصائل المقاتلة والجهادية في المنطقة.
ومع سيطرتها على منطقتي «الإيكاردا والعيس»، تكون قوات النظام قد انتزعت السيطرة على أبرز المناطق التي تبقت لها في طريقها لاستكمال السيطرة على كامل أوتوستراد دمشق – حلب الدولي، حيث سجل المرصد السوري لحقوق الإنسان تقدمات متسارعة حققتها القوات المهاجمة تمثلت بالسيطرة على قرى «الزربة والبرقوم والكماري والصالحية والكلارية» وجعلتها على بعد 2 كلم من بسط سيطرتها على الطريق الاستراتيجي، إذ بقي أمامها منطقة الراشدين الرابعة فقط، التي تضم نقطة مراقبة عسكرية تركية وذلك وفق ما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان الأحد.
وتركز الهجوم على ريف إدلب الجنوبي والجنوبي الشرقي وريف حلب الجنوبي الغربي المجاور، حيث يمر الطريق الدولي «إم 5» الذي يصل مدينة حلب بالعاصمة دمشق، ويعبر مدناً رئيسية عدة من حماة وحمص وصولاً إلى الحدود الجنوبية مع الأردن.
وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن لوكالة فرانس برس «حققت قوات النظام تقدماً جديداً الأحد وسيطرت على عدد من القرى قرب الطريق» في ريف حلب الجنوبي الغربي، مشيراً إلى أن «كيلومترين فقط يفصلانها عن استعادته بالكامل». ويصل الطريق إلى مدينة حلب من الجهة الغربية. وتُعد استعادة هذا الطريق الذي يعرف باسم «الإم 5»، الهدف الأبرز لدمشق حالياً، وقد سيطرت على الجزء الأكبر منه تدريجياً خلال هجمات عسكرية على مر السنوات الماضية.
«تحرير الشام»
وبعد استعادة قوات النظام كامل مدينة حلب في العام 2016، حافظت هيئة تحرير الشام وفصائل أخرى على سيطرتها على منطقة واسعة تمتد من أطراف المدينة الغربية إلى مناطق واسعة في ريفيها الغربي والجنوبي الغربي. ومحافظة إدلب ومحيطها مشمولان باتفاق روسي تركي يعود إلى العام 2018 نص على إقامة منطقة منزوعة السلاح تفصل بين مواقع سيطرة قوات النظام والفصائل، وعلى فتح طريقين دوليين، بينهما طريق حلب – دمشق. إلا أن الاتفاق لم يُنفذ كون أي انسحابات لمقاتلي هيئة تحرير الشام لم تحصل، فيما استأنفت دمشق هجماتها على مراحل.
«الشبكة السورية»: القوات الروسية قتلت 115 مدنياً وارتكبت 8 مجازر
وبالتوازي مع الخسائر المادّية والعدديّة الكبيرة التي تكبّدتها فصائل المعارضة، تقول مصادر محلية إن قوات النظام بسطت سيطرتها خلال الساعات والأيام القليلة الفائتة على 52 منطقة في ريفي حلب الجنوبي والغربي. من جهتها، اعلنت «القيادة العامة للقوات المسلحة» لدى النظام السوري، السيطرة على مساحة جغرافية تزيد عن 600 كيلومتر مربع وإحكام السيطرة على عشرات البلدات والقرى والتلال الحاكمة، خلال الأيام الفائتة. والتقت القوات المتقدمة من اتجاه إدلب الشرقي بالقوات المتقدمة من حلب الجنوبي مستعيدة السيطرة على المساحات الجغرافية الفاصلة بينهما.
ويترافق تقدم قوات النظام مع مواصلة القصف الجوي على مناطق عدة في الريف الحلبي، حيث شنت طائرات حربية روسية بعد منتصف ليل السبت – الأحد وصباح الاحد غارات مكثفة على كل قرى ريفي حلب الغربي والجنوبي الغربي، ما أدى لمقتل رجل وزوجته، وسقوط عدد من الجرحى، وسط نزوح متصاعد لأهالي وسكان بلدات وقرى ميزناز ومعرة النعسان وكفرنوران وكفرحلب.
الرد التركي
وكان لتعاطي تركيا مع استهداف نقاطها العسكرية، دور بارز في تشجيع النظام السوري وحلفائه على تحييد فاعليتها، ومن ثم اختبار مدى قدرة وعزم أنقرة على حماية تواجدها العسكري في سوريا، وفي هذا الاطار يقول مدير وحدة الدراسات لدى مركز جسور للأبحاث الاستراتيجية لـ»القدس العربي» إنه منذ شباط/ فبراير وحتى حزيران/ يونيو 2019، تم استهداف محيط نقاط المراقبة في شيرمغار ومورك 7 مرات بدون وجود رد حازم من قِبل تركيا، ما أدّى في المرّة الثامنة لاستهداف نقطة مورك بشكل مباشر، ورغم ذلك كان الرد ضعيفاً، وبعد أن تمّ اختبار فاعلية نقاط المراقبة في كبح تقدّم النظام السوري، قام حلفاء هذا الأخير بتطوير آلية لتجاوزها عسكرياً عبر فرض طوق عليها. وحتى مطلع شباط/ فبراير 2020، تم تطويق 3 منها.
وتدرك أنقرة، حسب تصريح عبيدة فارس لـ «القدس العربي» على أن انتشار نقاط المراقبة لن يساهم في عرقلة جهود النظام السوري بالسيطرة على المنطقة، لكنها تحرص على وجودها كضرورة للحفاظ على الأمن القومي في ظل الأوضاع المضطربة في سوريا. صحيح أنّ تركيا تجد صعوبة في وضع حدّ فاصل بين الوقاية المطلوبة والتصعيد غير المرغوب في إدلب، لكنّ استمرار عمليات الردّ المحدودة والتعويل على المسار الدبلوماسي، ربّما يشجّع حلفاء النظام السوري على فرض إطار عسكري وقانوني لتواجد وتأثير تركيا في سوريا.
مقتل 52 طفلاً
وفي حين أنّ تركيا تنظر إلى مسار أستانة كوسيلة لبناء تفاهمات مع روسيا، يبدو أنّ هذه الأخيرة لا ترى فيه سوى أداة لاحتواء تركيا والحفاظ على علاقة إيجابية معها بما يبعدها أكثر عن الولايات المتّحدة الأمريكية أو على أقل تقدير يساعد في الضغط عليها. وبالتالي، ما لم يحصل ردّ مغاير للتعاطي السابق من قبل أنقرة، حسب رؤية المتحدث «فلا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأنّ روسيا سوف تتخلى عن أهدافها في إدلب بما في ذلك تحديد مستقبل تواجد وتأثير تركيا في سوريا والذي قد يكون عبر اتفاق أضنة غير مرضٍ بالنسبة لها؛ هذا بصرف النظر إن كان معدّلاً أم لا».
وكشفت الشبكة السورية لحقوق الإنسان عن حصيلة انتهاكات قوات النظام وروسيا شمال سوريا منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ يوم 12 كانون الثاني، من العام الجاري، وأوضحت الشبكة أنها وثقت مقتل 183 مدنياً، بينهم 52 طفلاً و30 سيدة، وارتكاب 9 مجازر، على يد قوات النظام وروسيا في شمال غربي سوريا، مشيرةً إلى أن قوات النظام قتلت 68 مدنياً بينهم 12 طفلاً.
وأضافت أن قوات النظام قتلت في إدلب 59 شخصاً بينهم 10 أطفال و5 سيدات، كما ارتكبت مجـزرة في إدلب خلال تلـك الفتـرة، بيـنما قتلت في حلب 9 أشخاص بينهم طفلان وسيدتان، مؤكدة أن القوات الروسية قتلت 115 مدنياً، بينهم 40 طفلاً و23 سيدة، وارتكبت 8 مجازر. فريق الدفاع المدني السوري، ذكر في بيان له، ان فرقه الميدانية العاملة في أرياف محافظة حلب، أحصت تعرض ريف حلب لـ 278 هجمة جوية وبرية لقوات النظام وروسيا، خلفت 57 قتيلا و155 جريحا من بينهم عنصر من الدفاع المدني السوري. وأكد البيان استهداف النظام وروسيا لثلاثة مراكز خدمية للدفاع المدني، مشيراً إلى أن فرقه نفذت 1512 عملية إسعاف، و53 عملية إطفاء، و1918 عملاً خدمياً جراء القصف.
وشهد ريف حلب الغربي مجزرتين خلال الشهر الفائت «كانون الثاني»، الأولى في قرية كفر تعال غربي حلب استشهد خلالها تسعة مدنيين من بينهم خمسة أطفال، والثانية في كفرنوران جنوب غربي حلب سقط على إثرها عشرة قتلى وعشرة جرحى. كما قتل تسعة أفراد من عائلة واحدة بينهم أربعة أطفال وثلاث نساء، جراء غارة روسية استهدفتهم، بجمعية الرحال في ريف حلب الغربي، كان أفرادها يستعدون للنزوح بسيارتهم الخاصة إلى المناطق الحدودية مع تركيا شمالي سوريا.